الرئيسية / دعوة / وقفات إيمانية مع المأساة الحلبية (1)

وقفات إيمانية مع المأساة الحلبية (1)

علامات أونلاين - وكالات:


نتابع جميعاً مأساة حلب وغيرها من بلاد المسلمين، ومع هذه المحن والهزائم العسكرية أو الانتكاسات السياسية تضطرب العقول وتزلزل النفوس وتكثر التساؤلات وتحوم الشبهات، فنحبّ أن نقف هذه الوقفات:

1- لماذا لا يتدخل الله لنصرة المستضعفين والمظلومين؟ لماذا لا يرسل الطير الأبابيل كما فعل مع أبرهة وغيره من الجبابرة والطغاة؟

إن الله سبحانه لا يُسأل عما يفعل وهو سبحانه مهما أنزل بعباده فهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، ولكن يجب أن نسأل أنفسنا: هل أخذنا بالأسباب التي تستجلب مَدد الله ومعونته؟ هل علمنا أنه سبحانه جعل للنصر قوانين؛ فهو ينصر من ينصره، وجعل مواجهة الظلم والباطل فريضة وواجباً على عباده, ولكن بعض المسلمين يعيشون على وهْمٍ يُخيّل إليهم أن انتصارهم على أعدائهم, وتحقيق الآمال سيكون (منحة سماوية خالصة) لا دخل لهم بها وستأتيهم على يد جبريل والملائكة, أو بكارثة كونية لا تُبقى ولا تذر, مع أن القرآن الكريم يؤكد على ضرورة بذل الجهد البشري من المسلمين كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكل أصحاب الرسالات والمبادئ (ذلك ولو يشاءُ الله لانتصر منهم ولكن ليبلوَ بعضَكم ببعض) [ محمد 4] ( قاتلوهم يعذبْهم الله بأيديكم) [التوبة 14] (ولولا دفع الله الناسَ بعضَهم ببعض لهُدمت صوامعُ وبِيع وصلواتٌ ومساجدُ يُذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرنّ الله من ينصرُه إن الله لقوى عزيز) [ الحج 40]. والشواهد كثيرة جداً، وإذا كان الله سبحانه أنزل الطير الأبابيل على أبرهة فلم يكن هناك مؤمنون مكلفون بالدفاع والحماية، كما أن المدد الإلهي لا ينزل إلا بعد بذل الجهد كما قال بعضهم ” إذا بُذل المجهود حصل الموعود”.

2- يبتلينا وهو أرحم الراحمين: من أخطر الفتن أن يجعلك الشيطان تسيء الظن بربك أو تسخط على قضائه وقدره, أو تتهم حكمته أو تشك في قدرته سبحانه، وهذه الابتلاءات التي تنزل بالمسلمين –وإن كانت من عند أنفسهم وبما كسبت أيديهم – هي الدواء المُر الذي يشفيهم بإذن الله, والسياط المُلهبة التي توقظهم بعد نوم طويل, ورحم الله ابن القيم عندما قال ” فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها, كما أن عامة مضارّها وأسباب هلكتها في محبوباتها فانظر إلى غارس جنة (حديقة) من الجنات خبير بالفلاحة غرس جنة وتعاهدها بالسقي والإصلاح حتى أثمرت أشجارها فأقبل عليها يقطع أغصانها الضعيفة التي تذهب قوتها ويذيقها ألم القطع والحديد لمصلحتها وكمالها, لعلمه أنها لو خُليت على حالها لم تطب ثمرتها.

وكذلك الأب الشفيق ( الرحيم )علي ولده, العالم بمصلحته إذا رأى مصلحته في إخراج الدم الفاسد عنه بَضَع جلده ( قطعه بالمشرط ) وقطع عروقه وأذاقه الألم الشديد وإن رأى شفاءه في قطع عضو من أعضائه قطعه عنه كان ذلك رحمة به وشفقة عليه, فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله بهم نظراً منه لهم ( أي اختياراً لمصلحتهم) وإحسانا إليهم ولطفا بهم ولو مُكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم؛ علماً وإرادة وعملا لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته, أحبوا أم كرهوا, فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه, وخفي ذلك على الجهلة به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره وقدحوا فى حكمته, ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمته بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة, فلا لربهم عرفوا, ولا لمصالحهم حصلوا “( كتاب الفوائد ص 93 بتصرف )

3- ولكن لماذا المحن والابتلاءات؟: للمحن والابتلاءات أسباب وحِكم جليلة منها:

 تمحيص الإيمان (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ),

 وليتميز المجاهد الصادق من المدعي (ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ )

ومنها تمييز الصادق من الكاذب وتنقية صفوف المسلمين وليتبين صبر المؤمن على عقيدته (وجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُون)(ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ)(البقرة:155–157) (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)(البقرة:214 ),

ومنها تكفير السيئات ورفع الدرجات واصطفاء الله شهداء،

ومنها استخراج العبودية من أولياء الله وأحبابه (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) وفى الحديث” إذا أحب الله أحدا ابتلاه ليسمع تضرعه” (رواه أحمد والديلمى).

 وأعظم ما يكون الابتلاء في تسليط الظالمين على المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم، وعن الحق الذي آمنوا به، وقد قال الله تعالى (واحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ)(المائدة:49)، وربما اشتد هذا البلاء حتى يتحير الحليم.

4- هل انتهى أمر الإسلام والمسلمين؟ مع كثرة المآسي والنكبات وتتابُع الهزائم يستسلم بعض المسلمين لحالة من اليأس والإحباط والبكاء والعويل واعتقاد أن الإسلام قد انتهى أمره، بل قد يستدعي بعضهم أحاديث الفتن وقُرب قيام الساعة، وهي حالة أصابت المنافقين بعد هزيمة غزوة أحد وقال الله عنهم { وطائفة قد أهمّتهم أنفسُهم يظنون بالله غيرَ الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمرَ كلَّه لله }
قال السعدي في تفسيرها: أي ما لنا من الأمر – أي: النصر والظهور- شيء، فأساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وظنوا أن الله لا يُتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفاصلة والقاضية على دين الله، فقال الله في جوابهم: { قل إن الأمر كله لله} والأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبة  النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى.
وفي تعليقاته على الحِكَم الجليلة من هزيمة أحد يقول ابن القيم رحمه الله (فمن ظن أنه لا ينصر رسوله ولا يُتم أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويُعليهم ويظفرهم بأعدائه ويُظهرهم عليهم أو أنه لا يقدر على ذلك أو أنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يُديل (أى ينصر ويمكن) الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبدا، فقد ظن بالله ظن السوء(زاد المعاد 2/ 117 ).
وهذا هو الحق الثابت الذي انعقدت عليه قلوب الصحابة والصالحين مع كل محنة، ففي غزوة الأحزاب بلغت الشدة حد قول الله تعالى (وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا) ومع سقوط المنافقين في هذه المحنة فإن المؤمنين قد ازدادوا فيها إيمانا  (ولَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ومَا زَادَهُمْ إلا إيمَانًا وتَسْلِيمًا) الأحزاب
5 – أمة لا تموت والتاريخ خير دليل: ليست هذه المحنة التي تعيشها الأمة الآن أولى الشدائد والمحن، بل سبقتها محنٌ كثيرة قاسية انتهت بفضل الله إلى عز للإسلام والمسلمين، والأمة المسلمة قد تمرض ولكنها بإذن الله لن تموت، والباطل- مهما علا وانتفش- زاهق زائل والحق باق وأصحابه مهما اُستضعفوا وحُوربوا وشُردوا وأُوذوا فلابد أن يمكن الله لهم، وشمس الإسلام لا تغرب بإذن الله أبداً، وإن اختفت فى مكان فهي ساطعة بازغة فى مكان آخر.
فالمسلمون بعد النبي صلي الله عليه وسلم  تعرضوا لمحنة (الرِّدَّة والمرتدين) وأصبحوا – كما وُصفوا- (كالشاة الوحيدة في الليلة المطيرة لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم  وكثرة عدوهم) ولكنهم نهضوا مرة ثانية وأخمدوا الفتنة بل واصلوا الفتوح حتى فتحوا فارس والروم وقضوا على أكبر إمبراطوريتين عالميتين فى وقت واحد.
وفى الوقت الذى سقطت فيه الخلافة فى بغداد كانت الدولة الإسلامية تزدهر وتتسع فى الهند، بل إن التتار الذين سحقوا العالم الإسلامي اندحروا بعد سنتين والأغرب من ذلك دخول أكثرهم في الإسلام، والقرن الذى شهد سقوط غرناطة آخر مصارعنا فى الأندلس (1492) م كان نفسه الذى شهد الفتح الإسلامي للقسطنطينية وظهور الدولة العثمانية الإسلامية التى غزت أوروبا فى عقر دارها.
والقدس ظلت أسيرة تحت حكم الصليبيين حوالى (92) سنة حتى جاء صلاح الدين وحررها، وفى الوقت الذى خسرنا فيه (فلسطين) قامت دولتا باكستان وأندونيسيا.
ولما سقطت الخلافة في بداية القرن العشرين، وتمدد الاستعمار في البلاد الإسلامية، ظن البعض أن الإسلام قد أصبح مجرد ثقافة من الماضي ولا سبيل لعودته إلى الحياة، لكن الله قيّض للإسلام صحوة كبرى في أنحاء العالم الإسلامي أعادت تعريف الجماهير بحقيقته، وتجميعهم على رسالته، حتى دخل الإسلامُ كلَ أقطار الدنيا بفضل الله بل إن من أشد مخاوف الغرب الآن كثرة التمدد الإسلامي في بلاده.
هذا وغيره كثير يجعلنا نطمئن إلى أنه مهما بلغ الكيد لهذا الدين ولهذه الأمة فإن الله جاعل لها فرجًا ومخرجًا، ولنعلم أن الصراع بين الحق والباطل جولات ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ولكن العاقبة للمتقين


Comments

comments

شاهد أيضاً

التغافر والتغافل .. سياج الأخوة

الأخوة من نعم الله تعالى، فإذا استوفت شروطها وجبت محبة الله لعباده, كما في الحديث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *