الرئيسية / آراء / عمار العيسى: لاجئون في أوطانهم

عمار العيسى: لاجئون في أوطانهم

بقلم : عمار العيسى


ماأجملك أيها التشرد، عندما يتحول الوطن إلى منفى..

إذا نظرنا إلى كلمة لاجئ من حيث معناها اللغوي، نجد أنها كلمة تطلق على من قصد مكاناً يلتجئ إليه، أومن فرَّ هارباً من مكان إقامته إلى آخر، بسبب ظلم، أو حرب، أو خطر، أو اضطهاد نتيجةَ آرائه السياسية، أو معتقداته الدينية؛ طالباً الحمايةَ والأمانَ من البلد التي لجأ إليها، وهذا مفهوم قديم, وحق مشروع لأي شخص كان.

وإذا نظرنا إلى إفرازات العقل عندما يسمع بهذه الكلمة، نجد أن معناها هو إنسان مضطهد ضعيف مظلوم مكسور الجناح لاحول له ولا قوة، حُرم الكثير من حقوقه الطبيعية التي يتمتع بها أصحاب البلد التي آوى إليها، كما كان محروماً من وجه آخر في وطنه أيضاً، فالصورة واحدة إلا أن الألوان تغيرت، وتُعتبر هذه الكلمة وصمة عار – من قبل البعض – على جبينه يُشتم بها في كل نازلة تنزل به في البلد المضيف، حتى لو كان اللجوء في نفس الوطن الواحد، فبمجرد نزوح بعض الناس من بلد إلى آخر، تطلق عليهم هذه الكلمة، وتبدأ مرحلة الفوقية والدونية المقيتة التي تعيشها أغلب المجتمعات إن لم تكن كلها.

فتعالوا بنا الآن بعد هذه التوطئة المبسطة لمعرفة معنى اللجوء، نتأمل أحوال الناس في العالم العربي والإسلامي؛ لنرى هل هم خارج هذه المعاني أم داخلها وهم على أرضهم؟ لاشك بأننا سنجدها – أي معاني اللجوء – كخيمة كبيرة يعيشون تحتها، ولكلٍ نصيب منها، وسيفرز هذا التأمل نتيجةً واقعيةً منطقيةً تقول: كم من إنسان مقيم في بلده وهو في حقيقة الأمر لاجئ فيها؛ لأنه يعيش في ظروف أسوأ من ظروف اللاجئين في دول المهجر؟ نعم هذا حال كثير من الناس في وطنهم الأصلي، فلافرق بينهم وبين اللاجئ إلا بالاسم، وهذا النوع من أصعب أنواع اللجوء، فحال المهجرين أخف وطئاً من حالهم، وحقوقهم ربما محفوظة أكثر من حقوقهم، فهنا دول اللجوء تحاول أن ترعى من التجأ إليها وتعطيه بعض الحق، وعندما يحصل تقصير وهو حاصل، نقول: هذا أمر طبيعي في ظل الأنظمة اللاأخلاقية في هذا العالم المتردي الذي غاب فيه العدل، لكن؛ هناك – في الوطن الأم –  دولة بأكملها, والملك على عرشها, والرعايا لايجدون من يرعاهم، ناهيك عن الجور والقمع والتصنيفات المجتمعية، فالعين ترى والأذن تسمع, واللسان مقطوع, واليد مبتورة، وإن لم تطبل في أفراحهم المزيفة رقصوا وأطلقوا الرصاص في جنائزك الحقيقية!

قل لي بربك أيهما أصعب: اللجوء في الأوطان أم في دول أخرى؟ هل يبقى الناس خانعين في ديارهم يعيشون تحت وطأة الاستبداد من كل جوانبه، ويصبرون على ذلك؟ أم ينتفضون ويكسرون القيود ويطالبون بما هو حق لهم، ولايسكتون على الباطل؛ فإما أن ينتصروا أويطردوا من بلادهم، والنتيجة واحدة أو متقاربة؛ إما لاجئ في وطنه أو في غربته؟!

ربما لانستطيع الإجابة، وربما تكون الإجابات متفاوتة، لكني متأكد أن كل إنسان سليم الطباع لسان حاله يقول: عش كريماً أو مت وأنت عزيز, فلا عذر لأحدٍ يرضى أن يعيش حياةً مليئةً بالذل والهوان، ومن رضي؛ فقد أصبح خارج المعادلة الطبيعية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

محمد عبد الرحمن صادق: سلوانا للمغتربين في العيد

مما ورثناه وتعلمناه أن ( حب الوطن من الإيمان )، ومما عُرِف عن العرب قديماً …