الرئيسية / دعوة / نحو نظرة دعوية جديدة لمجتمعاتنا
أحمد عبد الحافظ محمد
أحمد عبد الحافظ محمد

نحو نظرة دعوية جديدة لمجتمعاتنا

بقلم: أحمد عبد الحافظ محمد


كثيرا ما نسمع موقف إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الطائف، ورفضه لطلب ملَك الجبال أن يُطْبق على مكة وكفارها الأخشبين (الجبلين)، ثم قوله: “بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا”، ويستدل بذلك على مدى عفوه وصفحه صلى الله عليه وسلم.

غير أن هناك نظرة أخرى للموقف تراءت لي، وهي نظرة النبي صلى الله عليه وسلم تجاه المجتمع.

أحيانا ما نسمع – خاصة من أصحاب الدعوات الممتَحَنِين في دعوتهم- أن لا خير في هذا المجتمع الذي أيد الظالمين وأعان المستبدين، بل بعضهم يدعو عليهم بالهلاك والبوار.

هذه النظرة السلبية مخالفة لنظرة النبي صلى الله عليه وسلم الإيجابية للمجتمع، فقول رسول الله: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله”، تمثل قمة الوعي بحقيقة التدافع الإلهي في الصراع بين الحق والباطل، وأن ذلك الصراع في حقيقته هو استجلاب كل منهما لأكبر قدر من المجتمع في صفه، سواء لصف الحق أو الباطل، وسواء بطريقة الرغبة أو الرهبة.

فماذا كان يضير النبي صلى الله عليه وسلم لو استجاب لدعوة ملك الجبال؟، لن يُضيره شيء، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينتقل بوعي المسلمين من حالة التواكل إلى حالة التوكل، ومن حالة الانتقام والتشفِّي إلى حالة الرحمة وطلب الهداية، ومن حالة الانعزال إلى المواجهة والصبر على المدافعة.

 

وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر تلك النظرة الإيجابية من الداعية إلى مجتمعه، وأنه مهما بلغ الأذى من أبناء المجتمع له، فحريٌّ به أن يصبر على أذاهم، ولا يستعجل عليهم بالدعاء، ففي الحديث: “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم”.

 

ومع ما بلغ من مشركي الطائف تجاه النبي صلى الله عليه وسلم من التعذيب والتنكيل والمطاردة، كان لسان حاله: “اللهم اهد ثقيفًا”، وبعد أن قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إن دوسًا عصت وأبت، فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس. فقال صلى الله عليه وسلم: “اللَّهم اهد دوسا وَأْتِ بهم، ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم”.

 

نظرة إيجابية للمجتمع

إن هذه النظرة الإيجابية تجاه المجتمع هي في حقيقتها جوهر الدعوة وأصل الإسلام، ولذا عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على قومٍ من الكفار، قال: “إنما بعثت رحمة، لم أبعث عذابا”، وعلَّق البيهقي – في شعب الإيمان- على عدم دعوته على المشركين بقوله: “وهذا -والله أعلم- على أنه كان يرجو إسلامهم”. وأخرجه مسلم في صحيحه بلفظ: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين. قال: “إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة”. وفي ذلك معنى آخر ولفتة لطيفة للداعية وخاصة ممن يطيلون التذمر من مجتمعهم ويكثرون الدعاء بهلاكهم.

 

وفي غزوة أحد لما كُسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وشج وجهه قال: “اللهم اغفر – أو اهْدِ- لقومي فإنهم لا يعلمون”، وقد علق القاضي عياض تعليقا لطيفا على هذا الموقف فقال في الشفا: “انظر ما في هذا القول من إجماع الفضل، ودرجات الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم، فقال: (اللهم اغفر أو اهد). ثم أظهر الشفقة والرحمة بقوله: (لقومي). ثم اعتذر عنهم لجهلهم فقال: (إنهم لا يعلمون)”.

وماذا لو أن الداعية استجاب لدعوات النفس المكلومة من القهر والظلم ودعا على أهله وقومه لربما استجاب الله له، ولكنه ربما حرم الأمة وحرم نفسه ومجتمعه من خير ربما كان سببا في نصر الدعوة ونشر الدين، فالداعية لا ينتصر لنفسه بقدر ما ينتصر لدعوته ودينه، وماذا يكسب الإسلام لو هلكت قريش؟ لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا”. يقول منير الغضبان معلقا في فقه السيرة: “إن نشوة النصر بالجيل الذي يخرج من أصلابهم ويحمل لواء الدعوة إلى الله أعظم بكثير من أن يرى مصرع القوم بين يديه. يا له من قمة شامخة إلى السماء قدماها على الأرض، ولا يرتقي لها مخلوق في هذا الوجود. وأنتم أيها الدعاة إلى الله، هل لكم أن تفقهوا عظمة هذا الدرس حين تملك الدعوة على المسلم كل قلبه ومشاعره وحياته .. ويكون انتصار الدعوة هو الهدف الأول والأخير؟”.

 

وهناك لفتة دعوية أخرى – ذكرها الغضبان في موضع آخر من المنهج الحركي للسيرة، فقال: “إن مهمة السياسي أن ينتصر، أما مهمة الداعية أن تنتصر دعوته. وحين يخير بين الأمرين يختار دعوته على شخصه. وكم من الدعاة بحاجة إلى أن يتعمق هذا المعنى في نفوسهم ..، إننا لا يمكن أن نتصور مثل هذه النماذج في الوجود، ولكن لنحاول الارتفاع إلى أفقها السامي، فأقبح رد وألأم معاملة تصل إلى الحد الذي ذكرته الروايات ..، ومع ذلك يأتيه العرض من ربه تعالى أن ينتقم له ويثأر له, وليس عرضا من حليف أرضي، ولا من شيطان مريد, بل من رب العالمين، ومع هذا كله يملك الخيار ويرجو ربه أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله. إن المرء ليعجز عن تصوير هذا السمو البشري مهما كان مستواه، بل يكاد يعجز عن تصوره، وبقي مع هذا لنا من هذا الدرس أن لا تغيب الدعوة عن أذهاننا لحظة من اللحظات, وإن يكون رضا الله تعالى هو الذي يحرك مواقفنا جميعها”.

لقد كان الأمل يملأ قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن في تلك الأصلاب ربيعا يملأ الأرض دينا وعزة وحضارة ومجدا. وقد استجاب الله له، فخرج عمرو فاتح مصر من صلب العاص بن وائل، وخالد سيف الله من صلب الوليد بن المغيرة، وعكرمة المهاجر من صلب أبي جهل، بل وأسلم أبو سفيان بن حرب جد الأمويين فاتحي الدنيا، والعباس بن عبد المطلب جد العباسيين خلفاء الأرض، والكثير والكثير من الصحابة والصحابيات.

 

تنبيهات ولطائف

أولًا: تلك النظرة السابقة لا تتعارض مع ما يقرره القرآن أن تمكين الطغاة دائما يأتي من استخفافهم بعقول أتباعهم وما كان المستبد بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه، لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله، لذا قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54]. فهؤلاء الفاسقون شرذمة المجتمع الذين يبغضون الحق وأهله ويناصرون الباطل وحزبه، وهم بلا شك قد تناسوا عقولهم وتحكمت فيهم شهواتهم، فموقعهم إلى مزبلة التاريخ أقرب، وهم في الحقيقة من يجعلون لمدافعة الباطل روحًا ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور طعمًا. فعندما ينتفش الباطل ويزهو بقوته يكثر أتباعه رغبة أو رهبة، ولكن مع مرور الوقت تظهر الحقائق وينكشف الزيف، فيقل عدد أتباعه ومناصريه، ولا يثبت معه في الحقيقة إلا القوم الفاسقون.

 

ثانيًا: والداعية الحق هو الذي لا ينتصر لنفسه وإنما يعفو ويصفح، إلا إذا انتهكت حرمات الله أو تعطلت شريعة الله، فيكون الانتصار هنا للدين لا للنفس، وفي ذلك تعليق لطيف للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في “سبل الهدى والرشاد” يقول: “وقد وقع أنه صلى الله عليه وسلم غضب لأسباب مختلفة، مرجعها إلى أن ذلك في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزجر، فصبره وعفوه إنما كان يتعلق بنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم لما شجّ المشركون وجهه: “اللهم اهد قومي” وقال حين شغلوه عن الصلاة: “ملأ الله قلوبهم نارا”، فتحمل الشّجّة الحاصلة في وجه جسده الشريف، وما تحمّل الشّجّة الحاصلة في وجه دينه المنيف، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجح حق خالقه على حقه صلى الله عليه وسلم”.

ثالثًا: وربما قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كما دعا بالهداية لقومه دعا كذلك عليهم لما كذبوه وعذبوه وأصحابه، وكذلك دعا عليهم نوح عليه السلام وكثير من الأنبياء عليهم السلام، ونقول: إنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قومه قط، وإنما كان دعاؤه على أشخاص بعينهم وفي حادثة بعينها، حتى عندما دعا شهرا كاملا على عضل والقارة لخيانتهم ببئر معونة؛ فلأنه لم يثبت أن أحدهم اعترض على ما فعله سائر القوم، فاستحقوا جميعا لعنة الدعاء. وقد تعرض لذلك وفصَّله الإمام جمال الدين السُّرَّمَرِّي في كتابه القيِّم “خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء عليهم السلام” فأجاد وأحسن، وأنقل لك نصه كما ورد (ص332 – 335):

 

“فإن قيل: إن الله تعالى أعطى نوحًا عليه الصلاة والسلام ما سأل من شِفَاء غيظه في إجابة دعوته على قومه بتعجيل النقمة عليهم حين كذَّبوه وكفروا بما أُرسل به فأهلك بدعوته مَن على بسيط الأرض مِن صامتٍ وناطقٍ إلا مَن آمن به ودخل معه السفينةَ وكانوا قليلًا كما قال تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: من الآية 40] وكانوا فيما قيل: ثمانين نفسًا أو نحوها.

 

قلنا: هذه فضيلة عظيمة وآية جسيمة وافقَتْ سابِق القَدَر في هلاك مَن هلك، لكن فضيلة نبيِّنا صلوات الله عليه وسلامه أكمل, ومعجزته أجمل, وعاقبتها أحسن, وصورة الواقع فيها أبين, وذلك أنه لمَّا كذَّبه قومُه وآذوه وبالغوا في أذاه جاءه الملك من ربِّه يُخيِّره في أن يُطبِق عليهم الأخشبَيْن: أخشبَي مكة يعني: الجبلين المكتنفين لها, فقال: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم مَن يعبد الله لايشركُ به شيئًا”, فكان ما رَجَا من ذلك وزيادة, ولمَّا أسْرَف من أسْرَف في عداوته وبلغ الغاية في أذيَّته حين ألقى عُقبة بن أبي مُعَيْط على ظهره صلى الله عليه وسلم سَلَا الجزور وهو ساجد والحديث فيه مشهور وهو ما رُوي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة وجَمْعٌ من قريش ينظرون فقال قائل منهم: ألا ترون إلى هذا المُرائِي أيُّكم يقوم إلى جَزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودَمِها وسَلاها حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه, فانطلق أشقاهم فجاء به حتى إذا سجد صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه, وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدًا, وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك, فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرية (أي شابة قليلة السنِّ) فأقبلت تسعى وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا حتى نَحَّتْهُ عنه وأقبلت عليهم تسبُّهم, فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته استقبل الكعبة فقال: “اللهم عليك الملأ من قريش” ثم سمّاهم فقال: اللهم عليك بعَمرو بن هشام وشيبة وعُتبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي مُعَيط وعُمَارة بن الوليد” قال عبد الله: والذي توفّى نفْسَه لقد رأيتهم صرعى يُسحَبون إلى القليب؛ قليب بدْر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم أتبع أهل القليب لعنةً” فلم يَدْعُ عليهم بالبوار كلِّهم ولا باستئصال شأفتهم (أي أهله وعياله).

 

وكذلك لما استعان عليهم بدعائه أن يعينه عليهم بسبع (سنين) كسبع يوسف، فأجْدبوا حتى أكلوا العظام من الجوع حتى جاء إليه صلى الله عليه وسلم أكابرهم يسألونه أن يدعو لهم بكشف ذلك عنهم, فلما دعا قال الله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان: 15], فلما عادوا انتقم الله منهم، قال تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 16] فانتقم منهم بالقتل يوم بدر.

 

والسِّرُّ في دعائه صلى الله عليه وسلم على هؤلاء النَّفر خاصَّةً أنهم اتّفقوا على هذا الفعل القبيح, وادَّعوا أنه مُراءٍ بصلاته, وانتهكوا حرمة الصلاة مع حرمته صلى الله عليه وسلم, فكان غضبه ودعاؤه لأجل انتهاك حرمة الصلاة لله تعالى في ذلك المكان فلم يَحسُن العفو حينئذ بل تعيَّن الانتصار والانتصاف فإنه كان من عادته صلى الله عليه وسلم أن لاينتصر لنفسه كما لم يعاقب الذين سَمُّوه ولا الذين سَحروه ولا الذي أراد اغتياله في أشياء نحو ذلك وإنما غضب هنا وانتصر لحقِّ الله تعالى، فدعا عليهم فاستجاب الله تعالى له فيهم وأظهر تكذيبهم في اعتقادهم أنه مُراءٍ.

 

فاجتمع له صلى الله عليه وسلم في هذه القصة من الفضائل ما يضيق هذا المكان عن ذكره مما لم يحصل لنوح عليه السلام منه إلا البعض, فإنَّ نوحًا عليه الصلاة والسلام لمَّا اشتدَّ عليه الأذى من قومه دعا ربَّه أنِّي مغلوب فانتصر فقال الله تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 11 – 14] فكان دعاؤه عليه السلام دعاء منتقمٍ مستنصرٍ فاستجاب الله تعالى له فشفى صدره منهم وأغرقهم، ودعوة نبيّنا صلى الله عليه وسلم كانت رحمةً وكانت أكثر نفعًا وأعظم أثرًا في الخير والبركة” ا.هـ.


Comments

comments

شاهد أيضاً

الدفاعات الجوية الإيرانية تسقط طائرة بدون طيار فوق طهران

 قالت وسائل إعلام إيرانية مساء اليوم الاثنين، إن مضادات الطيران، أسقطت طائرة من دون طيار …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *