الرئيسية / دعوة / من ثمرات رمضان.. الزهد في الدنيا (2)

من ثمرات رمضان.. الزهد في الدنيا (2)

بقلم : محمد أبوغدير المحامي


وسائل تحقيق الزهد في الدنيا

 

الزهد مقام رفيع المنزلة والوصول إليه يحتاج إلى وسائل ناجعة نذكر منها:

أ – اليقين بحقيقة الدنيا الزائلة: فينظر المرء في حال الدنيا من حيث سرعة زوالها وفنائها واضمحلالها، فهي كما قال الله: ( كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) الحديد:20، ولقد سمى الله الدنيا متاع الغرور، ونهى عن الاغترار بها، فقال تعالى:{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} الحديد 20.

وقد توعّد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه، فقال:{إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يونس 7-8.

 

ووجه سبحانه اللوم لمن رضي بالدنيا من المؤمنين، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} التوبة 38.

وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة, ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى:{ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } الشعراء 205-207.

وقوله: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } الأحقاف 35.

 

ب –  استشعار أهوال القيامة وجحيم النار ونعيم الجنة: فيتدبر المؤمن ويستشعر أهوال يوم القيامة, حيث يقول سبحانه: ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) الحج:1- 2 ثم يشمر ويعمل دون كلل استعدادا لهذا اليوم قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) البقرة: 281 .

ثم يتأمل نعيم الآخرة, فلا يتمنى الإنسان شيئًا في الجنة إلا أعطاه الله تعالى فوق طموحاته وأمانيه، قال تعالى: (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) الفرقان:16 , وقال جل وعلا: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) فصلت:31 .

 وفي وصف سعة الجنة قال الله تعالى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّموَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران:133 .

وفي أنهارها وثمارها قال تعالى: ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ) محمد:15 .

وجاء في مساكنها: ما رواه الترمذي (أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الجنة وبنائها، فقال: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، ولا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم).

 وجاء في شأن أشجارها: ما روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب).

وجاء في خلود أهل الجنة ودوام نعيمهم وصحتهم وجمالهم: ما في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قوله عز وجل: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الأعراف:43 .

ج – أن يثق بما في يد الله أكثر مما في يده: فزهده لا يمنعه شيئاً كتب له، وحرصه لن يجلب له ما لم يقدر له، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته، فإن الله ضمن أرزاق عباده وتكفل بها، كما قال: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) هود: 6 ، وقال: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) الذاريات: 22 ، وقال: ( فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه) العنكبوت: 17 , قال الحسن: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل.

د – أن يستوي عند المؤمن حامده وذامه في الحق: فمن زهد في الدنيا احتقرها، وقلت رغبته فيها، كره المدح ولا يضيره الذم، وقد يحمله الزهد على ترك كثير من الحق خشية الذم، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله. وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيله، ولا يخافون لومة لائم.

هـ – لا يفرح بموجود، ولا يحزن بمفقود: قال تعالى ‏{‏لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم‏}‏ ‏[‏الحديد ‏:‏ 23‏]‏ وهذه علامة الزهد في المال‏, لأن المؤمن يعلم أن كل شىء مقدر مكتوب عند الله، فلا يحزن على ما فاته أو فقده ولا يفرح بالموجود أو الآتي، وإن علم أن ما عنده مفقود لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطّن نفسه على ذلك, قال تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) القصص 88.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.

 

روائع القصص عن الزهد

 

جاء في إحياء علوم الدين:

 1 – روي عن عمر رضي الله عنه: أنه حين فُتح عليه الفتوحات، قالت له ابنته حفصة رضي الله عنها: البس ألين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق، ومُرْ بصنعة الطعام تطعمه وتطعم من حضر.

فقال عمر: يا حفصة، ألست تعلمين أن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته؟ فقالت: بلى. قال: ناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية، ولا شبعوا عشية إلا جاعوا غدوة؟

وناشدتك الله، هل تعلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة كذا كذا سنة لم يشبع من التمر هو وأهله حتى فتح الله عليه خيبر؟

 وناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قربتم إليه يومًا طعامًا على مائدة فيها ارتفاع فشقَّ ذلك عليه حتى تغير لونه، ثم أمر بالمائدة فرفعت، ووضع الطعام على دون ذلك، أو وضع على الأرض؟

وناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام على عباءة مثنية فثنيت له ليلة أربع طبقات فنام عليها، فلما استيقظ قال: مَنَعْتُمُونِي قِيَامَ اللَّيْلَةِ بِهَذِهِ الْعَبَاءَةِ، اثْنُوهَا بِاثْنَتَيْنِ كَمَا كُنْتُمْ تَثْنُونَهَا؟

وناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضع ثيابه لتُغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبًا يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة؟

وناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعت له امرأة من بني ظفر كساءين إزارًا، وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره، وقد عقد طرفيه إلى عنقه، فصلى كذلك؟

فما زال يقول حتى أبكاها، وبكى عمر رضي الله عنه وانتحب، حتى ظننَّا أن نفسه ستخرج .

 2 – أن بعض الخلفاء أرسل إلى الفقهاء بجوائز فقبلوها، وأرسل إلى الفضيل بن عياض بعشرة آلاف فلم يقبلها، فقال له بنوه: قد قبل الفقهاء، وأنت تردُّ على حالتك هذه.

فبكى الفضيل وقال: أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون عليها، فلما هرمت ذبحوها لأجل أن ينتفعوا بجلدها، كذلك أنتم أردتم ذبحي على كبر سني، موتوا يا أهلي جوعًا خير لكم من أن تذبحوا فُضَيلاً .

 

3 – قالت امرأة أبي حازم لأبي حازم: هذا الشتاء قد هجم علينا، ولا بد لنا من الطعام والثياب والحطب. فقال لها أبو حازم: من هذا كله بد، ولكن لا بد لنا من الموت ثم البعث، ثم الوقوف بين يدي الله تعالى ثم الجنة أو النار .

4 – دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم وعليه جبة صوف، فقال له قتيبة: ما دعاك إلى مدرعة الصوف؟ فسكت، فقال: أكلمك ولا تجيبني! فقال: أكره أن أقول زهدًا فأزكي نفسي، أو فقرًا فأشكو ربي.

5-  قدم عمير بن سعيد؛ أمير حمص على عمر رضي الله عنهما، قال له: ما معك من الدنيا؟ فقال: معي عصاي أتوكأ بها، وأقتل بها حية إن لقيتها، ومعي جرابي أحمل فيه طعامي، ومعي قصعتي آكل فيها وأغسل رأسي وثوبي، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي وطهوري للصلاة، فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي.

فقال عمر: صدقت رحمك الله .

 

6- مر أبو تراب النخشبي بمزين، فقال له: تحلق رأسي لله؟

فقال له: اجلس. فجلس، ففيما يحلق رأسه مرَّ به أمير من أهل بلده، فسأل حاشيته، فقال لهم: أليس هذا أبا تراب؟ قالوا: نعم .

فقال: أي شيء معكم من الدنانير؟ فقال له رجل من خاصَّته: معي خريطة فيها ألف دينار.

فقال: إذا قام فأعطه، واعتذر إليه، وقل له: لم يكن معنا غير هذه.

فجاء الغلام إليه، فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام، وقال لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير.

فقال له: ادفعها إلى المزين.

فقال المزين: أي شيء أعمل بها؟

فقال: خذها.

فقال: لا والله ولو أنها ألفا دينار ما أخذتها.

فقال له أبو تراب: مر إليه، فقل له: إن المزين ما أخذها، فخذها أنت فاصرفها في مهماتك.


Comments

comments

شاهد أيضاً

من الأخلاق الراقية .. الـورع

الورَع خلق راقٍ عظيم, به يرقى الإنسان ويترفّع عن كل خُلق ذميم، فهو يحرُس صاحبَه …