د. مصطفى اللداوي يكتب: إعلان حالة الطوارئ في السجون والمعتقلات الإسرائيلية – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / د. مصطفى اللداوي يكتب: إعلان حالة الطوارئ في السجون والمعتقلات الإسرائيلية
د. مصطفى اللداوي
د. مصطفى اللداوي

د. مصطفى اللداوي يكتب: إعلان حالة الطوارئ في السجون والمعتقلات الإسرائيلية

بقلم : د. مصطفى اللداوي


أزفت الآزفة واقتربت الخاتمة، ودقت ساعة الخطر وانطلقت صافرة الإنذار، وأدرك العدو أنه في مواجهةِ خيارٍ وحيدٍ لا ثاني له، لا مفاصلة فيه ولا مفاضلة، ولا مفاوضاتٍ ولا مساوماتٍ، فقد طوى الأسرى والمعتقلون المضربون عن الطعام شهرهم الأول بالتمام والكمال، وهو الشهر الأصعب والأقسى، والأكثر ألماً، ولم يتراجع منهم أحدٌ، كما لم يضعف فيهم أسيرٌ، بل ازدادوا عدداً، وتميزوا تنوعاً، وأثبتوا لشعبهم أنهم صُدُقٌ في المواجهةِ، وصُبُرٌ عند اللقاء، وأن أحداً لن يثنيهم عن قرارهم، أو يجبرهم على التراجع عن إضرابهم، لا العنف والقوة، ولا الحيلة والخديعة، ولعلهم اليوم يرون تباشير النصر، ويتوقعون ساعة الفرج، فليس بينهم وبين الوصول إلى أهدافهم سوى خطوة واحدة، وقد عقدوا العزم على اجتيازها أياً كانت العقبات أو الصعوبات.

بات الأسرى المضربون في حالٍ صعبٍ، وهم ليسوا واحداً أو اثنين بحيث يمكن السيطرة عليهم والتحكم فيهم، أو تحمل مسؤولية تردي أوضاعهم أو استشهادهم، إنهم نيفٌ عن ألفٍ وثمانمائة أسير، منهم الشاب والكهل، والصبي والشيخ والمرأة, والصحيح والعليل، وقد باتوا جميعهم مرضى وفي حالٍ صحيةٍ سيئة، ولم يعد يجدي نقل بعضهم إلى المستشفى للمتابعة أو تلقي العلاج، بل لم تعد مستشفيات السجون كلها تكفي لمتابعتهم، رغم إعلان حالة الطوارئ العامة، ومنع الإجازات بأنواعها، واستدعاء الأطباء العسكريين والاحتياط، والتعاقد مع أطباء أجانب، لمواجهة التطورات السريعة والمتلاحقة، ولكن كرة إضراب الأسرى تتدحرج بسرعةٍ وتكبر، وستتسارع في الآونة القادمة أكثر، وستكبر في الشارع والميدان، وفي فلسطين وخارجها، وستنفجر في وجه الاحتلال,  وسيكون لصوتها صدى ولفعلها أثر.

قد تكون هذه الأيام صعبة وقاسية، وفيها انتظارٌ وترقبٌ، وحسابٌ للساعات وعدٌ للدقائق واللحظات، لكنها أيامٌ معدودةٌ وساعاتٌ قليلة، كساعات آخر الليل أشد ظلمةً، ولكنها ظلمةٌ تؤذن بطلوع الفجر وبزوغ النور وانقشاع الظلام.

 فما هي إلا أيام ونتوقع أن نسمع أن إدارة السجون بدأت في التفاوض مع قادة الأسرى، وأنها تخلت عن تعليق الإضراب كشرطٍ مسبقٍ للخوض في المفاوضات، وستجد نفسها مرغمة على مفاوضة قادة الإضراب الذين اختارهم الأسرى وسموهم ناطقين باسمهم ومعبرين عن حالهم، ولعل سوابق الإضراب تعيد نفسها، ومعارك الأسرى تتكرر نتائجها، صمودٌ وانتصارٌ، وثباتٌ وإنجاز، ولكن بات علينا أن نوطن أنفسنا على كل خبرٍ ونبأ، فلا نصدم بما يسوؤنا، ولا نفاجئ بما يؤلمنا, فهذه حربٌ ومواجهةٌ، قد يسقط فيها جرحى وقد يرتقي فيها شهداء، وقد يتأخر الأمل لكن لا ينحبس الفرج.

أسقط في أيدي سلطات الاحتلال ومصلحة السجون، وباتوا في حيرةٍ من أمرهم،  متخبطين في قراراتهم، تائهين في طريقهم، إذ كيف يواجهون الأسرى والمعتقلين الذي أشرفوا على الشهادة بالجملة، وعزموا على صناعة الكرامة بأرواحهم، ونسج حريتهم بحياتهم، وتحدي جور السجان بأمعائهم، والصمود أمام سوط الجلاد بأجسادهم، وقد عجزت إدارة السجون عن مواجهتهم رغم أنها نقلتهم وفرقتهم، واعتدت عليهم وعاقبتهم، وضربتهم وقمعتهم وبالغازات الخانقة والمدمعة هاجمتهم، وعزلت قادتهم, وحاولت خداعهم وشق صفهم، ولكنها باءت وجهودها بالفشل، ولم يعد عندها ما تفعله أكثر، بل أدركت أن الثمن الذي ستدفعه اليوم أقل من الثمن الذي ينتظرها غداً إن هي كابرت وماطلت.

سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعرف يقيناً أنها اليوم أضعف ما تكون في مواجهة الأسرى بعد أن قطعوا هذا الشوط الطويل، وثبتوا على موقفهم العنيد، وتمكنوا بصبرهم من نقب جبل الغطرسة والعنجهية الإسرائيلي، ولي عنق الإدارة المتعجرفة، وإرغامها على النزول عن شجرتها التي ظنتها عالية، وأن النزول عنها أمرٌ صعبٌ أو مستحيلٌ، وهي المتسلحة بالسلطة والقوة، والقرار والأسوار، وعندها مفاتيح السجن وسوط الجلاد، ولكن الأسرى والمعتقلين المجردين من القوة المادية أجبروها على النزول، وسيجبرونها عما قليل على ما هو أكثر من النزول، وتعلم مصلحة السجون أنه آن لها أن تصغي السمع، وأن تبدي ليونةً في مواقفها، وتظهر للأسرى استعدادها لقبول طلباتهم وتحقيق شروطهم.

إنها حالةٌ كان يجب على العدو الإسرائيلي أن يتوقعها ويتهيأ لها، وكان ينبغي لسلطاته الاحتلالية وأجهزته الأمنية والقمعية أن تتحسب لها، فهي التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن بصلفها وكبريائها وغرورها واعتداءاتها، ولو أنها استجابت إلى طلبات الأسرى والمعتقلين الإنسانية العادلة، التي لا تتجاوز القانون ولا تتناقض مع العهود والمواثيق والأنظمة والبرتوكولات العالمية، التي تنصف الأسرى والمعتقلين بصورةٍ عامةٍ، وتعترف بحقوقهم القانونية الأساسية والإنسانية، ولكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي كعادتها أعرضت صفحاً عن آهات الأسرى، وأصمت آذانها عن صرخاتهم المكبوتة، ومعاناتهم الدائمة، وآلامهم المبرحة، فكان عليها أن تتوقع هذه النتيجة المحتومة، وأن تدرك أن هذا الشعب الأبي يستطيع أن يحيك أثواب العزة وأن ينسج خيوط الفجر، وأن يصنع لنفسه غد الكرامة.


Comments

comments

شاهد أيضاً

عامر عبد المنعم يكتب: الأجندة الإسرائيلية لتدمير العرب

يتعرض العالم العربي لأعنف موجة من التدمير الذاتي، والانقلاب على كل الثوابت، وكأن نارا اشتعلت …