الرئيسية / تقارير ومتابعات / مضيق هرمز في العقيدة الأمنية العُمانية

مضيق هرمز في العقيدة الأمنية العُمانية

محمد بن سعيد الفطيسي


أيها المواطنون ( لا شك أنكم سمعتم الكثير عما قيل بشأن أهمية مضيق هرمز الذي هو جزء من مياهنا الإقليمية, لذلك فإن عمان تعهدت بالدفاع عن حق جميع السفن المسالمة بالمرور عبر هذا المضيق, وهذا واجب علينا وفقا للقانون الدولي, فإذا تعرض المضيق للخطر فإننا في عمان لن نتردد في الدفاع عن سيادتنا الوطنية وسلامة الملاحة الدولية ) خطاب السلطان قابوس بمناسبة العيد الوطني التاسع بتاريخ 18 / 11 / 1979م .

يعد مضيق هرمز نقطة ارتكاز وعبور لمصالح الكثير من القوى الاقليمية والدولية, وتختلف أهمية المضيق بحسب النظرة الجيوسياسية والجيواستراتيجية إليه, ما بين اعتباره ( الحد الشرقي للوطن العربي, والمجال الحيوي للاستيراد والتصدير, والمنفذ الوحيد للخليج العربي, وهو بالنسبة لإيران يمثل حدودها الجنوبية وخاصرتها الأمنية والاقتصادية, كما رآه الاتحاد السوفيتي السابق, المجال الأمني لحدوده الجنوبية وحلقة وصل للدول المطلة على الخليج العربي, أما بالنسبة للدول الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوربا الغربية واليابان فللمضيق أهمية اقتصادية عظمى لكونه أكبر منطقة منتجة ومخزنة للطاقة )(1) ويقع المضيق بين إيران من الشمال الشرقي وسلطنة عمان من الجنوب, ويربط الخليج العربي بخليج عمان.

بالنسبة لعُمان؛ يعد مضيق هرمز  جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي وامتدادًا لسيادتها الوطنية, حيث يعد من الناحية الاستراتيجية والأمنية (مضيقا عمانيا يستخدم للملاحة الدولية وينطبق عليه حق المرور العابر وحق المرور البريء الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في المادة 36 لعام 1982م , وباستثناء حق المرور العابر فإن المضيق يخضع كليا لما تخضع له باقي المجالات البحرية العمانية نظرا لوقوع الممرات البحرية في المياه الإقليمية العمانية بحيث تمارس السلطنة سيادتها على المجالات البحرية العائدة لها, والقاع, وما تحت القاع, وعلى الحيز الجوي الواقع فوق هذه المجالات, غير أن ممارسة هذه السيادة يجب أن لا تمس بحقوق الدول الاجنبية في المرور العابر. وفي هذا السياق وقعت عُمان وإيران بلاغا مشتركا في مارس 1974 للتعاون المشترك من أجل الاستقرار وسلامة الملاحة, عرف باسم الدوريات المشتركة, واتفاقيات تحديد الجرف القاري في يوليو من العام 1974م )

كانت وجهة النظر العمانية واضحة وصريحة منذ بداية قيام الدولة الحديثة في 23 يوليو 1970م تجاه أمن وسلامة واستقرار منطقة الخليج العربي ككل, ومضيق هرمز بوجه خاص, انطلاقا من نظرة شاملة للأمن القومي العربي الاستراتيجي من جهة, ونظرة متوازنة بين الحقوق السيادية العمانية والمصالح الإقليمية والدولية من جهة اخرى, وهو ما أكده السلطان قابوس في العديد من الخطابات واللقاءات الاعلامية.

ويعد اللقاء الصحفي مع مجلة المجالس الكويتية في العام 1973م اللقاء الأبرز والأهم, وهو الأول من نوعه الذي تطرق فيه صراحة إلى هذه المسالة الاستراتيجية من الناحيتين السياسية والأمنية الوطنية والاقليمية والدولية, فقد اجاب حول سؤال بخصوص وجود اتفاق عماني – إيراني لتفتيش السفن التي تمر عبر مضيق هرمز في وقتها أو أنه أصبح لإيران وجود في المضيق, أجاب قائلا: (نحن نعتبر أن مضيق هرمز ممر مائي دولي, ولا نقبل بأي وجود أجنبي فيه ) (2)

وقد كان للصراع الإيراني العراقي في العام 1980م الدور البالغ وكان المحفز الأكبر لرفع الوعي الوطني الحاضر اصلا من جهة, والوعي الاقليمي والدولي من جهة أخرى تجاه أهمية وحساسية هذا المضيق, نظرا للمخاطر المرتفعة التي يمكن أن تنتج عن أي إغلاق أو تضييق أو تحرك غير سلمي فيه, وهو ما لم يستبعد أبدا في الرؤية السلطانية رغم صعوبة ذلك, وهو ما أكده السلطان في عام 1982م بقوله ( لا أعتقد أن المضيق يمكن أن يغلق بسهولة, ولكن في المقابل ليس من المستحيل على أي كان أن يجعل هذا المضيق عرضة للخطر, وأبسط شيء مثلا القيام بزرع ألغام في المضيق, أو حتى مجرد إشاعة من هذا القبيل ستؤدي إلى تعطيل مرور السفن . لا أعتقد أن الأمر سيكون بهذه السهولة, ولكن لابد من حساب كل الاحتمالات).

 على ضوء ذلك اعتبرت عمان نفسها بوابة لأمن واستقرار الجزيرة العربية, وتحملت نتيجة الإيمان بهذا البعد الاستراتيجي العربي العديد من التحديات.

وهو ما أكده السلطان قابوس بقوله ( لذا فإنه إذا أدت حالة عدم الاستقرار الراهنة في الشرق الاوسط – ارهاصات ومقدمات عدم الاستقرار التي سادت المنطقة قبل الحرب العراقية الإيرانية بشهور – إلى عرقلة أو وقف إمدادات النفط عبر هذا المضيق فإن النتائج التي قد تنجم عن ذلك ستكون خطيرة, ونحن نرى أن جميع الدول التي تستفيد من الملاحة في هذا المضيق سواء أكانت الدول المنتجة أو المستهلكة للنفط تقع عليها مسؤولية المساهمة في حماية هذا الممر المائي الحيوي ضد خطر الأعمال الارهابية أو أي شكل آخر من العدوان ), كما أشار لهذه المخاوف الاستراتيجية في لقاء صحفي مع مجلة “المستقبل” الصادرة في فرنسا في العام 1981م بقوله ( إننا بوابة الجزيرة العربية وطريق النفط وتستطيع أية طائرة في القرن الافريقي أو في كابول أو في طشقند أن تطير إلى مسافة 450 ميلا بحمولة من الألغام البحرية في مضيق هرمز فيقفل المضيق ويختنق شريان الغرب الاقتصادي ) (3)

لذا برز المشروع العماني في وقتها- في العام 1979م- والذي أطلق عليه بالمشروع التقني العماني الذي يقترح الحصول على كاسحات ألغام وقوارب خفر ساحلية وطائرات استطلاع ومعدات اكتشاف الكترونية (4). واقترحت السلطنة هذا المشروع الذي لم تكن تستفيد منه بشكل مباشر, إضافة إلى تحملها عبء الحماية والصيانة, بأن يتم تمويله من قبل دول الخليج العربية والدول الغربية بوصفها أطرافا ذات مصلحة, إلا أن المشروع لم يكتب له النجاح بسبب معارضة بعض الدول الخليجية بحجة أنه يمهد للتدخل الأجنبي في المنطقة, أو بأنه يهدف إلى ( اقامة حلف إقليمي تسيطر عليه القوى الاجنبية, ومرة أخرى أوضحت السلطنة أن هذا تفسير خاطئ ) (5)

وهو ما جاء على لسان السلطان قابوس مرارا وتكرارا وفي أكثر من محفل ولقاء أثناء المقترح وبعده, وقد تأكدت وجهة النظر العمانية حول هذا الموضوع في خطاب العيد الوطني التاسع في العام 1979م وذلك في سياق حديثه عن مضيق هرمز قائلا: ( إن عمان لا تطالب بتدخل القوات الأجنبية, فباستطاعة السلطنة القيام بالإجراءات اللازمة شريطة أن تتوفر لها الوسائل الضرورية لذلك), لذا أعلنت سلطنة عمان عن استعدادها للتخلي عن إشراك الدول الاجنبية في التمويل إذا ما تعهدت دول المنطقة بتغطية تكاليفه (6), و( بالرغم من ذلك فإنها لم تتلق ردا على طلبها, إذ كانت المنطقة قد شغلت باجتياح الاتحاد السوفيتي السابق لأفغانستان وبقيام الثورة في إيران )(7)

      بعدها وفي العام 1985م عاد السلطان ليؤكد بالرغم من كل الظروف والاختلافات في وجهة النظر الخليجية والعربية تجاه أمن مضيق هرمز, أن أمن المضيق سيبقى مسؤولية جماعية, وأن عمان لن تكون طرفا متطرفا في رأيها أو رؤيتها تجاه ذلك أبدا, ولذلك كما قال ردا على سؤال الصحفي المصري ابراهيم نافع – صحيفة الأهرام المصرية بتاريخ 21 / 1 / 1985م: ما هو تقدير جلالتكم لمدى الخطر الذي يهدد مضيق هرمز الآن وخاصة بعد اشتعال حرب الناقلات بين إيران والعراق, وما هو موقف عمان في حالة إغلاق المضيق, فكان رد جلالته: ( في هذه الحالة فإننا ينبغي من خلال مجلس التعاون الخليجي أن نجتمع ونبحث كيف يمكن مواجهة هذا الموقف, لذلك فإنه لن يكون لعمان موقف فردي إزاء هذه الحالة, وإنما لابد أن يكون هناك موقف جماعي)

      وننهي هذا الطرح برؤية السلطان قابوس تجاه المسؤولية الوطنية العمانية سواء السيادية منها أو الأمنية الاقليمية أو الدولية على مضيق هرمز قائلا: ( بحكم موقع المضيق ومرور السفن من, وإلى المنطقة والعالم في مياهنا الإقليمية, كانت علينا مسؤولية كبرى تجاه سلامة هذا الممر, ونحن بقدر إمكانياتنا, نراقب مراقبة دقيقة دخول السفن وخروجها في المضيق, وبحريتنا متواجدة هناك بشكل دائم ) .

        

هذا الطرح يؤكد أن عمان لا تحتاج إلى إعادة كتابة التاريخ من جديد, أو تكرار وجهة نظرها الرسمية تجاه كل ما يتعلق بمضيق هرمز, فقد تأكدت صراحة منذ العام 1973م , ولا زالت من الثوابت الوطنية حتى يومنا هذا, وهي عقيدة أمنية تسير عليها سياساتها الداخلية والخارجية.

مراجع :

(1) العيسائي؛ د. علي بن أحمد , أزمة الملاحة والمرور في مضيق هرمز – خلال الفترة من 1979م – 1989م ) سلطنة عمان , ط1 / 2014م

(2) مجلة المجالس الكويتية في العام 1973م

(3) مجلة المستقبل في العام 1981

(4) مراد؛ خليل إلياس, حرب الخليج وانعكاساتها على الأمن القومي العربي, بغداد / دار الحرية للطباعة والنشر, بدون ط / 1987م

(5) الوطن الكويتية؛ 17 نوفمبر1979م

(6) احاديث السلطان قابوس في: يوميات ووثائق الوحدة العربية, بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية لعام 1979م

(7) العريمي؛ د. محمد مبارك, الرؤية العمانية للتعاون الخليجي, مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية, رقم 121 , ط 1 / 2007

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

“إضعاف هيبة الدولة”.. ذريعة لوأد البدايات المتواضعة لانتقاد السلطة في سوريا

شهد المجتمع العربي عموماً تطورًا في التعاطي مع الشأن السياسي والاجتماعي والثقافي وكافة ألوان المعرفة …