الرئيسية / مقالات / د. صالح النعامي يكتب: السيسي وعباس ينفذان استراتيجية نتنياهو بشأن أزمة كهرباء غزة

د. صالح النعامي يكتب: السيسي وعباس ينفذان استراتيجية نتنياهو بشأن أزمة كهرباء غزة

بقلم : د.صالح النعامي


لقد وضحت الأمور ولم تعد بحاجة إلى مزيد من التحليل والاستقراء، فأزمة الكهرباء التي تفاقمت في قطاع غزة مؤخرا لم تكن مجرد عرض عابر ناجم عن اعتبارات اقتصادية تتعلق بالسلطة الفلسطينية، ولا حتى ناجمة عن خيارات سياسية تخص قيادة هذه السلطة ورغبة رئيسها محمود عباس في تصفية حساباته مع حركة حماس، بل إنها كانت تطبيقا لإستراتيجية إسرائيلية هدفت إلى تقليص هامش المناورة أمام قيادة حركة حماس الجديدة في القطاع وردعها عن أي توجه لإشعال مواجهة عسكرية جديدة. وقد لعب عباس ورأس النظام في القاهرة عبد الفتاح السيسي الأدوار الرئيسة في هذه الإستراتيجية التي لم يكن لهما دور في بلورتها.

ما تقدم ليس من عنديات كاتب هذه السطور، بل هو يعد ترجمة لما أوردته مجلة “الدفاع الإسرائيلي” في عددها الصادر الجمعة الماضي حول الأسباب الكامنة وراء افتعال أزمة الكهرباء في قطاع غزة ومراميها. فحسب المجلة فقد انطلقت إسرائيل من افتراض مفاده أن الخلفية العسكرية لقائد حركة حماس الجديد في قطاع غزة؛ يحيى السنوار, والطابع المتشدد لمواقفه السياسية والأيدولوجية قد تدفعه لاستسهال افتعال مواجهة عسكرية ضد الكيان الصهيوني ردا على الحصار وتدهور الأوضاع الاقتصادية في القطاع. من هنا، فقد رمت المناورة الثلاثية التي بلورتها تل أبيب وشاركت في تطبيقها بالتعاون مع عباس والسيسي إلى ثني حركة حماس عن التفكير بإشعال مواجهة جديدة.

وحسب المجلة، فإن الإستراتيجية الثلاثية قامت على محاولة توظيف الجماهير الفلسطينية في غزة بالضغط على السنوار والتلويح لقيادة حماس بإمكانية توجه هذه الجماهير لـ “التمرد” على حكمها عبر دفع الأوضاع الاقتصادية إلى مزيد من التدهور، من خلال ورقة الكهرباء. فقد افترضت إسرائيل بأن السنوار سيكون مطالبا بمراعاة مصالح الجماهير الغزية، بشكل يدفعه لإخضاع خيارات حماس العسكرية تجاه إسرائيل لهذا الاعتبار.

وتروي المجلة هنا، كيف تم التعاون بين السيسي ونتنياهو وعباس لتطبيق الخطة بالتدريج، حيث أشارت إلى أن هذه الخطة هدفت لتخويف حماس من إمكانية دفع الجماهير الفلسطينية للانخراط في عصيان مدني، فقامت تل أبيب بخفض كمية الكهرباء التي توردها للقطاع وأعلن نظام السيسي نيته تقليص كمية الكهرباء في حال لم تقم حماس بالتزامات أمنية، سيما ضبط الحدود بين غزة وشمال سيناء، في حين أبلغ عباس إسرائيل نيته التوقف عن دفع مخصصات شراء الكهرباء، مما يعني عمليا توقف إمدادات الكهرباء من إسرائيل لقطاع غزة تماما.

وحسب المجلة، فإن المناورة هدفت إلى أن تعمل أزمة الكهرباء على إرهاق قيادة حماس سياسيا واستنزافها دبلوماسيا وتشتيت قواها على الصعيد الإقليمي، حيث توجهت حركة حماس بالفعل لمصر من أجل محاولة حل المشكلة والتوافق مع السيسي على نمط حل، على اعتبار أن التوجه للقاهرة يمثل مؤشرا على أن قيادة الحركة غير معنية بمواجهة جديدة مع إسرائيل.

وحسب المجلة، فقد حاولت حماس في البداية الرد على الإجراءات الإسرائيلية بإصدار تهديدات عسكرية والإيحاء بفتح مواجهة فردت إسرائيل بالقيام بخطوات تدلل على جهوزيتها للمواجهة الجديدة. واللافت هنا، أن المجلة تدعي أن إسرائيل نجحت في تضليل حماس من خلال الإعلان عن تجنيد قوات احتياط بحجة مواجهة تحديات على الجبهة الشمالية أمام حزب الله، في حين أن الهدف الحقيقي تمثل في استخدام هذه القوات ضد حماس في غزة في حال قرر السنوار فتح مواجهة ضد إسرائيل. لكن حسب المجلة التي تستند إلى محافل رسمية داخل تل أبيب، فقد تم تجاوز خيار التصعيد بعدما أظهرت قيادة حماس رغبة في احتواء الموقف من خلال التحركات السياسية.

وهذا ما دفع نتنياهو للتراجع عن التصريحات التي أدلى بها وزراؤه حول نية إسرائيل تصعيد أزمة الكهرباء، على اعتبار أن الهدف من التحرك الثلاثي قد تحقق بالفعل.

إذن ما تقدم يقدم دليلا على أن افتعال أزمة الكهرباء في قطاع غزة مثّل في الواقع تحركا جيوبولتيكيا شاملا وواسعا استغل حاجات الناس وراهن على شعور قيادة حركة حماس بالمسؤولية تجاههم. وإن كان المرء يتفهم أن تتحرك إسرائيل على هذا النحو تجاه غزة وتوظيف معاناة أهلها في محاولة تحقيق مكاسب إستراتيجية، فإن ما لا يمكن فهمه أن يتجند محمود عباس وسلطة السيسي بلعب أدوار في هذا التحرك من أجل تحسين قدرة تل أبيب على تحقيق مصالحها. فقد تبين أن عباس والسيسي كانا أدوات في مخطط نتنياهو لاحتواء السنوار.

ففي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل فرض الوقائع على الأرض من خلال توسيع الاستيطان وتعميقه ويعلن نتنياهو على رؤوس الأشهاد أن الضفة الغربية ستظل تحت السيادة الإسرائيلية إلى أبد الآبدين، فقد كان يتوقع ألا تستجيب السلطة والقاهرة لنتنياهو لتمنحه القدرة على المناورة وتأمين إسرائيل من مواجهة جديدة.


Comments

comments

شاهد أيضاً

د. فادي شامية يكتب: حقيقة “الإخوان”.. ومشايخ السلطان

ما كان ينبغي لورثةِ الأنبياءِ أن ينساقوا وراء ورثَة الكَراسي، ولا أن ينحدروا بدينهم إلى …