الرئيسية / حوارات وتحقيقات / “يحيى عيّاش”.. الإنسان المقاوم الذي أرعب إسرائيل

“يحيى عيّاش”.. الإنسان المقاوم الذي أرعب إسرائيل

علامات أونلاين - قدس برس


 “العيّاشُ حيٌّ لم يمُت”.. حيٌّ بأفكاره، ومبادئه، وقيمه القسّامية التي ما زالت تُزرع في قلوب الشبان الفلسطينيين، وليس ببعيد أنّ ذاك الاسم، الذي لم يُمح من ذاكرة التاريخ، قد لمع خلال انتفاضة القدس مجدّدًا خلال عمليتين حصلتا في القدس وتل أبيب عقب استشهاد عبد الحميد أبو سرور من بيت لحم؛ مفجّر إحدى الحافلات الإسرائيلية، والشهيد نشأت ملحم الذي أطلق النار في “ديزنغوف”، ليتذكر الاحتلال أسلوب العياش، وكأنه ما زال ضاغطًا لليوم على الزناد.

يحيى عياش؛ وُلد عام 1966 في بلدة “رافات” غربي مدينة سلفيت (شمال القدس المحتلة)، واستُشهد عقب اغتياله من خلال وضع مواد متفجّرة في هاتفه النّقال عام 1996 في بيت لاهيا (شمالي قطاع غزة).

“المهندس”، كان المسؤول عن عشرات العمليات الفلسطينية في القدس والداخل الفلسطيني المحتل، والتي أدّت إلى مقتل ما لا يقل عن 70 إسرائيليًا (جنودًا ومستوطنين)، وإصابة أكثر من 282 آخرين، ناهيك عن الخسائر التي خلّفتها العمليات التفجيرية والتي قُدّرت بملايين الدولارات.

حصل القائد العسكري القسامي على شهادة الهندسة من جامعة بير زيت (شمالي مدينة رام الله) عام 1993، ومنذ ذلك العام وحتى استشهاده كان “عياش” مُطاردًا من قبل جهاز “الشاباك” الإسرائيلي، بعد اكتشافه لمن يقود العمليات في القدس والداخل ما بعد عام 1991.

تزوّج عام 1991 من ابنة خالته “هيام عيّاش”، وكان له منها براء وعبد اللطيف (يُنادونه باسم والده يحيى، حيث كان عمره ثمانية أيام قبيل استشهاد والده)، وتنقّلت “أم البراء” مع زوجها من مكان لآخر، ومن بيت إلى بيت وهي على استعداد كامل لفعل أي شيء من أجل إرضاء “المجاهد أبو البراء”.

في الانتفاضة الأولى، كانت بداية “العياش” (ما بين عامي 1990 و1991)، حيث استطاع تصنيع مواد متفجّرة من مواد كيماوية أوّلية تتواجد في الصيدليات، وكانت العملية الأولى التي قام بها، تفجير مركبة في “رامات أفعال” بتل أبيب (وسط الداخل الفلسطيني المحتل 48)، ليُصبح على قائمة المطلوبين للاحتلال، كما أعقب العملية مطاردته من قبل أجهزة “الشاباك” وتحقيقات قاسية طالت العشرات من أعضاء حركة المقاومة الإسلامية “حماس”.

اغتيل العياش يوم الجمعة، في الـ 5 من يناير 1996، حيث وضع له جهاز “الشاباك” مادة متفجرة وصلت إلى 50 جرامًا في هاتف محمول كان يستخدمه، حيث كان عياش في انتظار مكالمة من والده، وعن بعدٍ, تم تفجير الهاتف من خلال طائرة كانت تحلق في الوقت ذاته، وشارك في تشييع جثمان “أبو البراء” أكثر من 100 ألف فلسطيني.

استطاع العياش أن يبتكر نقلة نوعية في العمل المسلح خلال الانتفاضة، وهذا ما جعله مميزًا من بين الشهداء، فقد كان دائم الابتسامة، يقلق ويخاف على عائلته، لأنه يعلم تمامًا أن الاحتلال لن يصله، لكن باستطاعته الوصول إلى ذويه، و”التنغيص” على حياتهم.

هكذا قالت “أم البراء” في حديثها لـ “قدس برس” عن زوجها الشهيد وهي تفخر بأن اسمه ما زال يلمع حتى اليوم، يذكره الصغار والكبار، من كافة أطياف وشرائح المجتمع الفلسطيني، لا يذكرونه فقط في ذكرى اغتياله، وإنّما على مدار الأيام.

وتُضيف أن “يحيى كان مثالًا للزوج الحنون، يخاف عليها من أي سوء، كان يقلق من مجرّد عدم وجوده معها في الأوقات التي تحتاجه فيها أي زوجة”، ورغم ذلك القلق الذي كان يُخلّفه لعائلته إلّا أن أم البراء كانت صابرة ثابتة فخورة به.

وتستذكر أن بعد كل عملية يقوم بها العيّاش (يكون المسؤول عنها)، كان الاقتحام لمنزلهم أمرًا طبيعيًا وروتينيًا بالنسبة لهم، حتى أن أحد الضبّاط قال لها يومًا: “أتعلمين ماذا سأفعل به حينما أجده؟، لن أقتله بل سأقوم بزجّه في مركبتي، وأمشي به في شوارع تل أبيب، حينها سأقتله، وسأقطّعه، وسأوزع أشلاءه تلك على كل من آذاه زوجك”.

وتضيف، لكنني استفزّيته بإجابتي حينما قُلت له: “أنتم تؤمنون بالجسد، لكننا نؤمن بالروح.. فافعل بجسده ما تشاء، فهو سيكون عند خالقه”.

وتستذكر أيضًا أيام مطاردته، فقد كانت حافظة عن ظهر قلب كلماته، وطريقة كتاباته، ودقّاته المميزة على الشباك، ووقع أقدامه عندما يقترب من الباب، وألفاظه التي تبعث على النفس البهجة حينما تستذكرها، وتقول: “كان أبو البراء يحب الشاي كثيرًا، ودائمًا ما كان يقول لدى وصوله البيت: “اعملوا لي شاي”.

أنجبت هيام عياش من القسامي، براء (24 عامًا) الذي درس تكنولوجيا المعلومات وقد عاش مع والده، ويحيى “عبد اللطيف” الذي يبلغ من العمر (21 عامًا) وهو يدرس الهندسة الزراعية، فلم تربطه بوالده أي ذكرى من خلال الصور أو المواقف.

تقول “أم البراء”، “ربّيت ولديّ على مبادئ العيّاش، فهو حيٌّ بيننا لم يمت، والله إنني أراه في ولديه، في نظراتهما، حركاتهما، تصرّفاتهما”.

تحدى عياش الظروف رغم صعوبتها ولم يستسلم للواقع، وفرض معادلته الخاصة وسبح عكس تيار التسوية الذي ساد آنذاك، آمن بفكرة المقاومة وفلسفتها وتشرب معانيها وضحى من أجلها، وامتاز بصدق نيته وإخلاصه وبساطته، إضافة لهدوئه الذي كان يخفي خلفه إعصارًا.

كان عياش قليل الكلام, كثير الفعل، استطاع الإفلات من قبضة المخابرات الإسرائيلية وجيش الاحتلال عدة مرات، وبقي متواريًا عن الأنظار أكثر من ثلاث سنوات؛ في واحدة من أكبر عمليات المطاردة التي نفذها الاحتلال.

ولم تمنعه المطاردة من مواصلة عمله، رغم أن دولة الاحتلال كلفت كافة وحداتها للبحث عنه في جبال وكهوف الضفة الغربية، حيث تمكن بعد مطاردته بأيام وتحديدًا في 16 أبريل من تجهيز سيارة مفخخة أخرى قادها الفدائي ساهر تمام داخل مقهى “فيلج إن” الذي يرتاده جنود الاحتلال في مستوطنة “ميحولا” القريبة من مدينة بيسان المحتلة، فقُتل اثنان وأصيب ثمانية وهي أول عملية استشهادية تنفذها “كتائب القسام”.

وفي ظل اشتداد ملاحقة عياش والإعلان عن مشاركة الآلاف من جنود الاحتلال بالبحث عنه في كل مكان بالضفة الغربية، نجحت “كتائب القسام” في نقله إلى قطاع غزة، وذلك بعد أن درّب العشرات من المهندسين في الضفة.

خلال وجود عياش في غزة تمكن من عمل عدة مختبرات تصنيع، وذلك بالتعاون مع عدد من مهندسي القطاع وإخراج عدة عمليات فدائية من القطاع.

وصفه عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، إبراهيم دحبور، بأنه “أيقونة العمل الفلسطيني المقاوم ودرة سنامه”.

وأشار دحبور في تصريح صحفي له، في الذكرى الـ 21 لاستشهاد العياش “أنه أيقن أن خير طريقة لإدارة الصراع مع المشروع الصهيوني هي حشد طاقات الشعب الفلسطيني لحمل راية الجهاد والكفاح ضـده بكل السبل الممكنة”.

وأفاد البرلماني الفلسطيني، بأن الشهيد عياش “حرص على إبقاء جذوة الصراع مشتعلة مع الاحتلال، لحين استكمال شروط حسـم المعركة، وهو ما تميز به العياش عن غيره”.

ورأى أن “مقاومة العياش للاحتلال لم تكن سهلة المنال، كما لم تكن بمثابة نزهة يبدأها وينهيها وفقًا لخياراته، وإنما كانت مقاومة صعبة ومضنية احتاجت لكثيرٍ من الجهد والوقت والإمكانات، وتطلبت مقداراً هائلاً من الحيطة والحذر والمطاردة والتخفي”.

ولفت النظر إلى أن الشهيد المهندس يحيى عياش، “حرص على بناء العلاقة مع العناصر الموثوقة والاعتماد عليهم في التجهيز والإعداد واختيار الأهداف والتنفيذ، وهي التي أتقنها العياش وأبدع فيها أيما إبداع”.

وأوضح دحبور أن عياش كان “مدرسة لها أبجدياتها وأدبياتها، وشكل مرحلة فاصلة بين مرحلتين، وتأريخًا جديدًا بدأت تؤرخ به مسيرة المقاومة في فلسطين، حيث أدخل نمطًا جديدًا من أعمال المقاومة لم تكن موجودة قبله”.

وبيّن أن الشهيد عياش “ركز عملياته في الداخل الفلسطيني المحتل، مما مكنه من نقل ساحة المواجهة إلى قلب الكيان، فأصبح كل مُحتل لأرض فلسطين عرضة لدفع ثمن احتلاله لها”.

وأضاف النائب في التشريعي “عياش وكما ورث خبرة المجاهدين الذين سبقوه، فإنه نجح بنقل خبرته واستطاع أن يورث علمه لمهندسين كثر من بعده، فكان بجدارة هو المهندس الأول في فلسطين”.

وقالت “كتائب القسام” في بيان لها عن عياش في ذكرى استشهاده، إنه “أدرك معادلة التعامل مع العدو منذ أن لمست يداه أول سيارة مفخخة أعدها لاستنهاض الشعب الفلسطيني بكافة قطاعاته ومختلف تياراته نحو مقاومة شاملة للاحتلال الذي لا يفهم إلا لغة المقاومة ومفردات القوة”.

وأضاف البيان: “في عمره القصير صنع يحيى عياش الكثير، فقد أدرك منذ البداية أنه يسابق الزمن حين قرر العمل على نسف جدار الأمن الشاهق الذي أقامه الصهاينة مستغلين ترسانتهم العسكرية وخبراتهم المتراكمة في مواجهة شعب أعزل محاصر”.


Comments

comments

شاهد أيضاً

طهران: صواريخنا دفاعية وليست ضد أحد

أكدت وزارة الخارجية الإيرانية مجددا، أن أنشطة إيران الصاروخية دفاعية ورادعة، وأنها ليست موجهة ضد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *