الرئيسية / تقارير ومتابعات / حماس بين الميثاق والوثيقة .. قراءة في الثابت والمتغير (3)

حماس بين الميثاق والوثيقة .. قراءة في الثابت والمتغير (3)

علامات أونلاين - وائل عبد الحميد المبحوح :


الأفكار والتوجهات والشكل

بما أن الجدل بدأ حول العلاقة بين الميثاق القديم لحركة حماس والوثيقة الجديدة، بمجرد أن أعلنت الحركة نيتها إصدار وثيقة سياسية جديدة، ولم ينته بإعلان الوثيقة رسمياً في 1/5/2017، فإنه من الضرورة بمكان أن نحاول بيان أوجه الاختلاف من جهة، والتشابه من جهة أخرى، بين كلا المرجعين؛ الميثاق والوثيقة، في مجموعة من التقسيمات على النحو التالي:

الاسم:

1-الميثاق: جاء في لسان العرب: “الميثاق هو العهد من المواثقة والمعاهدة والجمع المواثيق أو مواثق، والوثيقة الإحكام في الأمر والجمع الوثائق[1]. وجاء في معجم المعاني[2]: المِيثَاقُ: (القانون)، ما يتعاهد أو يتحالف عليه رسميّاً شخصان أو أكثر، رابطة تتألّف من أجل عمل مشترك. وجاء معنى مِيثَاقٌ في معجم الغني[3]: مِيثَاقٌ وجمعها مَوَاثِيقُ، “مِيثَاقُ الشَّرَفِ”: العَهْدُ، و”مِيثَاقُ الأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ”: وَثِيقَةٌ سِيَاسِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ مَبَادِئَ الأُمَمِ وَالقَوَاعِدِ الأَسَاسِيَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ احْتِرَامِهَا فِي الْمُمَارَسَةِ. “صادَقَتِ الأُمَمُ الْمُتَّحِدَةُ عَلَى مِيثَاقِ حُقُوقِ الإِنْسَانِ سنة 1949م”.

2-الوثيقة: ذكر معجم الغني[4] أن معنى وثيقة: كلُّ ما كُتب فاتُّخذ حجة أو شاهداً، مثل وثيقة زواج، وثيقة سياسية، وثيقة تاريخية.

واضح هنا من معاني ودلالات المفهومين أن ثمّةَ فارقاً مهماً بين المفهومين، ذلك أن مفهوم الميثاق يتضمن مفهوم المعاهدة مع الآخرين فيما لا يُفهم من معنى الوثيقة ذلك الالتزام وهذا ما يؤكده أسامة الأشقر بقوله: ” وقد اختارت (حماس) مصطلح الوثيقة لا الميثاق لكون مفهوم الميثاق يتضمن مفهوم المعاهدة مع الآخرين ويترتب عليه التزامات تجاههم، أما الوثيقة فإنها معنية فقط بتبيين هوية الجهة التي أصدرتها ونظرتها إلى القضايا التي تليها وبما تلزم به نفسها بغض النظر عن وجود الآخر أو عدمه”[5]. وعليه فإن وثيقة حماس السياسية الجديدة إنما وضعت لإعادة تعريف الحركة من جديد بما يتوافق مع التطورات الميدانية الحادثة، ومع السلوك السياسي للحركة على مدار ثلاثين عاماً، كما تضع فيها الحركة رؤيتها تجاه القضايا الفلسطينية التي طرأت بعد إصدار الميثاق. ويرى الباحث هنا أن حماس كانت موفقةً باستخدام مصطلح الوثيقة السياسية، لأنها بإعادة استخدام مصطلح الميثاق فكأنها تشير إلى استبدال الوثيقة بالميثاق وهو أمر لم تُرده الحركة.

 

من ناحية الشكل

احتوى كلٌّ من الميثاق والوثيقة على ديباجة تقديمية تتحدث كلُّ واحدةٍ منها عن طبيعة المرحلة التي صدرت فيها، ففي حين كانت مقدمة الميثاق 1988 أشبهَ ما تكون بمقدمة خطبة دعوية، بينت حراك ما قبل الإعلان عن إنشاء الحركة مثل: من وسط الخطوب، وفي خضم المعاناة، ومن نبضات القلوب المؤمنة، والسواعد المتوضئة وإدراكاً للواجب، واستجابة لأمر الله، كانت الدعوة وكان التلاقي، والتجمع، وكانت التربية على منهج الله، وكانت الإرادة المصممة على تأدية دورها في الحياة، متخطية كل العقبات، متجاوزة مصاعب الطريق، وكان الإعداد المتواصل، والاستعداد لبذل النفس والنفيس في سبيل الله.

وكان أن تشكلت النواة، وأخذت تشق طريقها في هذا البحر المتلاطم من الأماني والآمال، ومن الأشواق والتمنيات والمخاطر والعقبات، والآلام والتحديات في الداخل والخارج.

ولما نضجت الفكرة، ونمت البذرة، وضربت النبتة بجذورها في أرض الواقع، بعيداً عن العاطفة المؤقتة، والتسرع المذموم، انطلقت حركة المقاومة الإسلامية لتؤدي دورها مجاهدة في سبيل ربها.

وهذا ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، يجلي صورتها ويكشف عن هويتها، ويبين موقفها، ويوضح تطلعها، ويتحدث عن آمالها، ويدعو إلى مناصرتها ودعمها، والالتحاق بصفوفها، فمعركتنا مع يهود جد كبيرة وخطيرة، وتحتاج إلى جميع الجهود المخلصة، وهي خطوة لابد من أن تتبعها خطوات، وكتيبة لابد من أن تدعمها الكتائب تلو الكتائب من هذا العالم العربي والإسلامي المترامي الأطراف حتى يندحر الأعداء ويتنزل نصر الله.

جدير بالإشارة هنا أن هذا الأسلوب كان الطريقة المثلى لمخاطبة القواعد والأفراد من جهة، ومخاطبة الجماهير من جهة أخرى، لأنها كانت في خضم انتفاضة شعبية عارمة، وأحداث مواجهات يومية، وشهداء وجرحى وأسرى، وبالتالي فإن هذا الخطاب يروق للكثير من الناس، وهو الخطاب العاطفي الذي يحاول استمالة الجماهير إلى فكرةٍ ما, والالتصاق بها، وربما يمكن القول هنا إن حماس نجحت في ذلك بدرجة كبيرة، حيث تمكنت خلال فترة قصيرة من الزمان من حيازة تعاطف جماهيري كبير جعل من وصفها حركة جماهيرية أمراً لا بدّ منه.

أما فيما يتعلق بالوثيقة، فقد جاءت مقدمتها لتؤكد على ماهية فلسطين بالنسبة لحماس، وهو أمرٌ ربما أرادت به الحركة الإشارة إلى فلسطينيتها، وانتمائها لقضيتها المركزية، وربما أكدت بعض مواد الوثيقة ذلك عند الإشارة إلى مركزية القضية الفلسطينية وسياسة عدم تدخل حماس في الشؤون الداخلية لأي طرف كان. وقد جاءت المقدمة على النحو التالي:

“فلسطين؛ أرض الشعب الفلسطيني العربي، منها نبت، وعليها ثبت، ولها انتمى، وبها امتدّ واتّصل.

فلسطين؛ أرضٌ أعلى الإسلام مكانتها، ورفع لها مقامَها، وبسط فيها روحَه وقيمه العادلة، وأسّس لعقيدة الدفاع عنها وتحصينها.

فلسطين قضية شعب عجز العالم عن ضمان حقوقه واسترداد ما اغتُصِب منه، وبقيت أرضه تعاني من واحد من أسوأ أشكال الاحتلال في هذا العالم.

فلسطين؛ التي استولى عليها مشروع صهيونيّ إحلاليّ عنصري معادٍ للإنسانية، تأسس على تصريح باطل (وعد بلفور)، واعترافٍ بكيان غاصب، وفرضِ أمرٍ واقعٍ بقوة النار.

فلسطين المقاومة التي ستظل متواصلة حتى إنجاز التحرير، وتحقيق العودة، وبناء الدولة ذات السيادة الكاملة، وعاصمتها القدس.

فلسطين؛ الشراكة الحقيقية بين الفلسطينيين بكل انتماءاتهم، من أجل بلوغ هدف التحرير السامي.

فلسطين؛ روح الأمة، وقضيتها المركزية، وروح الإنسانية، وضميرها الحي”. 

وواضح هنا أن الحركة في هذه المقدمة ركزت على فلسطين وحدها، وكأنها تشير إلى فلسطينية الحركة منشأً, وتوجهاً, وهدفاً، وأنها تلعب دورها الوطني والسياسي في محيط فلسطين الجغرافي بما يحمله ذلك من دلالات تتعلق بقدسية المكان بعيداً عن وقفية فلسطين التاريخية. تبقى الإشارة هنا إلى أن مقدمة الميثاق في صفحته الأولى تضمنت العديد من الآيات القرآنية، وأقوال علماء ودعاة مثل حسن البنا: “ستقوم إسرائيل، وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام كما أبطل ما قبلها”. والشيخ أمجد الزهاوي: “إن العالم الإسلامي يحترق، وعلى كل منا أن يصب ولو قليلاً من الماء ليطفئ ما يستطيع أن يطفئه دون أن ينتظر غيره”. واستمر هذا الاستدعاء للآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما دعت إليه الحاجة في كافة أبواب ومواد الميثاق، فيما خلت الوثيقة من تلك الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية والأقوال، مكتفية بالإشارة إلى المرجعية الإسلامية لها في المنطلقات والأهداف والوسائل. واختتمت الوثيقة مقدمتها بالتأكيد على أنها: “بهذه الوثيقة تتعمق تجربتُنا، وتشترك أفهامُنا، وتتأسّس نظرتُنا، وتتحرك مسيرتنا على أرضيات ومنطلقات وأعمدة متينة وثوابت راسخة، تحفظ الصورة العامة، وتُبرز معالمَ الطريق، وتعزِّز أصولَ الوحدة الوطنية، والفهمَ المشترك للقضية، وترسم مبادئ العمل وحدود المرونة”.

جاء الميثاق في 39 صفحة من القطع المتوسط، وقُسِّم إلى خمسة أبواب، وتحت كل باب بضع مواد فيما مجموعه 36 مادة، وجاءت الأبواب على النحو التالي:

الباب الأول: التعريف بالحركة، وفيه المنطلقات الفكرية وصلة الحركة بجماعة الإخوان المسلمين، والبنية والتكوين، والبعد الزماني والمكاني للحركة، والتميز والاستقلالية، وعالمية الحركة، إضافة إلى شعارها المعهود: الله غايتها، والرسول قدوتها، والقرآن دستورها، والجهاد سبيلها، والموت في سبيل الله أسمى أمانيها.

الباب الثاني: الأهداف، وفيه البواعث والأهداف فقط.

الباب الثالث: الاستراتيجية والوسائل، وفيه فلسطين أرض وقف إسلامي، والوطن والوطنية من وجهة نظر الحركة، والحلول السلمية والمبادرات والمؤتمرات الدولية، والدوائر الثلاث (الفلسطينية والعربية والإسلامية) المتعلقة بتحرير فلسطين، والجهاد لتحرير فلسطين فرض عين، وتربية الأجيال، ودور المرأة المسلمة، ودور الفن الإسلامي في معركة التحرير، والتكافل الاجتماعي، والقوى التي تدعم العدو.

الباب الرابع: مواقفنا، وفيه موقف الحركة من الحركات الإسلامية، والحركات الوطنية على الساحة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والدول والحكومات العربية والإسلامية، والتجمعات الوطنية والإسلامية والمؤسسات والمثقفون في الوطن العربي والإسلامي، وأهل الديانات الأخرى وبيان أن الحركة حركة إنسانية، وحديث عن محاولات الانفراد بالشعب الفلسطيني.

الباب الخامس: شهادة التاريخ، وفيه، عبر التاريخ في مواجهة المعتدين، وحركة المقاومة الإسلامية جنود.

في حين جاءت الوثيقة السياسية في 10 صفحات (النسخة الإلكترونية)، مقسمة إلى 12 قسماً انضوى تحتها 42 مادة وهي على النحو التالي:

  1. تعريف الحركة.
  2. أرض فلسطين.
  3. شعب فلسطين.
  4. الإسلام وفلسطين.
  5. القدس.
  6. اللاجئون وحقّ العودة.
  7. المشروع الصهيوني.
  8. الموقف من الاحتلال والتسوية السياسية.
  9. المقاومة والتحرير.
  10. النظام السياسي الفلسطيني.
  11. الأمة العربية والإسلامية.
  12. الجانب الإنساني والدولي.

واضح أن هناك تبويباً جديداً للوثيقة  حاولت الحركة من خلاله الإحاطة بكافة المستجدات على الساحة الفلسطينية، وفيما يتعلق بعلاقاتها السياسية الجديدة خصوصاً بعد دخولها النظام السياسي الفلسطيني، ممثلاً بالسلطة الفلسطينية. وسيأتي ذكر بعض الاختلاف في المحتوى عند الحديث عن المضمون, لكن في المجمل, ثمة علاقة ما زالت موجودة بين الوثيقة والميثاق، فلم تلغِ الوثيقة الميثاق، أو تتجاوزه بشكل كامل، لكنها أوضحت ما لم يشر إليه الميثاق بعد تاريخ إصداره من أحداث تاريخية لاحقة على مدار ثلاثين عاماً تقريباً. وقد أشار خالد مشعل إلى ذلك في معرض رده على تساؤلات النخب بعد عرض الوثيقة السياسية حين سُئل عن مصير الميثاق فقال: “كل وثيقة تعبر عن وقتها، وليس بالضرورة أن تكون ملغيةً للآخر. الوثيقة مرجعنا في أداء (حماس) السياسي خلال هذه المرحلة. في المستقبل قد تصدر أدبيات أخرى”.

[1] ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الافريقي المصري، لسان العرب (بيروت: دار صادر للطباعة والنشر، طبعة جديدة محققة 2000)، ج 15، ص 152.

[2] موقع المعاني، انظر:

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D9%85%D9%8A%D8%AB%D8%A7%D9%82

[3] موقع معاجم، انظر:

https://www.maajim.com/dictionary/%D9%85%D9%90%D9%8A%D8%AB%D9%8E%D8%A7%D9%82%D9%8C

[4] موقع المعاني، انظر:

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9

[5] أسامة الأشقر، مرجع سابق.


Comments

comments

شاهد أيضاً

حماس بين الميثاق والوثيقة .. قراءة في الثابت والمتغير (الأخيرة)

من ناحية المضمون (5)   8- المقاومة والتحرير: أفرد ميثاق 1988 المادة 15 للحديث عن …