الرئيسية / دعوة / صيام قلب.. ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة
أحمد المحمدي المغاوري
أحمد المحمدي المغاوري

صيام قلب.. ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة

أحمد المحمدي المغاوري


قريبا تهل علينا نفحة ربانية تمكث فينا لِلحَظات، وصفها الله في كتابه فقال (أياما معدودات)، وورد في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال” إن لله في أيام دهره لنفحات، ألا فتَعَرَّضُوا لها “

رمضان ضيف خفيف سيشرفنا، شهر بركة، ينبغي علينا أن نستعد له ونعد العدة لاستقباله فهو يحمل معه البشريات والهدايا والجوائز، ففيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتُصفد الشياطين، فكم من أناس مر عليهم رمضان ولم ينالوا خيرا؟ وكم من أناس فازوا وسعدوا بهذه النفحات لأنهم أعدوا واستعدوا بقلوبهم قبل أبدانهم. فمن قَلَّ صيامه وقيامه طيلة العام يُسْتَحَبّ له أن يستعدّ لرمضان بالتدريب على النَّوافل قُبله، حتى إذا دخل شهر الفريضة وجد نفسه على أُهْبة الاستعداد وفي شوقٍ لأداء العبادات، مهما صعب القيام بها لظروف الطقس أو لطول النهار؛ فقد ورد في الأثر “صُمْ يومًا شديد الحرِّ ليوم النشور” .. فهيا بنا نحيي القلوب قبل رمضان.

شهر رمضان المبارك، كتب الله صيامه على أمه الإسلام، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة. وتختلف درجات المسلمين في استقبال الشهرالكريم، فهم على ثلاثة؛ فمنهم ظالم لنفسه, لم يعبأ بقدوم الضيف ولم يعد العدة لاستقباله؛ قال تعالى (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ(46)  التوبة، تخلى ولم يتحلَ بالصبر, فكان الشهر له بمثابة عبء وشهر حرمان له، تسأله لماذا تصوم؟ يقول كما يصوم الناس! ولد الشهر ميتا في قلبه فدخل عليه وخرج منه وهو على حاله لم يتغير فيه شيء.

 والصنف الثاني ظلمه أشد، يسعى في إلهاء الناس وصدهم عن سبيل الله وعن الهدف المرجو منه، فخاب وخسر.

أما البطل والهداف الحقيقي فذلك الصنف الثالث الذي أعد واستعد وخطط وسارع في الخيرات قبل قدوم الشهر, فمعه من الإرادة والعزيمة التي تجعله مشتاقًا لاستقبال الضيف الكريم والترحيب به، أراد فنجح وربح، يقتنص الفرص. فَقِهَ قول الله تعالى وعلم أن في رمضان يريد الله أن يخفف عنا الذنوب ويغفر لنا (والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء.

 

انتبهوا

 ( وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً) .. رمضان يجب أن نستعد له من الآن. كيف؟ بأن نتعلم ونقرأ في أحكام الصيام ومبطلاته. ونعرف أن الصيام ليس صيام بطن وفرج وفقط بل صيام قلب. نستعد بتوبة صادقة واستغفار وتصالح مع الله وفيما بيننا، وأضف أيضا أن نقنن استخدام وسائل التوصل (التقاطع) الاجتماعي في نهاره بالاتفاق مع العائلة وتحديد وقت له في الليل. كل ذلك وفق خطة موضوعة يتم قياسها وتقييمها فيما بعد. ونخصص دعاءً عند الإفطار في كل يوم, وخاصة للأمة المكلومة ولرجالها؛ رجال الحق, وللوالدين، فكم من أناس الآن لا يجدون الوقت للتفكير مثلنا، ولا يجدون المأوى والمأكل، مُهجرين مشردين مضطهدين.

لذلك إياك أن تأتي حزينا يوم يقوم الناس لرب العالمين, فيفرح أناس ويحزن آخرون، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه. ومن هذا الذي يدعو عليه جبريل بالخسران ويؤمّن عليه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم  بالخيبة والخسران, فرّغِمَ أنفه؟ عن حديث جبريل عليه السلام الذي قال فيه للحبيب صلى الله عليه وسلم “من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله. قل: آمين. فقلت: آمين ” ذاك الضائع الذي ضيع رمضان ولم يُعد له ويُحسن استقباله.

 

أذن شعبان بالرحيل

بقيت أيام بل ساعات على رمضان لنقترب من واحته الوارفة، فعلى العاقل ومن يترقب مواسم الخير ومواطن القبول وميادين السباق أن لا يغفل عنها وينتبه.

أرايتم الطالب المجتهد قبل الامتحان؛ يذاكر ويسهر لينال الدرجة العليا، وكذلك المسافر يرتب كل شيء؛ يحجز الطيران والفندق ويضبط موعد السفر ويجهز الحقائب, بل ربما لا ينام حتى لا تفوته الطائرة، والمتسابق إذا اقترب من نقطة النهاية أسرع وقفز ونهض لكي ينال الجائزة الذهبية، كل هؤلاء يعدون العدة ومن سهر الليالي بلغ المعالي, والآخرة خير وأبقى، ورمضان يحتاج منا إلى انتباهة،  فالعاقل لابد أن يفكر قبل أن يفعل شيئًا، يسأل نفسه (ماذا أفعل ولماذا أفعل؟ وما الثمرة المرجوه منه؟ والصيام ثمرته التقوى, ولباس التقوى ذلك خير, فليكن شعارنا في شهر رمضان( صيام قلب) مع الجوارح فمن مات قلبه قبل جسده فقد هلك.

الصوم الحقيقي هو الذي يُدخل صاحبه الجنة، ورمضان جسر ممدود إلى جنة الرحمن ففيها باب الريان فلا يدخله إلا الصائمون. اللهم بلغنا رمضان


Comments

comments

شاهد أيضاً

إجلال الله عز وجل (1)

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَ مِنْ إِجْلَالِ …