الرئيسية / تقارير ومتابعات / “القارة العجوز” تسرق أحلام التونسيين بحفنة من اليوروات

“القارة العجوز” تسرق أحلام التونسيين بحفنة من اليوروات

علامات أونلاين - أيمن الحياري :


من بين السرقات التي لايمكن للدول تعويضها أو استعادتها بسهولة سرقة عقول البشر، فشراء العقول يعني بيع الأوطان بثمن بخس في سوق النخاسة الغربية، لتظل الدول الغربية؛ في مصاف الدول في المتقدمة, وترزح دولنا في القيعان بعدما تلذذت بوسم الغرب لها بدول العالم الثالث أو النامي؛ وهو المتخلف حقيقةً.

تونس باعتبارها أيقونة “الربيع العربي” المتعثر تتعرض لأكبر حملة لسرقة حلمها، فالأوربيون عقدوا صفقة مع نظام باجي قايد السبسي الحاكم لإغراق البلاد بالمنح بعضوية أبنائها في برنامج ثقافي أوروبي، تصل رسوم الاشتراك فيه في العادة إلى ما يقرب من مئتين وخمسين ألف يورو.
بتلك المنح ستكون تونس في غضون أيام قليلة, إن صادق برلمانها, أول بلد مغاربي وإفريقي وعربي ينضم إلى برنامج «أوروبا المبدعة» الذي سيتمكن من تحقيق عدة أهداف ذات أولوية في القطاع الثقافي، وفي العلاقات الخارجية مع الاتحاد الاوروبي، مثلما أعلن وزير ثقافتها مؤخرا بكثير من الزهو، وهو يقدم ما صوره إنجازا رائدا غير مسبوق.
لقد اختارت أوروبا تونس دون سواها من بلدان الضفة الاخرى، إكراما لعيون الديمقراطية، مثلما لمح لذلك الوزير ولما «أقدمت عليه من اصلاحات شملت المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، وجعلت منها تجربة فريدة لفتت اليها انظار العالم» حسبما قال.

ملخص المشروع أو البرنامج السارق للأحلام، يتمثل في حصول «الفاعلين الثقافيين» وهم في الغالب أشخاص معلومون ومحددون غالبا منذ قيام الجمهورية بالصفة والفئة، وحتى بالعائلة والاسم، على منح ومكافآت سخية من الاتحاد الاوروبي، نظير عبقريتهم وإبداعهم في شتى الفنون.

ووفقا لما شرحه مسؤول حكومي لوكالة الانباء الرسمية فإنه «سيتم إحداث مكتب تونس لأوروبا المبدعة، ليتولى مهمة الترويج والإحاطة بمشاركة الفاعلين الثقافيين في الخارج، فضلا عن تنظيم دورات تكوينية لفائدة الجمعيات الثقافية التونسية، وتعزيز ربطها مع الجمعيات الاوروبية»، ولن يكون هناك أي تدخل مباشر للدولة في المشروع، وسيقتصر دورها فقط على «الإحاطة والمتابعة وربط الصلة ودعم الجمعيات الثقافية للنفاذ الى المشاريع الدولية وإلى السوق الثقافية الاوروبية».
إذن هل يعني ذلك أن السبات الطويل والعميق لمجمع المثقفين والمفكرين التونسيين، الذي ظل يشتكي باستمرار فقره وعوزه وضيق ذات يده، قد أوشك على الانتهاء، وأن الأبواب قد فتحت بالفعل أمام هؤلاء، بعثورهم على جهة تقدر الفن والإبداع حق قدره ولا تغمط أهله أي حق من حقوقهم المادية والمعنوية؟

هل هناك من يعتقد حقا أن الاوروبيين على درجة من البلاهة والسذاجة والعمى الاستراتيجي والحضاري، التي تجعلهم يمطرون تونس بمئات الآلاف من اليوروات فقط لأنهم يناصرون الفن والديمقراطية والحرية فيها، ويريدونها أن تكبر وتصير صلبة وقوية العود؟

أليس كل ذلك السخاء والكرم المبالغ غطاءً ناعما لسرقات كبرى وعمليات نهب فظيعة باشرتها اوروبا منذ قرون وتستمر الى الآن في القيام بها بصفاقة ودم بارد؟

قصة استعمارية جديدة

قد تكون قصة اليورو في الظاهر نوعا من الثأر والانتقام الرمزي من قصص استعمارية معروفة بحسب ما كتبه نزار بولحية الكاتب والصحفي التونسي، ولعل اشهرها قصة الملاحات التونسية التي ظل الفرنسيون يستغلونها لاكثر من ستين عاما، وفقا لعقد وقعته السلطات الاستعمارية في أواخر الاربعينيات مع بايات تونس، ويقضي بأن تدفع فرنسا فرنكا واحدا عن كل فدان تستغله، ولكن هل المقارنة بين القصتين ممكنة بالفعل؟ وهل أن حجم الاموال التي سيدفعها الاوروبيون ومن وراءهم فرنسا بالطبع للفنانين والمثقفين التونسيين في البرنامج الذي سيكلف تونس يورو واحدا لاغير سيعادل حجم الاموال التي نهبتها فرنسا من وراء تلك الاتفاقية الظالمة التي مكنتها من الاستيلاء على الملح التونسي بفرنك واحد؟
سوف يغرق الكثيرون في حساب الربح والخسارة، ولكن عقدة الحل والربط هنا هي أن علاقة أوروبا بتونس لم تكن على مر السنوات، علاقات تكافؤ أو توازن أو ندية بالمرة، بل فقط وباستمرار علاقات ناهب بمنهوب.

ويقول نزار بولحية: لن نتحدث هنا بلغة الارقام، لأن معظمها مزور أو موجه, أو في افضل الحالات مجتزأ ومنقوص، ولكننا سنتكلم على الأقل بمنطق الواقع المرئي والمشاهد، فكل ما رسخ في أذهان التونسيين بعد أكثر من ستين عاما من الاستقلال أنهم ورثوا بلدا صغيرا مسالما، لا يملك قوة ردع ذاتية ضخمة، تستطيع الوقوف بوجه الأطماع الخارجية وأنه, وهذا الأهم, محدود الثروات والموارد لا يملك شيئا آخر ذا قيمة غير سواعد ابنائه وعقولهم.

وكل ما ثبت لديهم بالمقابل هو أن سكان الضفة المقابلة هم شعوب تفوقهم علما, ورقيًا, وحضارة، وأنهم يملكون ثروات وطاقات خيالية تكاد تكون أزلية وغير محدودة.

كانت تلك المعادلة جزءا راسخا في سياسة الرئيس بورقيبة، التي أنبنت على فكرة ان هناك تحديا كثيرا ما ردد أنه نجح فيه، وهو الارتقاء بشعب جاهل وبائس وفقير الى مرتبة الشعب المتعلم والمتحضر والشبيه إلى حد كبير بباقي الشعوب الاوروبية.

ولئن ظل الجدل مستمرا حول ما اذا كان بورقيبة نجح بالفعل أم اخفق في تلك السياسة، فإن نوعا من الغموض ما يزال يلف مسألة أخرى وهي السرقات الأوروبية في تونس.

ويلفت نزار النظر إلى أن القضية لا تتعلق فقط بالأراضي والجزر التي استحوذ عليها الطليان، في غفلة من الزمن وضموها الى دولتهم، ولا الثروات السمكية وخيرات البحر التي نهبوها ويستمرون في نهبها من سواحل تونس، ولا في حقول النفط والغاز وحتى باقي الثروات المجهولة التي تزخر بها صحراؤهم ويستغلها الفرنسيون والانجليز والطليان، وفقا لعقود واتفاقيات لا يعلمها إلا الله, ثم الراسخون في أجهزة الدولة، بل في سرقة أخرى لا يتحدث عنها الكثيرون وهي سرقة العقول التونسية.

إن تلك العقول التي ظلت كل الحكومات تزعم أنها هي رأسمال البلد وثروته الحقيقية، لم تعد تشعر للأسف الشديد بانتمائها لتونس بقدر ما صار إحساسها الفعلي بقربها الروحي والثقافي وحتى النفسي والأسري بأوروبا في ازدياد ملحوظ. لقد سقطت فريسة سهلة لسحر وإغراء القارة العجوز. ربما جذبتها حرياتها وربما أسرتها هباتها وأموالها وحياتها السهلة فلم يعد باستطاعتها الصمود والصبر على المصاعب في بلدها.

ولا يعتبر نزار أن المنح الأوروبية ثروة لتونس، وقد يكون من المهم ان نعرف كم دفع الاوروبيون لكسب تلك العقول، ولكن الأهم أن نعرف يوما كم خسرت تونس وكم جنت أوروبا مقابل كل يورو دفعته أو تستعد لدفعه.


Comments

comments

شاهد أيضاً

حماس بين الميثاق والوثيقة .. قراءة في الثابت والمتغير (الأخيرة)

من ناحية المضمون (5)   8- المقاومة والتحرير: أفرد ميثاق 1988 المادة 15 للحديث عن …