الرئيسية / مقالات / عزة مختار تكتب: في رحاب الأيام المباركة

عزة مختار تكتب: في رحاب الأيام المباركة

بقلم :عزة مختار


لن يصلح شأن آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها، وما تمر به الأمة اليوم من نكبات متوالية تكاد تخرجها من دائرة التاريخ رغم ما تحمله من منهج يضمن لها ليس فقط العودة إلى مصاف الحضارة، وإنما يضمن لها صنع حضارة من نوع جديد، حضارة تفتقدها الإنسانية التي طغت عليها المادية فصارت تمثل خطرا يهدد وجود الإنسان على هذا الكوكب بعدما لم يعد يسير إلا بقدم عرجاء، ويرى بعين عوراء، هي قدم وعين وبطش القوة الجبارة التي لا تملك أخلاقا ولا دينا ولا روحا توجهه وتهذبه ليصير المستضعفون لقمة سائغة في فم المستبدين، والمستبدون لعبة في يد الكبار يضربون بها أعناق الرجال والنساء، ليصبح العالم كله وليس المسلمون وحدهم في أمس الحاجة لإحياء هذا الدين وبعثه في قلوب الخلق من جديد.

وقبل الدين لم يكن للعرب شأن يذكر، ولا يدرون عن الحضارة حتى اسمها، ولا يعنيهم من اليوم إلا ملء البطون، ومن الغد إلا النوم ملء الجفون، فجاء الإسلام ليبدل جوهر هذا الإنسان ليصنع حياة من العدم، وحضارة مستقاة من أول كلمة في كتاب الله ” اقرأ ” ، وامتلأت الأرض عدلا وحياة ورحمة، وفقِهَ المسلمون دينهم فكان لزاما عليهم أن تكون لهم الريادة وقيادة العالم بما يحملون من منهج سماوي وسطي متكامل، وفقهًا لقول الله تعالي في سورة التوبة “كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً “، فحين نسي المسلمون دينهم، نسوا دورهم، وحين تخلوا عن مكانتهم كان الثمن فادحا، دفعته البشرية كلها من دماءٍ وتخلف وسوء خلق وانحطاط إنساني.

فالبداية في المعرفة، ثم التطبيق والاتباع الدقيق للنبي القدوة عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح، والدين ليس طقوسا لاهوتية تؤدي في المساجد في معزل عن الحياة، وإنما هو حركة في الحياة وبناء لها بالدين والأخلاق وترقيق القلوب وتعبيد النفس والغير لله, وتحبيب الناس فيه سبحانه, وتحكيم شريعته التي ارتضاها لهداية البشرية وإنقاذها من الفناء المحتوم إن هي تركت لنفسها أكثر من ذلك.

والمسلم ليس عابدا للأيام، فلسنا عُبادا لرمضان ولا لشهر من الشهور نجتهد في بعضها ثم نفتر، وإنما المسلم الحق عابدٌ لله في الزمن كله، عابدٌ لله في المكان كله، عابد لله في خلوته، عابد لله بين خلقه، لكنها أيام خصها الله عز وجل بالتكريم فكان لها فضل في شحذ العزائم إن نحن أحسنا استقبالها واستثمارها، كمواسم الفيضان نختزن منها لأيام القحط والشح، ومن هذه الأوقات، تلك الأيام الغالية التي نمر بها اليوم ما أحوجنا للانتفاع بها لإصلاح تلك النفوس العصية وتأهيلها لما هو منوط بها من مهمات ” إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ” ، القول الثقيل من التعبد الكامل لله، القول الثقيل من حمل الأمانة وتبليغها للخلق، القول الثقيل من آيات الله والحكمة والتي يجب التحرك بها في الأرض لا اختزانها فوق أرفف المكتبات وتزيين المساجد بها، القول الثقيل من هداية الناس وإعمار الأرض، القول الثقيل من حقن دماء الأبرياء والقضاء على الجوع في الأرض، القول الثقيل من المسئولية الجبارة الملقاة على عاتق المسلم ثم هو تخلى فصار كالمطية تحت أرجل الطغاة، ونظرتنا بذلك تختلف تجاه تلك الأيام المباركة، فهي ليست أيام للدروشة كما قد يتخذها البعض، أو ملء البطون، أو إعداد الموائد بما لذ وطاب بعد توقفٍ عن الطعام والشراب، وإنما هي أيام لثقل النفوس التي لن يتم تغييرٌ إلا إذا تغيرت ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، فإرادة التغيير يجب أن تكون غالبة، نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج، وتلك الإرادة لن تتفجر حتى يأتي ما يذكيها ويغذيها، والقرآن كان كلمة السر الأولى في ذلك التغيير في فجر أمتنا التي لن تموت، القرآن كان المعين الأول، وها هو شهر القرآن يطل علينا من جديد، وتلمسا منا لتلك الخطى التي سارها حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين كانوا يستعدون لاستقباله بالدعاء المعروف ” اللهم بلغنا رمضان “, قبله بستة أشهر، ثم هم يبكونه ستة أشهر أخرى، فكأن العام كله لديهم رمضان، وكأن الأيام كلها قرآن ونور يتلى آناء الليل وأطراف النهار، تلاوة وتفعيلا وحركة وجهاد وبناء علي كل المستويات، فكان التعبد بـ ” اقرأ “, وكان التعبد ” قل سيروا في الأرض “, كما كان التعبد بالذكر والصلاة والصيام سواءً بسواء.

فالطالب مع كتابه، والمعلم مع تلامذته، والأم وسط أبنائها، والحاكم مع رعيته، والطبيب بين مرضاه، وعامل النظافة في الشارع، والخطيب علي منبره، كل هؤلاء في محرابٍ للعبادة يحتاجون لسقاء متجدد، ولن يكون هذا السقاء إلا السقاء الأول، والمعين المتجدد الذي لا ينضب.

سنحيا في رحاب تلك الأيام المباركة نستحث الخطى تجاه كل ما يرضي ربنا لنطهر النفس ونزكيها ونخليها مما علق بها من أدران جاهلية هي في حقيقتها أشد من الجاهلية الأولى، ثم نطهرها بما يرضي ربنا عسى أن يخرجنا مما نحن فيه من مآسٍ مكتوبة في صفحات هي أسوأ صفحات التاريخ، وسنتعلم في الأيام المقبلة كيف نرقى بأنفسنا، وكيف نستعد وكيف نخطو أولى خطواتنا تجاه النصر المبين الذي وعد عباده المؤمنين، فقط حين يكونوا مؤمنين.

 

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

عبد الله النملي يكتب: أشكال إجرامية غير مألوفة .. فماذا نحن فاعلون؟

وصلت حالة الانفلات الأمني في المغرب حدا لا يمكن السكوت عنه، بعد توالي عمليات “الكرساج”، …