الرئيسية / دعوة / وقفات إيمانية مع المأساة الحلبية (2)

وقفات إيمانية مع المأساة الحلبية (2)

علامات أونلاين- خاص


6- لابد من الفرج: إن الآلام والنكبات التى تنزل بالمسلمين الآن هى بمثابة آلام (المخاض) الذى يسبق (الميلاد), أو هي الظلام الحالك الذى يسبق بزوغ الفجر، والشدائد إذا تتابعت انفرجت، وإذا توالت تولَّت، وضعف هذه الثقة أو غيابها (عافاكم الله) دليل على ضعف الإيمان أو اضمحلاله (إنه لا ييئس من رَوْح الله إلا القوم الكافرون) [يوسف 87] ، ويقول تعالى (حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ)(يوسف:110) ويقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “عجب ربنُا من قُنوط عباده وقٌرب غِيَره؛ ينظر إليكم أزِلين قَنِطين، فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجَكم قريب ” (رواه أحمد وغيره وأورده الألباني في الصحيحة) ومعنى ( أزلين ) بفتح الهمزة وكسر الزاي أي في شدة وضيق, والقنطين أي القانطين اليائسين و(قرب غيره) بكسر الغين وفتح الياء أي قُرب تغير وتبدّل الأحوال للأحسن وفي رواية: قُرب غيثه أو غوثه، والعجب من الله سبحانه ليس عن استغراب, ولكن بالنظر إلى حال المتعجبَ منه وهو الإنسان.
وأخرج مالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: “أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من مُنْزَل شدة يجعل الله بعده فرجا، وأنه لن يغلب عسرٌ يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(آل عمران:200)

وكمْ للّهِ من لطفٍ خفيِّ … يدقُّ خَفاهُ عن فهمِ الذكيِّ
 وكم يُسْرٍ أتى من بعدِ عُسْرٍ … ففرج كربةَ القلبِ الشجيِّ
وكم أمرٍ تُساءُ به صباحاً … وتأتيكَ المسرةُ بالعشيِّ
إِذا ضاقَتْ بكَ الأحوالُ يوماً … فثقْ بالواحدِ الفردِ العليِّ

وقيل لعمر رضي الله عنه: اشتد القحط وقنط الناس، فقال: “الآن يُمطرون” أخذ ذلك من قوله تعالى “وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِمَا قَنَطُوا ويَنشُرُ رَحْمَتَهُ وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ”(الشورى:28).
وقد اشتد أمل يعقوب في العثور على يوسف عليهما السلام بعد أن بلغت الشدة أوْجها بفقد الولد الثاني فقال:”فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ” (يوسف:83)، وبث في بنيه اليقين والأمل في روح الله، وقال “يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأَخِيهِ ولا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكَافِرُونَ” (يوسف:87)، وحقق الله رجاءه وجمعه بابنيْه بعد أن كان البعض يعتبر الحديث عن يوسف لونًا من الخَرَف والضلال.
توقَّعْ صُنْـعَ ربك سوف يأتي        بمـا تهـواه من فـــرجٍ قريبِ

ولا تيْـأَسْ إذا ما ناب خَطْبٌ         فكم في الغيبِ من عَجَبٍ عجيب

  7- الطغاة إلى زوال: أخذ فرعونُ كلَ حذره واحتياطاته لتأمين نفسه وقمع المؤمنين حتى نشر القابلات (جمع قابلة وهي المرأة التي تولد النساء) يتعرفن على موعد ولادة كل امرأة من بنى إسرائيل, ومع ذلك تستخف به القدرة الإلهية وتلقى بالطفل الرضيع أمامه مجرداً من كل حولٍ أو حيلةٍ بل تقتحم على الطاغية قصره وحصونه وتستخدمه فى إرضاع موسى ورعايته “ليكون لهم عدوا وحزنا” “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون”, وما أجمل قول القائل: كم ذبح فرعون فى طلب موسى من ولد, ولسان القدر يقول له: لا نُربّيه إلا فى حجْرك، فلنطمئن إلى أن الله سبحانه يُملي لهؤلاء الظلمة ولكنه لا يهملهم ولن يفلتوا من بطشه، ولكن على الشعوب أن تحرص على حريتها وتقاومهم لأنه ثبت أن هؤلاء المجرمين هم أكبر عقبة في طريق النصر والعزة والاستقلال، كما لا يجوز أن نصدق خديعتهم في المقارنة بين الحرية والفوضى والتحذير من سوء العواقب فهم جميعاً يقودون الأمة لدار البوار في الدنيا والآخرة وإن اختلفت أساليبهم, وهم الطبقة البديلة التي زرعها الاستعمار الخبيث بعد رحيله عن بلادنا عسكرياً.

 
هيّا إلى العمل: ليس الحديث عن الثقة والأمل مُخدراً أو مُنوماً, بل هو شحنة وطاقة, ينبغي أن تدفع للعمل والحركة والجهاد لتحويل الأمل إلى واقع وحقيقة، ومن لطائف إشارات القرآن أن الآية التي بشرت بانتصار الإسلام وعُلوّ شأنه وهي قوله تعالى “هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون” [الصف9] جاء بعدها بيان الطريق المؤدي لتحقيق هذا الأمل وهو قوله تعالى “يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم” [الصف 10، 11].

 ونذكر هنا بإيجاز بعض الواجبات العملية :
– التعاطف والمشاركة المعنوية لكل مسلم مجروح أو محزون فهذا أقل واجبات الجسد الواحد الذي وصف به النبي صلى الله عليه وسلم أمته، ورحم الله بشر بن الحارث الذي دخلوا عليه في يومٍ شديد البرد وقد خلع قميصه ينتفض من البرد فلما سألوه قال: ذكرت إخواني من الفقراء وليس عندي ما أواسيهم به فأحببت أن أواسيهم في بردهم.
– التخلي عن الاهتمامات الفارغة والتحلي بالجد، فالأمة المشغولة بالأفلام والمباريات والتفاهات لا يمكن أن تنتصر في دين أو دنيا.
– الوعى بالواقع حولنا، فالغرب الصليبي أعلن عن حقده الدفين وتعاون مع الشيوعية الكافرة، وأصبحت تهمة الإرهاب بديلاً عن كلمة الإسلام وادعاء وجود جماعات إرهابية هنا وهناك – وللأسف من المسلمين من يصدق هذه الأكاذيب – واتخاذها ذريعة للتدخل العسكري، تحت مظلة المنظمات الدولية التي أصبحت ألعوبة في أيديهم ولا تسري قوانينها إلا على الضعفاء.
– نشر الوعى بقضايا المسلمين في كل مكان واستغلال وسائل التواصل الإعلامي في ذلك.
– المشاركة المادية والتبرع بالمال للمجاهدين والمحاصرين وكفالة أسر الشهداء.
– المقاطعة الاقتصادية للأعداء
– التمكين للإسلام فى بلادنا، حتى لا تدور الدائرة علينا.
– الحرص على الوحدة والأخوة الإسلامية بكل مظاهرها.
– تحسين الصلة بالله، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رُفع إلا بتوبة، وقال ابن الجوزي ” إذا أردتم أن يغير الله ما بكم من كروب فغيروا أنتم ما بكم من ذنوب”.
– الأمل والثقة في نصر الله, وبث هذه الثقة فيمن حولنا وألا نستعجل, فالله لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد- كما قال الصديق رضي الله عنه 
– الدعاء: وهو شيء يسير تعبر به عن الأخوّة الإسلامية، وبه يرفع الله البلاء ويرد كيد الظالمين في نحورهم، بل به غيّر الله وجه الأرض (فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا” ..  ولندعُ بمثل: ” اللهم إنا نجعلك فى نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم”  “حسبنا الله ونعم الوكيل” “اللهم اكفناهم بما شئت” ” اللهم ربَّ السماوات السبع وربَّ العرشِ العظيم كن لي جاراً من فلانٍ وأحزابه وأشياعه أن يفرُطوا عليَّ أو أن  يطغوا، عزّ جارُك وجلّ ثناؤك ولا إله غيرُك ”  ( أحاديث صحيحة).
نسأل الله أن المسلمين لما يحب ويرضى وأن يرفع عنا البلاء ويعز الإسلام والمسلمين.

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

العشر الأواخر .. اغتنم الفرصة

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا دخل …