الرئيسية / دعوة / الصيام وتربية النفوس على التقوى والمراقبة
د. خالد سعد النجار

الصيام وتربية النفوس على التقوى والمراقبة

بقلم : د. خالد سعد النجار


قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] قال الزجاج: لتتقوا المعاصي، فإن الصيام وصلة إلى التقى، لأنه يكف الإنسان عن كثير مما تطلع عليه النفس من المعاصي.

وفي الصوم يتدرب الإنسان على تقوى الله تعالى وذلك لأن الصوم يكف جماح الشهوات التي هي أكبر دافع على تعدي حدود الله، كما أن الصوم الحقيقي هو الذي يقترن بالآداب والفضائل ويجانب كل الرذائل، وتلك هي حقيقة التقوى التي هي: اجتناب ما يسخط الله، والإقبال على ما يرضى الله من الاعتقادات والأقوال والأفعال. وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة من النار، فمن أصبح صائماً فلا يجهل يومئذ، وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه، وليقل إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (1)

ويقول صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (2).

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء. 

إن تقوى الله هي المخرج الحقيقي للمجتمعات المنكوبة التي تتخبط في ظلمات النظريات تتلمس منهجا يخرجها من الشقاء، قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2 – 3]، وقال: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً} [الطلاق:4]، وقال: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض} [الأعراف: 96]

 

والتقوى هي الملاذ الآمن الذي يجعل الإنسان في كنف الله تعالى، وماذا فقد من وجد الله تعالى؟ يقول جل شأنه: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط} [آل عمران: 120] وقال: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة: 194]

والتقوى مفتاح كل خير، وبوابة القبول لأي عمل، قال تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة :27]

وهي خير زاد يتزود به الإنسان، وخير زينة يتزين بها، قال تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة:197] وقال: {ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26]

 

إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى     تقلب عريـاناً وإن كان كاسياً

وخير لباس المرء طاعــة ربه     ولا خير فيمن كان لله عاصـياً 

 

المراقبة

الصيام أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله تعالى. فالصائم ترك كل شهوة في قدرته تناولها، ولولا اطلاع الله تعالى ومراقبته له لما صبر، فلا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى، والحياء منه سبحانه، أن يراه حيث نهاه، ويفتقده حيث أمره.

وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى، والاستغراق في تعظيمه وتقديسه، أكبر معدٍ للنفوس، ومؤهل لها لضبطها, ونزاهتها في الدنيا وسعادتها في الآخرة.

إن النفوس المتحلية بالمراقبة لا تقدم على غش ولا خديعة ولا خيانة ولا ظلم ولا استرسال مع أي معصية.

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل    خلوت ولكن قل على رقيب

ولا تحسـبن الله يغفـل سـاعـة       ولا أن ما يخفي علـيه يغيب

فالله تعالى بالنسبة للصائم رقيب حي في قلبه لا يرائيه ولا يجامله ولا يخدع من تأويل ولا يغتر بفلسفة ولا تزيين ولا يستهويه ما تسول النفس ولا يزال دائماً يقول للنفس: إن الخطأ, أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك.

إننا لا نخطئ إذا قلنا إن الصوم تربية للمسلم يخرج المسلم منه وقد صفت نفسه وزكا قلبه وتطهرت روحه وسما عقله ثم هو بعد ذلك زاد للعبد في سيره وارتحاله إلى ربه جل وعلا.

 
الهوامش

 (1) رواه النسائي عن عائشة – كتاب الصيام رقم 2202 ‌

 (2) رواه البخاري عن أبي هريرة – كتاب الصوم رقم 1770

 

 

 

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد المحمدي المغاوري

لك دعوة مستجابة في رمضان فلمن تدعو؟

اخي الحبيب؛ لا تتعجل وانتبه وصحح نواياك وسلم قلبك وليكن حالك يرضي ربنا، فعلى أي …