الرئيسية / تقارير ومتابعات / لماذا أقال الرئيس السوداني مدير مكتبه وما حكاية علاقته بالسعودية والإمارات؟
عمر البشير
عمر البشير

لماذا أقال الرئيس السوداني مدير مكتبه وما حكاية علاقته بالسعودية والإمارات؟

علامات أونلاين - أيمن الحياري :


ينشغل المجتمع السوداني بمعرفة أسباب إقالة الرئيس عمر البشير لمدير مكتبه ووزير الدولة بالرئاسة الفريق طه عثمان, وقد تجاوز في ظل التزام البشير الصمت, وقد امتد النقاش عن مدى صحة أو كذب ما تواتر من أسباب إلى الغوص في تداعيات القرار على الصعيد المحلي والإقليمي والعربي كأحد ردود الفعل للأزمة الخليجية.

السودانيون لايزالون يتداولون قرار الإقالة دون أن تعمد السلطات لتأكيد أو نفي الواقعة، وتم رصد جملة أسباب لهذه الخطوة؛ أهمها ما هو مرتبط بأزمة الخليج وقطر, الحالية، والتي نتج عنها قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدوحة والسعودية والإمارات والبحرين ومصر، ودول أخرى انضمت إليها.

وقد أشيع أن جهات إقليمية رصدت مكالمات بين «طه» والسعودية والإمارات، تؤكد تأييد السودان لموقفها، وتقول معلومات أخرى إن الرجل سرب وثائق ومعلومات زعم أنها دلائل على «دعم قطر للإرهاب»، وتحاول تلك الدول الاستناد إليها.

ويستبعد مراقبون أن يكون قرار الإقالة متعلقا بقضايا فساد، حسب ما أثير، باعتبار أن قضايا الفساد ظلت تلاحق الرجل لسنوات عدة، دون أن تتخذ إجراءات ضده.

وجاء قرار تعيين حاتم حسن بخيت وزيرا للدولة برئاسة الجمهورية ومديرا لمكتب البشير بعد يوم من إقالة طه عثمان شفويا, وقد توجه مباشرة إلى السعودية، بعد أن كانت السلطات قد منعته من السفر، ما استدعى وساطة داخلية وخارجية للسماح له بمغادرة البلاد إلى السعودية، التي قيل إنه يحمل جنسيتها، بعد وساطات سعودية إثر اقتياده من قبل السلطات السودانية إلى جهة غير معلومة.

وأوضح مصدر صحفي أن الاهتمام بما يتم تداوله حول إقالة الفريق طه عثمان يرجع إلى المساحات الواسعة التي أتيحت للرجل ليلعب فيها أدوارا ظلت محل إخفاق طيلة السنوات الأخيرة.

وقال المصدر إنه منذ العام 2014 بدأ نجم عثمان في الظهور وبات يزداد لمعانا كلما انحلت عقدة من تعقيدات العلاقات السودانية الخليجية، لا سيما فيما بين الخرطوم والرياض وأبوظبي إلي أن جاءت عملية «عاصفة الحزم» التي تقودها السعودية ضد «الحوثيين» في اليمن والذي يعتبر عثمان المهندس الأساسي لترتيب مشاركة القوات السودانية فيها.

وذكر المصدر أن مساحات «عثمان» توسعت أكثر حينما أعلن هو عن قطع السودان لعلاقاته مع إيران؛ الحليف الاستراتيجي طيلة سنوات العزلة، وعندما أعلنت واشنطن في يناير الماضي تخفيف العقوبات المفروضة علي السودان حيث نسب عثمان الفضل في تخفيف العقوبات لنفسه ولأدواره التي لعبها مع ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وأشار المصدر إلى ظهوره عقب أزمة التراشق بين السودان ومصر وهو يحمل رسالة من البشير إلي رئيس سلطة الانقلاب العسكري في مصر عبدالفتاح السيسي رغم وجود لجان من الخارجية معنية بملف العلاقات مع القاهرة، بجانب حضوره الملفت في القمة الإسلامية الأمريكية التي عقدت في مايو الماضي بالرياض ومصافحته الباسمة للرئيس الأمريكي ترامب الذي رفض حضور البشير للقمة رغم دعوة الملك سلمان المسبقة له.

وكان الناشط السوداني ناصف صلاح والمشهور بـ«سيد الكارو» و«مونتي كارو» كتب على حسابه على فيسبوك في الساعات الأولى من صباح الاثنين الماضي، أنه تم إعفاء الفريق طه عثمان وتكليف لواء محمد حسن بخيت بإدارة مكتب رئيس الجمهورية.

وقال المغرد السعودي الشهير «مجتهد» إن إقالة طه عثمان جاءت على ما يبدو بعد رصد مكالمة له مع السعودية والإمارات تآمر فيها لتحويل موقف السودان ضد قطر بأي وسيلة.

من جانبها، أوضحت الأكاديمية الأردنية والباحثة السياسية فاطمة الوحش أن إقالة عثمان المقرب من الإمارات جاءت بعد أن كشفت الاستخبارات التركية تحركاته ومحاولة انقلابه.

وأشارت التفسيرات المتداولة على صفحات الصحف السودانية، إلى الربط بين هذه الإقالة والدور المحتمل لعثمان في الانقلاب بتخطيط وتمويل من دولتين خليجيتين ودولة عربية مجاورة، خصوصا بعد نجاح السلطة في الحصول على تسجيلات تثبت خطته للانقلاب على الحكم بالتنسيق مع كلتا الدولتين، وتسريب صورة لتحويل بنكي إلى حسابه ببنك أبوظبي، بقيمة 30 مليون دولار.

رجل الخليج

يعتبر عثمان على مدار 10 سنوات الأخيرة، رجل السعودية القوي في السودان، والمسؤول الأول عن توسيع صلاحيات ونفوذ المملكة على الأراضي السودانية، فضلا عن مساعيه الدائمة لهندسة مواقف السودان الخارجية، حسب ما تقتضيه بوصلة المملكة الخارجية.

ولعب عثمان دور الوسيط كذلك لمحمد بن سلمان في الاتصال ببعض الدول الأفريقية، وبالتحديد إثيوبيا وإريتريا وموريتانيا، مستخدما صلاته الوثيقة التي تجمعه بقادة هذه الدولة، للاندماج في تحالف «عاصفة الحزم»، فضلا عن تنظيم 40 زيارة لرؤساء دول أفريقية للسعودية.

وكان عثمان أحد الأذرع التي استخدمها «بن سلمان» لتسويقه داخل بلاده وخارجها؛ إذ أخذت تصريحات «عثمان» تمتدح حكمة «بن سلمان»، وتثني على جهوده لدى الولايات المتحدة لرفع العقوبات عن السودان.

وفي دلالة واضحة على التوتر الملحوظ في العلاقات بين السودان والإمارات، وعدم قدرة الأخيرة على إخضاع بلاد وادي النيل لسيطرتها، وإدراجها ضمن مناطق نفوذها الخارجي، انسحب رئيس الحكومة حاكم دبي محمد بن راشد خلال كلمة البشير في المؤتمر الاقتصادي المصري الذي عقد في مارس 2015.

وأعطى الانسحاب الضوء الأخضر لرجل السودان النافذ كي يكون وسيطا بين البلدين، في سبيل تذليل الصعوبات التي تحول دون توسيع النفوذ الإماراتي داخل السودان، وإخضاعه للسطوة الإماراتية.

وتجلت أدوار هذه الوساطة في لقاءات رسمية بين عثمان» وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد مبعوثا عن الرئيس السوداني، وأخرى مع منصور بن زايد، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، خلال العام الماضي، ساهمت في إذابة الجليد بين البلدين، وإحياء النفوذ الإماراتي داخل السودان، بعد فترات خفوت وقطيعة دامت سنوات.

وتكللت مساعي عثمان بنشاط ملحوظ للاستثمارات الإماراتية في السودان بقيمة تقدر بـ20 مليون دولار أمريكي، وزيارة استثنائية  للبشير إلى الإمارات، في نوفمبر الماضي، برفقة عثمان، لرفع درجة التنسيق بين الجانبين.

ومنحت الإمارات لرجلها القوي مقابلا ثمينا حيال أدواره ووساطاته الممتدة، شملت منحه حق احتكار تصدير جمال السباق لها، ولعدد من الدول، وهي تجارة تدر ملايين الدولارات.

تساؤلات وعلامات تعجب

ومع تفجر الصراع الخليجي، وجدت الخرطوم نفسها بين معسكرين، ترتبط مع كليهما بمصالح، حتى وإن تفاوتت إلا أنها حيوية لبلد يعاني عزلة غربية، ويصعب عليه خسارة طرف لمصلحة الآخر.

حتى عام 2014، كانت الدوحة واحدة من أوثق الحلفاء الإقليميين للخرطوم، مقابل توتر مع بقية الدول الخليجية، التي كانت ممتعضة من تقارب السودان مع إيران.

وتجلى هذا التوتر عندما استضافت البحرية السودانية سفنا حربية إيرانية على ساحل البحر الأحمر، قبالة الساحل السعودي، أربع مرات، ما بين 2012-  2014.

وتدنت العلاقة إلى مستوى غير مسبوق عندما منعت الرياض، في أغسطس 2013، طائرة كانت تقل البشير من عبور أجوائها، في طريقه إلى طهران، للمشاركة في حفل تنصيب الرئيس روحاني.

وما غذى الخلافات أيضا، تعامل دوائر خليجية ومصرية مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم، الذي يرأسه البشير، كامتداد لجماعة الإخوان المسلمين.

وبالمقابل، كانت المرجعية الإسلامية لنظام البشير، المحرك الرئيس لما يتمتع به من دعم قطري.

وخلال العقد الماضي، أنفقت الدوحة مئات الملايين من الدولارات، في شكل منح وقروض، على مشاريع البنية التحتية في السودان، علاوة على رعايتها السخية لعملية السلام في إقليم دارفور، غرب السودان.

وكانت الدوحة قد توسطت، في يوليو 2011، لإبرام اتفاق سلام بين الحكومة و«حركة التحرير والعدالة»، إحدى أربع حركات تحارب في دارفور، رفضت بقيتها التوقيع على الوثيقة.

وفي أبريل 2013، تعهدت قطر بدفع 500 مليون دولار، من خلال مؤتمر المانحين الذي استضافته، لإعادة إعمار دافور، من أصل 3.65 مليارات دولار التزمت بها 35 دولة مشاركة.

ولم تلتزم الدول بتعهداتها، باستثناء الدوحة، المستمرة في وساطتها بين الحكومة وبقية الفصائل المتمردة في دارفور، رغم تعثر المحادثات.

وحتى عندما نجحت الخرطوم في تحسين علاقتها مع السعودية والإمارات، خلال العامين الماضيين، لم يظهر الأمر كخصم من علاقتها مع قطر، رغم تخفيف السودان لخطابه الأيدلوجي.

وفي فبراير 2015، قال البشير، وسط أجواء تبادل للخطوات التصالحية مع الدول الخليجية، إن حزبه ليس له علاقة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وأخذت تصريحات البشير رمزيتها من كونها أتت عبر وسائل إعلام إماراتية، خلال زيارة لأبوظبي.

وتزامنت تصريحات البشير مع شروع حكومته في خطوات لتحجيم علاقتها مع طهران، بدأت بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في سبتمبر 2014، وبلغت ذروتها مطلع العام 2016، بقطع العلاقة مع طهران تضامنا مع السعودية لمواجهة المخططات الإيرانية.

وفي مارس 2015، أعلنت الخرطوم مشاركتها في «التحالف العربي» الذي تقوده السعودية، لمحاربة «الحوثيين»، المدعومين من طهران، في اليمن.

ومقابل ذلك، لعبت الرياض وأبوظبي دورا محوريا، طبقا لتصريحات مسؤوليين سودانيين، في القرار الذي من المقرر أن تتخذه واشنطن خلال الشهر المقبل، برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم منذ 20 عاما.

ومن هنا يمكن فهم موقف السودان بمسارعته إلى حض الأطراف الخليجية على «تهدئة النفوس والعمل على تجاوز الخلافات»، وتاكيد الخارجية السودانية، «ثقة السودان التامة في رغبة وقدرة القادة الأشقاء العرب على تجاوز هذه الأزمة»، وإثر ذلك، أجرى البشير، اتصالاً هاتفيًا مع أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، من أجل احتواء الأزمة القطرية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

أكاديمي إماراتي ومغردون قطريون ينتقدون الإجراءات التعسفية ضد الدوحة

جدد د. يوسف خليفة اليوسف؛ أستاذ الاقتصاد بجامعة الإمارات والمقيم خارج الإمارات انتقاده للحصار الذي …