الرئيسية / دعوة / من ثمرات رمضان .. تدمع العين ويبتسم القلب (1)

من ثمرات رمضان .. تدمع العين ويبتسم القلب (1)

بقلم : محمد أبوغدير المحامي


كان شهر رمضان فرصة عظيمة لشحن القلوب بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم وتدبر آياته، ووسيلة فعالة لكسر النفس وترقيق القلب بالصيام المفضي إلى الخوف من الجليل, والعمل بالتنزيل, والرضا بالقليل, والاستعداد ليوم الرحيل, وذلك هو ثمرة تقوى الله التي هي مقصود الصوم .

وكان منحة ربانية ليغفر الله ذنوب عباده, الصائمين نهاره, والقائمين ليله.  ومن ثمار المغفرة والاستغفار صلاحُ العبد وسعادته واستقامة أحواله، وحصول الرضا والطمأنينة وراحة البال، كما أن قيام اللّيل هو شرف المؤمن ويعطيه جلالًا ونورًا، ويجنّبه الإعراض

 والغفلة.

فإن أدرك المسلم فرص هذا الشهر ومِنحَ الله فيه – السالف بيانها – اطمأنت نفسه ورق قلبه وذرفت دمعته خشية من الله تعالى، وإذا أشرقت روحه’ نثرت عبير المودة ونسائم المحبة، وبلسم الألم ودواء الحزن، وحصلت إبتسامته، وإن انقضى رمضان وفاتت هذه الفرص فلا نلومن إلا أنفسنا.

ونقف هنا عند الدمعة من خشية الله, وبيان فضلها، وأسباب حصولها ونذكر أمثله للبكائين خشية من الله تعالى.

والابتسامة من حيث مفهومها، وفوائدها، وكونها طاعة وعبادة ، وفي ذلك كله, الرسول قدوة لنا.

 

الدمعة خشية الله تعالى

 

الدمعة من خشية لله تعالى هي ثمرة عمل شهر, ونتاج الطاعات التي مارسها المؤمن، فاطمأنت نفسه ورق قلبه فذرفت عينه دمعة خشية .

وقد روي أن ابن المبارك جلس مع أصحابه يومًا فانطفأ السراج؛ فقام رجل يُصلِح السراج، فلما اشتعل نظروا إلى ابن المبارك فإذا لحيته قد ابتلَّت بالدموع!، قالوا له: ما يبكيكِ يرحمك الله؟! قال: تذكرتُ القبر وظُلمتَه.

يبكي ظلمة القبر عندما ينطفيء السراج؛ ونحن نبكي على فوات المسلسل التليفزيوني لو انقطع التيار الكهربائي!

فهيا نتحدث عن الدمعة من خشية الله ليدفعنا ذلك الى الهمة العالية للحصول على أسبابها، لنصل إلى حال السلف الصالح في التحلى بها.

 

فضل من دمعت عينه من خشية الله

من دمعت عيناه من خشية الله تعالى، كان محلا لذكر الله تعالى في القرآن الكريم، وينال حب الله تعالى، ويظله الله يوم القيامة بظله، وينجيه من نار جهنم، فلا تمسه يوم القيامة، ولا يدخلها ولا تراها عينه، ودلائل ذلك في الآتي:

1- تكريمه بذكر الله تعالى له في القرآن: يقول الله سبحانه: ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) المائدة: 83 ويقول عنهم سبحانه: ( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ) مريم : 58 .

ويقول: ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) الإسراء: 109.

 

2 – دمعة يحبها الله تعالى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تراق في سبيل الله..) رواه الترمذي .

3 – يظله الله في ظله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»… وذكر منهم: «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) رواه البخاري ومسلم .

4 – ينجيه الله من النار: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: “قلت يا رسول الله، ما النجاة؟”، قال: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) رواه الترمذي .

 

5 – لا تمس النارُ عينه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) رواه الترمذي.

 

6 – لا يدخل النار ولا تراها عينه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله» رواه الطبراني .

 

أسباب حصول دموع الخشية من الله

يستطيع المسلم أن يلتمس أسباب البكاء من خشية الله بـ:

1 – محاسبة النفس قبل أن تشهد عليه جوارحه: فيذكر قول الله تعالى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ..) فصلت.

2 – قراءة القرآن وتدبر معانيه: قال تعالى: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) الاسراء  109 -110

عَن ابن مَسعودٍ رضي اللَّه عنه  قالَ: قال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ( اقْرَأْ علَّي القُرآنَ) قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِل؟، قالَ: ( إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية: ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً) قال: ” حَسْبُكَ الآن” فَالْتَفَتَّ إِليْهِ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفان . رواه البخاري ومسلم.

 

3 – سماع المواعظ المؤثرة: عن العرباض بن سارية رضي الله عنه ـ وهو أحد البكّائين ـ قال: ( وَعَظَنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب) .

4 – أن يتألم نادما على ما فرط في جنب الله: فدموعُ التائبين في جُنْحِ الليلِ تروي الغليل، وتشفي العليل، كما قال الإمام الطبري في تأويل قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَـذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ) النجم : 59-61

 

5 – البكاء شفقة من سوء الخاتمة:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحِجْر قال: ” لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسَهم أن يُصيبكم ما أصابهم؛ إلا أن تكونوا باكين”، ثم قنّع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، وأسرع المشيَ حتى أجاز الوادي) رواه البخاري ومسلم.

6 – أن يذكر الله في خلوته: وعنه قالَ: قالَ رسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ واله وسَلَّم : ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظلُّهُ : وذكر منها،  رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) رواه البخاري ومسلم.

 

أمثله لبكاء السلف الصالح

 

وهذه أمثلة راقية لمن فاضت أعينهم خشية لله تعالى وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم فهو أرقهم قلبًا وأخشاهم لله.

زكما أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم من سورة النساء حتى بلغ قول الله تعالى: ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حسبك)، فإذا عيناه تَذْرفان.

وثَبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صَلَّى سُمِع لصدره أزيز كأزيز المِرْجَل منَ البكاء، أي كصوت القدر إذا اشتدَّ غليانه؛ رواه أبو داود، وأحمد، والنسائي.

وقال أبو بكر رضي الله عنه: ( من استطاع أن يبكي فليبكِ، ومن لم يستطع فليتباك) .

وخطب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أهل البصرة فقال: (أيها الناس، ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت).

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (لأن أدمع دمعة من خشية الله، أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار).

وكان رضي الله عنه إذا قرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) سورة الحديد: 16 ، يبكي حتى يغلبه البكاء .

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (أبكاني ثلاث: هول المطلع ، وانقطاع العمل، وموقفي بين يدي الله، لا أدري أيؤمر بي إلى الجنة، أم إلى النار)

وشكا رجل إلى أم الدرداء القساوة من قلبه، فقالت: (عُد المريض وشيع الجنازة واطلع في القبور).

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

من ثمرات رمضان .. تدمع العين ويبتسم القلب (2)

سبق القول أن المسلم إذا ادرك ثمرات هذا الشهر رق قلبه وأشرقت روحه وحصلت إبتسامته …