حماس بين الميثاق والوثيقة .. قراءة في الثابت والمتغير (2) – علامات أونلاين
الرئيسية / تقارير ومتابعات / حماس بين الميثاق والوثيقة .. قراءة في الثابت والمتغير (2)

حماس بين الميثاق والوثيقة .. قراءة في الثابت والمتغير (2)

علامات أونلاين - وائل عبد الحميد المبحوح :


منذ الإعلان عن نشأتها في 14/12/1987 انطلق جدلٌ طويلٌ وأسئلةٌ ذاتُ مغازٍ متعددة حول ماهية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وأفكارها ودورها، وهو ما حاول ميثاق الحركة الذي أصدرته في أغسطس 1988 الإجابة عليها في حينه. لكن مع تطور أداء الحركة وخصوصاً في المجالين السياسي والعسكري، وتحولها من حركة جماهيرية تتخذ من مقاومة الاحتلال سبيلاً لتحرير فلسطين، إلى حركة سياسية تمارس العمل السياسي في كافة جوانبه، إضافة إلى المقاومة، بل إنها منذ سنة 2006، وبعد الانتخابات التشريعية الثانية التي فازت بها الحركة، دخلت النظام السياسي الفلسطيني من أوسع أبوابه وشكّلت الحكومة العاشرة منفردة. مع هذا التطور، أصبح هناك من يرى أن ثمّةَ فجوة كبيرة بين بنود ميثاق الحركة وبين سلوكها الميداني في جوانبه المتعددة، فكان لا بدّ من إعادة النظر في العديد من بنود الميثاق حتى لا يصبح مجرد تاريخ، أو يظل جامداً لا يواكب التطورات الحادثة على سلوك حماس السياسي والفكري وحتى التنظيمي.

نحن هنا بصدد الإجابة على السؤال الرئيسي التالي:

هل تلغي وثيقة المبادئ والسياسات العامة (وثيقة حماس 2017) ميثاق الحركة 1988؟

وينبثق عنه السؤالان التاليان:

  1. ما دوافع حماس لإعلان وثيقة سياسية جديدة؟
  2. ما الثابت وما المتغير في الفكر السياسي للحركة في الوثيقة الجديدة؟

 

 

الميثاق 1988

يمكن القول إن (حماس) انطلقت سنة 1987، في بيئة سياسية ووطنية وعربية ودولية قلقة، إضافة إلى أن الأوساط الداخلية لحركة حماس – حديثة العهد – كانت تشهد حالة من النقاش والتفاعل الداخلي المستمرين، ويُجمل نهاد الشيخ خليل البيئة الداخلية والخارجية التي انطلقت في سياقها حماس بالنقاط التالية:

  1. 1. حدثت مجموعة من التراجعات في مواقف منظمة التحرير الفلسطينية، خصوصاً إعلانات نبذ العنف (والمقصود بذلك المقاومة)، والإشارات المتزايدة من قيادات المنظمة بالاستعداد للتوصل إلى حلّ سياسي سلمي مع الاحتلال.
  2. 2. أظهر النظام العربي إدارة ظهر شبه كاملة للقضية الفلسطينية، وتخلياً واضحاً عن تقديم الدعم السياسي للفلسطينيين، حتى أن اجتماع القمة العربية الذي سبق اندلاع الانتفاضة الفلسطينية 1987، تجاهل القضية الفلسطينية، وينطبق الأمر نفسه على المجتمع الدولي الذي أظهر انحيازاً كبيراً – خصوصاً القوى المهيمنة على العالم- لصالح دولة الاحتلال.
  3. 3. امتد النقاش في أوساط كوادر جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينيين منذ منتصف السبعينيات حول تبني جماعتهم للمقاومة ضدّ الاحتلال، وفي منتصف الثمانينيات نضج خيار تبني الكفاح المسلّح قولاً وفعلاً.

استناداً إلى ذلك فإنه من الممكن تحديد دوافع (حماس) آنذاك في إصدار ميثاقها، وبالتالي الحكم عليه من خلال تلك الظروف السياسية المحلية والإقليمية والدولية التي حكمت الميثاق من حيث التوجهات العامة والصياغة وطبيعة الخطاب. ولعل أهم تلك الدوافع ما يلي:

  1. جاء إصدار الميثاق بعد تسعة أشهر تقريباً من الإعلان عن إنشاء (حماس)، وبالضرورة فقد جاء الميثاق ليجيب على تساؤلات الشارع الفلسطيني والإقليم عمن هي حماس؟ ما توجهاتها الفكرية؟ ماذا تريد؟ وما علاقتها بالتيار العلماني بوصفها تمثل اتجاهاً أو تياراً إسلامياً، خصوصاً في ظلّ قوة التيار العلماني في الأداء السياسي والميداني الفلسطيني طوال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
  2. توجيه البوصلة السياسية الفلسطينية من جديد نحو التمسك بكامل التراب الوطني الفلسطيني واعتباره وقفاً إسلامياً لا يجوز لكائن ما؛ فرداً أو جماعةً التنازل عن شبر واحد منه، وذلك مقابل توجه منظمة التحرير نحو تقديم مزيد من التنازلات بفعل الضغوطات الدولية والعربية، وتوجهها نحو توقيع اتفاقيات سلام مع المحتل.
  3. إيجاد مرجعيات أدبية تحتكم إليها في خلافاتها مع أيّ جهة فلسطينية أو عربية أو دولية على قاعدة أن الميثاق هو المرجع الأساسي للفكر السياسي للحركة.

 

الوثيقة 2017

مع حالة التطور في الفكر والأداء السياسي لحركة حماس على مدار نحو ثلاثين عاماً، وفي ظلّ المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية التي كانت حماس جزءاً لا يتجزأ منها، يبدو أن القيادة السياسية للحركة رأت أن أحد أهم نقاط الضعف، والثغرات التي يستخدمها خصوم الحركة على المستويات الداخلية، وأعداؤها في الخارج تتمثل في الميثاق، الذي ترجمته “إسرائيل” إلى قرابة عشرين لغة، إضافة إلى أن حماس وجدت مع الخبرة والتجربة أن إهمال الاعتبارات القانونية والسياسية، من شأنه أن يُعرِّض جهاد الحركة ومقاومتها، وكذلك حقوق الشعب الفلسطيني، للضياع، ويُفقده الكثير من التأثير، خصوصاً بعد أن تمّ إدراج حماس على قوائم الإرهاب في أمريكا وأوروبا، الأمر الذي وضع الكثير من القيود على تحركات قيادات وكوادر وأموال الحركة.

ويشير مدير مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات محسن صالح، إلى أبرز معالم ومزايا الوثيقة بما يلي[1]:

  1. اللغة السياسية والقانونية المحترفة والمعاصرة، التي تخاطب الأنظمة والمجتمعات العربية والدولية باللغة التي يفهمونها.
  2. الصلابة والوضوح فيما يتعلق بالثوابت، وتأكيدها عليها في مواضع عديدة بشكل لا يحتمل اللبس.
  3. اللغة السياسية المرنة المنفتحة على الواقع، والتي تؤكد على المشترك مع الآخرين دونما إخلال بالثوابت.
  4. الروح الإسلامية الوسطية المتسامحة المعتدلة، البعيدة عن الغلو والتطرف والتعصب؛ والتي تؤكد على القيم الإنسانية المشتركة في الحرية والعدالة ورفض الظلم والعدوان.

 

ويسجل نهاد الشيخ خليل أنه ورغم أن (حماس) لم تقم بتعديل الميثاق، إلا أنها ومنذ فترة مبكرة سجلت تجاوزاً عملياً للكثير من البنود العاطفية التي وردت فيه، فيما بقيت بعض التصريحات لجزء من قيادات الحركة تعكس حالة من التردد بين المواقف الجديدة، وتلك المواقف القديمة، ويبدو أن الحركة أرادت أن تحسم النقاشات الممتدة في أوساطها، ومع أصدقائها، وتحدد تعريفاً واضحاً للحركة، وتبين المبادئ الفكرية والسياسية التي تؤمن بها وتتبناها، لكي تكون ملزمة لأبنائها وقياداتها، إضافة إلى رغبتها في أن يساعد هذا على توضيح حقيقتها أمام العالم، ويُبعد عنها شُبهة الإرهاب، ويفتح أمامها ما انغلق من الأبواب.

ويرى د. محسن صالح أن ثمة ثلاثة أسباب تدفع باتجاه إعداد الوثيقة ونشرها:

  • أن العديد من الأطر القيادية لحماس كانت لديها ملاحظات قديمة على الميثاق، وكانت تريد إدخال تعديلات عليه.
  • أن حماس واجهت عشرات القضايا والمستجدات طوال السنوات الثلاثين الماضية كانت مثار نقاش في أطرها، وقدمت عليها إجابات سياسية من قياداتها في بيئات وظروف مختلفة، فأصبحت ثمة ضرورة للملمة الصورة، وتوحيد الرؤية، وضبط اللغة السياسية، وتحديد المعايير والأولويات خصوصاً لدى كوادرها ومؤيديها، وبالتالي فقد كانت البنية الداخلية والداعمة سبباً أساسياً لصدور الوثيقة.
  • الحاجة إلى وضع النقاط على الحروف، ومواجهة آلات الدعاية والإعلام، والتعامل مع الفيض الهائل من الكتابات والتصريحات والدراسات التي أخذت “تُنظِّر” بالنيابة عن حماس فيما يتعلق بتطور فكرها السياسي ومواقفها، مستغلة حالة شبه الفراغ عن عدم صدور أدبيات رسمية معتمدة عن الحركة منذ صدور ميثاقها سنة 1988؛ فكان لا بدّ من وثيقة تتحدث فيها حماس عن نفسها بنفسها.

ونوّه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في أثناء إعلانه عن الوثيقة السياسية 2017 إلى أنها تقدم فكرتين مفتاحيتين؛ أولاهما: “أن (حماس) حركة حيوية متجددة، تتطور في وعيها وفكرها وأدائها السياسي، كما تتطور في أدائها المقاوم والنضالي ومسارات عملها”. وثانيهما: تشير إلى “أن (حماس) تقدم الوثيقة نموذجاً في التطوير والانفتاح والتعامل الواعي مع الواقع دون إخلالٍ بأصل المشروع الوطني واستراتيجياته، ولا مسٍ بالثوابت والحقوق الوطنية لشعبنا”، مشدداً على أن حماس تؤمن “أن التطور والتجديد ضرورة، وأن الحركات كما الكائن الحي لا بدّ له من التطور وإلا فهو الموت والاندثار”، مشيراً إلى أن الوثيقة جزء من أدبيات الحركة السياسية والأدبية، وأن مستقبل الأيام ربما يكون فيه أدبيات أخرى ستعكس التطور الطبيعي والتجدد الحيوي لحماس”[2].

في المقابل فإن بكر أبو بكر[3] يرى أنه من الممكن أن نرجع أسباب تدشين إعلان الانعطافة الفكرية لحماس أو التجدد النسبي إلى الأمور التالية[4]:

  1. تأثيرات داخلية وإقليمية وعالمية: مثل انقسام العالم العربي لمعسكرات فئوية، واشتعال فكرة الطائفية والقبلية فيها، والصراع العربي الفارسي على النفوذ والمصالح.
  2. ظهور “الإسلامويين” المتطرفين كرقم صعب بالمنطقة والعالم، عدا عن اعتبار حماس منظمة إرهابية، وسقوط دولة “الاخوان المسلمين” في مصر.
  3. تطور فكر الغنوشي في تونس، والمطامع التركية والإيرانية بالمنطقة العربية.
  4. انهيار جدار الأمة الصلب من حول القضية الفلسطينية انشغالاً بقضاياها الداخلية.

ويؤكد القيادي في الحركة حسام بدران أن الوثيقة السياسية “لم تصدر بناءً على ضغوط الواقع، ولا التغيرات الإقليمية المختلفة، بل هي تطور طبيعي في فكر حماس السياسي، وخطابها، ومفرداتها، يراد منها تبني رؤية واضحة تصلح للكل الفلسطيني”. وهي موجهة للشعب الفلسطيني ثم للعالم كله “كي يسمع منا مباشرة”، مؤكداً أن الوثيقة تعبير عن ثوابت الشعب الفلسطيني وأن حماس لا تبحث من خلالها عن إرضاء أي طرف[5].

ويرى د. سيف الدين عبد الفتاح أنه يجب ألا تفهم تلك الوثائق التي تخرج عن حركة المقاومة لمحتل غاصب إلا في ظلّ سياقات تحاول أن تحاصر هذه الحركة والجغرافيا التي تعيش فيها، ليس فقط حصاراً مادياً ولكنها كذلك تقوم بحصار معنوي، يقوم من خلاله الخصوم بزراعة الفرقة بين أصحاب المشروع الواحد وتأجيج الخلاف بين قوى وأطراف في وطن واحد، ومن ثَمّ فإن استيعاب الاستراتيجية والمقاومة على بصيرة تحتاج إلى فنٍ يفوت الفرصة على العدو وعلى داعميه من أن ينجحوا في معركة حصار الإرادة، وتمرير هذا الالتفاف المعنوي الذي يشكل في حقيقة الأمر أكبر خطر على حركة تحمل رسائل تتعلق بالتحرير وتطلب في مسالك مقاومتها الفاعلية والتأثير[6].

استناداً إلى ما سبق، يمكن الإشارة هنا إلى دوافع حماس لإصدار الوثيقة السياسية على النحو التالي:

  1. إعادة توصيف الحركة بما يضمن سدّ الذرائع عن اتهامها بالإرهاب، وتسهيل عملية تبني القضية الفلسطينية من قبل الأطراف الصديقة أو الداعمة لحماس.
  2. 2. تثبيت مواقفها السياسية وآرائها حول العديد من القضايا التي حدثت بعد إصدار ميثاقها في أغسطس 1988 مثل اتفاقية أوسلو 1993 وما تبعها من اتفاقيات، وما نتج عنها مثل إنشاء السلطة الفلسطينية 1994، وغيرها.
  3. 3. إعادة صياغة مواقفها بقالب مختلف، وتخلصها من بعض الأخطاء في المعلومات وفي الخطاب، وتضمين مواقفها جوهراً وطنياً وسياسياً وقانونياً وأخلاقياً، وبثّ روح القيم الإسلامية التي تؤمن بالعدالة والمساواة والتصالحية، والكفاح من أجل استرداد الحقوق.
  4. 4. محاولة تغيير الصورة النمطية عن الحركة في الإقليم ولدى المجتمع الدولي خصوصاً بعد فوزها في الانتخابات التشريعية 2006، وفرض الحصار عليها، في محاولة منها للخروج من العزلة الدولية والإقليمية وتحديداً بعد سقوط حكم الإخوان في مصر.
  5. 5. أن تكون الوثيقة السياسية الجديدة مرجعاً مهماً أيضاً من المراجع الأدبية للحركة، يُحتكم إليه في بيان وتفسير مواقف حماس السياسية.

والخلاصة هنا أن دوافع إصدار الميثاق 1988، والوثيقة السياسية 2017 حكمها عنصرا الزمان والمكان بشكل لافت، وأن هناك العديد من المتغيرات السياسية الداخلية والخارجية التي صاغت من جديد رؤية حماس تجاه العديد من القضايا السياسية، وعلى رأسها اتفاقية أوسلو 1993، وإنشاء السلطة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، ومشاركة الحركة في العملية السياسية ودخول الانتخابات المحلية 2004/2005، والتشريعية 2006، والانقسام السياسي 2007، والموقف من فكرة حلّ الدولتين. إضافة إلى المتغيرات الدولية الحادثة في العالم بوجه عام وفي المنطقة العربية على وجه التخصيص، وثورات الربيع العربي، وما تلاها من إعادة ترتيب العلاقة الحمساوية العربية في كثير من البلدان، وعلى رأسها مصر وسورية، كذلك لا يمكن إغفال دور الممارسة السياسية وتطور السلوك السياسي للحركة خصوصاً في الأعوام العشرة الأخيرة التي تلت فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية 2006، الأمر الذي أوجب إصدار وثيقة جديدة تبين الموقف من الكثير من الحادثات التي لم تكن وقعت إبان إصدار ميثاقها الأول.

 

[1] محسن محمد صالح، عن الجدل حول وثيقة حماس السياسية، الجزيرة.نت، 30/5/2017، انظر:

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2017/5/30

[2] صحيفة فلسطين، غزة، 2/5/2017، ص 2.

[3] بكر أبو بكر: كاتب ومفكر عربي من القدس.

[4] بكر أبو بكر، وثيقة “حماس” في الميزان، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 5/5/2017، انظر:

http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=DDMcVJa775998484008aDDMcVJ

[5] صحيفة فلسطين، غزة، 2/5/2017، ص 3.

[6] حماس في عالم متغير، صحيفة فلسطين، غزة، 5/5/2017، ص 15.


Comments

comments

شاهد أيضاً

فتح وحماس تتفقان على عمل الحكومة بغزة .. وتبقى قضية “السلاح”

اتفقت حركتا «فتح» و«حماس»، خلال جولة الحوار التي عقدت في العاصمة المصرية القاهرة، على تمكين …