الرئيسية / تقارير ومتابعات / هل تم تطهير تركيا من «الكيان الموازي» وانتهى خطر الانقلابات العسكرية؟

هل تم تطهير تركيا من «الكيان الموازي» وانتهى خطر الانقلابات العسكرية؟

علامات أونلاين - هشام تاج الدين :


عامٌ مر على محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا الذي استهدف إنهاء حكم حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان، واعتبر بمثابة محطة مفصلية في تاريخ الشعب التركي والسياسة التركية.
وبعد عام كامل من الإجراءات المتلاحقة التي غيرت شكل الدولة والجيش والحياة السياسية بشكل عام احتفلت تركيا؛ شعبًا وحكومة بالذكرى الأولى لفشل الانقلاب العسكري، ولاتزال حزمة من التساؤلات تطرح نفسها بقوة في تركيا لعل أبرزها: هل انتهى خطر الانقلابات العسكرية في البلاد؟ وهل نجح أردوغان في القضاء بشكل كامل على أنصار فتح الله جولن وما كان يعرف بـ«الكيان الموازي»؟
ما يُجمع عليه المراقبون أن تركيا بعد محاولة الانقلاب التي جرت في 15 يوليو 2016 لم تعد كما قبلها، وأن أردوغان تمكن بالفعل من القيام بتغييرات جوهرية غيرت شكل الدولة وتركيبة الجيش وهو ما كان يستعصي عليه القيام به منذ سنوات طويلة ولم يكن له القيام بتلك التغييرات بهذه السرعة لولا الانتصار الذي خرج به عقب محاولة الانقلاب.
لكن ما لا يُجمع عليه المراقبون قول البعض إن هذه الإجراءات أنهت خطر الانقلابات العسكرية بشكل كامل، مستدلين على ذلك باستمرار حملات الاعتقال والتطهير ضد المتهمين بالانتماء إلى ما بات يطلق عليه «تنظيم جولن» والتي ما زالت تطال بشكل يومي شخصيات سياسية وعسكرية وموظفين في أماكن حساسة في الدولة.
قرارات لإحكام سيطرة المدنيين على الجيش

عملياً؛ وعقب محاولة الانقلاب التي اتهم فتح الله جولن؛ المقيم في الولايات المتحدة بالمسؤولية عن التخطيط لها وقيادتها، اتخذ أردوغان العديد من القرارات التي أحدثت تغييراً كبيراً في تركيبة وتبعية المؤسسات الأمنية في البلاد من خلال تعزيز سلطته على مجلس الشورى العسكري الأعلى الذي يمثل أعلى هيئة عسكرية في الدولة.
وضمن سلسلة قرارات هدفت لإحكام سيطرة المدنيين على الجيش، تم إلحاق قيادات القوات البرية والبحرية والجوية بوزارة الدفاع، وإلحاق القيادة العامة للدرك وقيادة خفر السواحل، بوزارة الداخلية بشكل كامل، بالإضافة إلى تخويل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إذا لزم الأمر، الحصول على معلومات تتعلق مباشرة بقادة القوات المسلحة، ومدى ولائهم، والتأكيد على صلاحية الرئيس ورئيس الوزراء في توجيه أوامر مباشرة لقادة القوات، وضرورة تنفيذ القادة الأوامر مباشرة دون الحصول على موافقة من أي سلطة أخرى» بالتزامن مع قرارات أخرى عززت سلطة الرئيس المباشرة على رئاسة الأركان والاستخبارات.
ومتسلحاً بالدعم الشعبي عقب محاولة الانقلاب، والامتيازات التي منحتها له حالة الطوارئ، أجرى أردوغان تحولات كبيرة في «مجلس الشورى العسكري الأعلى» ولأول مرة اكتسب نواب رئيس الوزراء، ووزراء العدل والخارجية والداخلية عضوية المجلس، بعد أن كان يخلو من أي شخصية قيادية مدنية عدا رئيس الوزراء الذي كان يترأس الاجتماع العسكري الأبرز الذي يعقد مرتين سنوياً.
وبعد عقود من انعقاد المجلس في الغرف السرية التابعة لرئاسة هيئة الأركان، انعقد عقب محاولة الانقلاب في مقر مجلس الوزراء بالعاصمة أنقرة، ومنذ محاولة الانقلاب تمكن أردوغان من عزل عشرات من كبار جنرالات الجيش الذين كانوا يشكلون حائط الصد المنيع أمام توسيع سلطته على الجيش، منهم ثلاثة من أعضاء مجلس الشورى.
هذه القرارات رأى مراقبون أنها التحول الأبرز منذ محاولة الانقلاب، كونها سوف تمكن الوزراء المدنيين والحكومة والرئاسة بشكل عام من الاطلاع الدائم والقريب على أنشطة كبار جنرالات الجيش وما يدور من خفايا ظلت لعقود بعيدة عن الحكومة، الأمر الذي سيؤدي إلى تصعيب مهمة أي جهة تسعى لتشكيل أقطاب داخل الجيش تمهيداً للقيام بانقلاب عسكري مستقبلي.
اجراءات تمنع تشكيل أقطاب داخل الجيش

ومن أجل تصعيب أي محاولة انقلاب جديدة، جرى طوال الأشهر الماضية نقل أبرز القواعد العسكرية التي تضم الدبابات والعربات العسكرية الثقيلة من قلب المدن لا سيما إسطنبول والعاصمة أنقرة إلى خارجها وعلى أطرافها البعيدة وهو ما يجعل من إمكانية إنزال الدبابات إلى وسط إسطنبول وأنقرة عملية شبه مستحيلة قبل انكشاف أمرها بحسب تقرير نشر في صحيفة “القدس العربي” .
يضاف إلى ذلك كله، حملة التطهير الواسعة التي قامت بها الحكومة داخل أروقة الجيش وما تخللها من اعتقال وفصل الآلاف من منتسبي دوائر الجيش المختلفة المتهمين بالانتماء لـ«الكيان الموازي» وأنصار جولن، فيما اتهم البعض الحكومة باستغلال محاولة الانقلاب لعزل جميع قادة الجيش والعناصر المعارضة والتي تعتقد الحكومة أنها يمكن أن تشكل خطراً عليها في المستقبل.
حملات التطهير الواسعة التي تقوم بها الحكومة منذ محاولة الانقلاب، لم تتوقف على الجيش، وشملت الوزارات المدنية ودوائر الدولة المختلفة، وهو ما ولد اتهامات للحكومة بالتعسف في قرارات الاعتقال والفصل لتطال المعارضين.
وبعد عام كامل يثير استمرار الاعتقالات مخاوف الكثيرين من مدى تمكن الحكومة من القضاء على أتباع «الكيان الموازي» وما إن كان جولن ما زال يتمتع بنفوذ يُمكنه من إحداث قلاقل مستقبلية قد تصل حد تكرار محاولة الانقلاب.
وقبل أقل من شهر، شهدت البلاد أضخم حملة اعتقالات منذ محاولة الانقلاب شملت اعتقال أكثر من 1000 شخص في عملية أمنية ضخمة ومتزامنة جرى تنفيذها في جميع المحافظات الـ81 وتركزت بين منتسبي الدوائر الأمنية الرسمية بتهم تتعلق بمحاولة تشكل تنظيم سري من قبل الأنصار المفترضين لفتح الله جولن، وقالت السلطات إن هذه العمليات تهدف إلى «نسف» تشكيل جديد يحاول أنصار جولن بناءه في تركيبة الأمن التركي.

وبينما اكتفت المصادر الرسمية والصحافة الحكومية بالحديث عن «عملية أمنية ضخمة» و «تفكيك تنظيم خطير داخل الدولة» تحدث بعض وسائل الإعلام ومغردون أتراك عن أن الأمر يعد بمثابة إفشال بدايات محاولة انقلاب جديدة ربما كان يخطط لها أنصار جولن من خلال إعادة ترتيب صفوفهم وبناء تشكيلاتهم المتبقية داخل أروقة الدولة.
كما جرى قبل أيام اعتقال بيرول أردم، كبير مستشاري رئيس الوزراء لاتهامه بالانتماء إلى جماعة جولن.

وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم قد أكد آنذاك أن حكومته ما زالت تحارب بقوة «تنظيم جولن» قائلاً: «كما قلنا من البداية الأمر معقد جداً ومحاربة التنظيم أمر ليس سهلاً؛ تفكيك الشبكات والعلاقات والارتباطات، ومن يوم لآخر نكتشف أشياء وشبكات جديدة، ويوجد ما لم نكتشفه بعد.

إحياء الذكرى السنوية الأولى

وفي كلمة بالمنسبة، قال الرئيس التركي إن بلاده قدمت في ليلة الانقلاب في العام الماضي250 شهيدا، لكنها كسبت مستقبل البلاد؛ متوعدًا باقتلاع رؤوس الخونة.

وأوضح  أن «الشعب التركي أظهر في 15 يوليو 2016 أنه شعب معطاء لا يتردد في بذل الروح دفاعا عن قيمه ومقدساته».

ووجه «أردوغان» الشكر لجميع أفراد الشعب الذين دافعوا عن حريتهم وعن أذانهم وعلمهم ووطنهم ودولتهم.

وشدد على أن النضال الذي يخوض الشعب التركي غماره «ليس نضال الجبناء، والهجمات وحركات الخيانة التي تتعرض لها تركيا تؤدي إلى توحيد البلاد وتعزيز قوة الشعب».

وكشف الرئيس التركي أن محاولة الانقلاب الفاشلة لم تكن الهجوم الأول من نوعه على تركيا «ولن تكون الأخيرة».

وتابع «قد لا تكون المنظمات التي نواجهها عبارة عن تلك الهياكل التنظيمية والكيانات التي نراها فقط، لكن عليهم أن يعرفوا في المقابل أن تركيا ليست كما تبدو لهم. وراءنا آلاف السنين من تقاليد الدولة».

وأشار إلى أن «كل نجمة موجودة على شعار رئاسة الجمهورية التركية ترمز إلى تلك التقاليد المتجذرة».

وحذر «أردوغان» الشعب التركي من الاستكانة قائلا: «إذا لم نعي جيدا الدروس التي أظهرتها (محاولة الانقلاب)، سيكون حتميا تعرضنا لمحاولات انقلابية شبيهة».

وشدد على أن «الشعب التركي تمكن من هزيمة جبروت أسلحة الانقلابيين الفتاكة بسلاح الإيمان الذي تذخر به قلوب أبناء الشعب التركي».

وثمن أردوغان «الشجاعة التي أظهرها أبناء الشعب التركي الأعزل، الذي واجه وابل الرصاص والقنابل من الأمام والخلف, اليمين واليسار، مندفعًا نحو الشهادة في سبيل عزّة الوطن».

ونوه إلى أهمية استخلاص الدروس والعبر بشكل صحيح من المحاولة الانقلابية الفاشلة، لكي لا تتعرض البلاد لاعتداء مماثل، سيما وأن العدو لا يزال يتربص بالبلاد.

وحيا أبناء الشعب التركي لا سيما أنصار حزب الشعب الجمهوري المعارض، لدفاعهم عن الدولة والنظام الديمقراطي وتصديهم للانقلابيين ببسالة, منتقدا تصريحات رئيس لحزب الشعب الجمهوري «كمال قليجدار أوجلو»، الذي زعم قيام حزب العدالة والتنمية الحاكم باستثمار المحاولة الانقلابية لصالحه.

المساجد تحتفل

وفي إطار الاحتفالات الشعبية، قام أكثر من 90 ألف مسجد في تركيا، برفع الأذان وتلاوة الأدعية والصلوات، كما فعلت قبل نحو عام؛ ما ساهم آنذاك في بث الحماسة والغيرة في نفوس المواطنين الذين هبوا إلى الشوارع وتصدوا للانقلابيين حتى تمكنوا من إفشال مخططهم.

وذكر بيان صادر عن رئاسة الشؤون الدينية أن أكثر من 90 ألف مسجد في عموم البلاد بدأوا برفع الأذان وتلاوة الأدعية والصلوات لتعزيز روح الوحدة والتضامن التي تشهدها البلاد ضد المحاولة الانقلابية الغادرة.

وأشار البيان أنه سوف يتم الليلة (الفائتة) إنارة جميع المآذن والمساجد في تركيا حتى صلاة الصبح، احتفاء بدورها ليلة 15يوليو من العام الماضي، برفعها الأذان وتلاوة الأدعية والصلوات، بعد أن أغلق الانقلابيون جسر شهداء 15 يوليو (البوسفور سابقًا) في مدينة إسطنبول، تعبيرًا عن رفضها للانقلاب العسكري.

وآنذاك، أدى ذلك إلى تعرض العديد من المساجد، وخصوصا في أنقرة وإسطنبول، لاعتداءات مختلفة من قبل الانقلابيين، بما في ذلك اعتداءات مسلحة استهدفت مآذن بعضها.

الناتو يؤكد تضامنه

من جهته جدد ينس ستولتنبرج؛ أمين عام حلف شمال الأطلسي «الناتو»، تضامنه مع تركيا ضد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي تعرضت لها في 15 يوليو 2016.

وقال في بيان أصدره بمناسبة الذكرى الأولى للمحاولة الفاشلة : «أود أن أشير بقوة إلى أنه لا يمكن القبول بأي محاولة لإلحاق ضرر بالديمقراطية في أية دولة عضو بالحلف».

وأضاف أنه أدان المحاولة الانقلابية عقب حدوثها مباشرة، وأعرب حينها عن تضامنه مع تركيا «الحليف المهم» في الناتو.

وأعرب عن تقديره للشعب التركي «الذي وقف صامدا ضد المحاولة الخائنة التي استهدفت الحكومة المنتخبة ومؤسساتها الديمقراطية».

ولفت إلى زيارته التي أجراها إلى أنقرة عقب المحاولة الانقلابية، مشيرا إلى أن «الدهشة التي أصيب بها حين رأى الأضرار التي ألحقها الانقلابيون بمبنى البرلمان التركي لا تزال في ذاكرته حتى اليوم».

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

السعودية تتوسع في توظيف المرأة .. دون الرجوع لولي أمرها

  أعلنت شركة «باب رزق جميل» للتوظيف في السعودية، عن المساعدة في توفير أكثر من …