نساء شرق السودان يزوالن مهنة يتجنبها الرجال – علامات أونلاين
الرئيسية / مجتمع / أسري واجتماعي / نساء شرق السودان يزوالن مهنة يتجنبها الرجال

نساء شرق السودان يزوالن مهنة يتجنبها الرجال

علامات أونلاين - وكالات :


وجدتها منهمكة في كسر الحجارة الجبلية الصلدة، كانت تمسح عن جبينها ذرات الغبار التي التصقت به وتحاول عبثاً إغلاق عينيها حتى لا يتسرب إليهما التراب في ذلك اليوم العاصف. كانت تهوي بآلة ثقيلة تحملها بيدها على الحجر لتحوله إجزاء صغيرة. بدت زاهدة في الحديث، لكني وجدت لها العذر لأنه لم يكن هناك حديث.

قالت إن اسمها عوضية سليمان، تقاسيم وجهها تشير بأنها في العقد السادس، قالت إنها تعمل في هذه المهنة منذ عشر سنوات، وأشارت بأصبعها إلى ناحية الشرق وقالت إنها من جبل طارق الذي يبعد خمسة كيلومترات. وتأتي عبر عربة يجرها حمار وتحمل الحجارة لقاء أربعين جنيهاً (دولاران). كانت تجلس ورجلاها ممدودتان على الأرض منكبة على عملها، قالت إنها تسكن حي كادوقلي الفقير، لديها أربعة أبناء، وتعمل في هذه المهنة الشاقة من أجل تربيتهم، سعر عبوة بلاستيكية من الحجارة تتم تعبئتها في أكياس بلاستيكية وورقية يبلغ أربعة جنيهات وترى أنه زهيد ولا يساوي ما تبذله من جهد، ولكنها تعتقد بأنه ليس أمامهن حل غير الصبر على أمل ارتفاع الأسعار.

تعمل هؤلاء النسوة في واحدة من أقسى المهن التي تؤديها النساء في البلاد وأصعبها، فإذا كان أهل دارفور يعتزون بمشاركة المرأة في مسؤولية تربية الأبناء باقتحامها أعمال الزراعة والتشييد وغيرها، فإن نساء الحجارة في كسلا المتاخمة للحدود مع إريتريا في شرق السودان يمكنهن تسجيل أسمائهن على لائحة النساء الأكثر قهراً للظروف والصعاب، فهن يعملن في مهنة كسر حجارة الجبال إلى أجزاء وبيعها إلى شركات المقاولات والمواطنين لاستعمالها بديلاً للخرسانة.

المرأة تعمل في اليوم أكثر من اثنتي عشرة ساعة من دون توقف إلا لتناول وجبة الفطور. وهذا العمل جذب عدداً من النساء الفقيرات في ولاية تصنف بأنها من أفقر ولايات البلاد. هذه المهنة ظلت عصية على الرجال إذ أنهم أحجموا عنها وتركوا ملعبها كاملاً للنساء.

على عكس عوضية، فإن الثلاثينية عائشة كرتكيلا استقبلتني بمودة وابتسامة، قالت إنها ظلت تعمل في تكسير الحجارة منذ عام 2008، وعلى رغم نحافة جسدها بسبب هذه المهنة التي تستهلك طاقتها وتبدد اثنتي عشرة ساعة من يومها، تؤكد عشقها عملها الذي على رغم مشقته يوفر لها دخلاً جيداً يعينها على مساعدة زوجها المتقاعد في تربية أبنائهما، وتوضح أن الإنتاج اليومي ليس له سقف محدد وأنه يتوقف على قدرة الجسد على كسر الحجارة. ووصفت تعبئة الأكياس بالحجارة الصغيرة بالعمل الشاق لأن وزن الكيس يتجاوز الثلاثين كيلوغراماً. تقول عائشة إن الجلوس لوقت طويل أثناء ساعات النهار وحمل حديد ثقيل والطرق به على الحجارة لتفتيتها أصابها بأمراض في العظام، بخاصة العمود الفقري، وإن الكثير من النساء يجدن صعوبة بالغة في الانحناء والتحرك بسلاسة، كما شكت من آلام تصيب معظم زميلاتها في الجهاز التنفسي بسبب ذرات الغبار المنبعث من عملية تكسير الحجارة.

وتقول إنها لم تبع بضاعتها منذ أسبوعين، ولكنها لم تصب باليأس، وتشكو من شركات المقاولات التي رفضت زيادة السعر إلى خمسة جنيهات للعبوة، وتؤكد عدم زيارة اي جهة حكومية أو منظمات موقع عملهن، وأن عملها الشاق لم يمنعها من واجباتها المنزلية، فبعد فراغها من العمل تذهب لإعداد الطعام لأطفالها وزوجها.

سعدية تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً. تدرس في المرحلة الابتدائية في إحدى مدارس كسلا، قالت إنها تعمل منذ ثلاث سنوات في هذه المهنة، وتقضي كل أيام الإجازة الصيفية في كسر الحجر لمساعدة والدتها ولا تتوقف عن أداء مهمتها إلا لساعة واحدة في اليوم تكفيها لتناول وجبة الفطور وأداء صلاة الظهر، ثم تواصل عملها حتى موعد الانصراف عند الساعة السادسة مساء، وهي بذلك تساعد أسرتها، كما أن عملها يوفر لها مبلغاً جيدا لشراء مستلزمات المدرسة.

في «سوق الحجارة» الرجال هم من يشتري البضائع، وتقول حفصة: «لا يعمل معنا رجال، لا قرار بعدم السماح للرجال بالعمل في مهنتنا هذه، لكنهم زاهدون فيها لأن عائدها متواضع على رغم مشقتها، هم يبحثون عن مهن أخرى توفر لهم دخولاً جيدة». وتقول إنهن يعملن في ظل ظروف مناخية بالغة الصعوبة، ففي الصيف تلامس الحرارة درجة الـ45 مئوية والشمس الحارقة تجبرهن أحياناً على الاحتماء داخل مظلات مهترئة يضعن متاعهن فيها ويتخذنها استراحات لتناول الطعام وأداء الصلاة. عددهن يتجاوز العشرين امرأة وطفلة في الورشة الواحدة.

يشهد وضع المرأة في السودان تناقضات عدة، فقد سبقت نظيراتها في الدول المجاورة لجهة نيلها حق التصويت في الانتخابات عام 1954 وحق الترشح عام 1964 ودخلت أول امرأة البرلمان السوداني عام 1965، لكن لم تكن تتجاوز نسبة الملمات بالقراءة والكتابة عند الاستقلال 4 في المئة وارتفعت الى حوالى 50 في المئة عام 1999. وحاليا تشير تقارير محو الامية إلى ان عدد الدارسين فى فصول محو الامية وتعليم الكبار يقدر بحوالى 310 آلاف من ضمنهم 249 الفاً من النساء. كما يقدر عدد المستوعبين في التعليم قبل المدرسي من البنات بحوالى 1.7 مليون. وتبلغ نسبة البنات حوالى 50 في المئة على المستوى القومي.

شاركت المرأة في الحكومة منذ سبعينات القرن الماضي وتقلدت مناصب رفيعة في السلطة القضائية. ويبلغ عدد العاملات في السلك القضائي حالياً حوالى 67 امرأة، وبلغ عدد السفيرات 3 والديبلوماسيات 17.

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

.كيف تعودين طفلك على الصيام ؟

مع بداية  شهر رمضان تنشغل الأمهات بعدة أسئلة تخص تعويد طفلها على الصيام، فتتساءل متى تبدأ …