الرئيسية / تقارير ومتابعات / تونس .. تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية

تونس .. تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية


يرى محمد الفاضل؛ وزير المالية التونسي، المستقيل والمحسوب على الشق الليبرالي المتشدد، أن صندوق النقد الدولي هو من يجب أن يرضى على تونس وليس العكس. فالوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد يفرض الاقتراض حتى تتمكن الحكومة من سداد أجور الموظفين، والوفاء بالتزاماتها، باعتبار غياب البدائل الأخرى.

وقد أكد تصريحه أن خطاب الحكومات في تونس حول مسألة الاقتراض من البنوك العالمية صار يشبه إلى حد ما خطاب “المومسات” اللواتي يبررن بيعهن لأجسادهن بكونهن مجبرات على ذلك من أجل إطعام أطفالهن الجوعى.

والفارق أن “المومس” قادرة في أحيان كثيرة على خلق مساحة للتفاوض مع زبائنها بما يحسن شروط الصفقة، لكن الحكومات في تونس منذ الثورة صارت مهتمة فقط بأن تأتي بالمال من أجل تأجيل الاحتقان الاجتماعي، وإدارة بؤر الفقر، وتوزيع ريع الوظيفة العمومية، من دون أن تمتلك سياسة استراتيجية حيال الدين الخارجي، ومن دون التفكير في التبعات الاجتماعية التي تترتب على شروط الممولين القاسية، في الوقت الذي تخفت فيه الأصوات النقدية التي تمتلك الجرأة على تحليل خطابات “الليبراليين الجدد” المتعلقة بإصلاح الإدارة العمومية ودعم مناخ الاستثمار.

فكأنما الجميع في تونس يريد أن يأخذ نصيبه من “النيوليبرالية” من دون أن يكون معنياً بالنتائج المستقبلية لعملية تدمير سيادة الدولة أساساً، وللعلاقات الإجتماعية وطرق التفكير والحياة والشعور، من قِبل قوانين السوق بوصفها صاحبة منظومة أخلاقية في ذاتها (كما يقول استاذ الانتروبولوجيا والجغرافيا “دافيد هارفي”)، حيث يصبح كل شيء محدد داخل حيز “السوق”.

ويتم الترويج الدائم وعبر آليات متعددة لفكرة مفادها أن عهد “الدولة الراعية” قد ولى، وأن على كل فرد أن يدبر أمره بنفسه بعيداً عن شبكات الأمان المؤسساتي. بالمقابل تتزايد وتيرة الاحتجاجات الإجتماعية ويحاول الجميع التمسك بتلابيب الدولة الهاربة من المسؤولية الإجتماعية.

أما الفئات التي اعتقدت أن ثورة 14 يناير 2011 هي دمية “بابا نويل” التي ستأتي بالعدالة والرفاه, فإنها تجد نفسها في حالة إحباط وإفقار متزايدين ويرتفع شعورها باللاعدالة. ويعزز الأمر تزايد اعتماد الدولة على سياسات الاقتراض الخارجي من أجل سدّ العجز الحاصل, الذي يتبعه في كل مرة عدم التزام الدولة، ما يدفع فئات واسعة الى اللجوء للإقتصاد اللانظامي، في محاولة للاستفادة من كل الهوامش الممكنة.

الباحث التونسي في علم الاجتماع فؤاد غربالي كتب مقالا بصحيفة “السفير العربي” يقرأ فيه الحالة التونسية ومشهد الايام القادمة على وقع تدخل صندوق النقد الدولي في المسألة التونسية، ومن هنا جاء اشتراط الصندوق “إعادة تشكيل الدولة” بناء على الممارسات غير القانونية الشائعة والمندرجة في نطاق “الفساد”، الذي أدرجت محاربته ضمن “خطط الإصلاحات” المرتبطة بالإقراض.

خطاب خبراء صندوق النقد الدولي يشدد على ضرورة حرص الدولة على خلق مناخ مؤات للاستثمار, الذي يعني ضمان حرية الأسواق المالية وضمان المنافسة، والتخلّي عن نزعة تدخل الدولة التي تكتفي بدور تعبئة الموارد العمومية لإقامة البنى التحتية الملائمة لعالم الأعمال، وتقديم الحوافز الجبائية للمستثمرين، ولجم النقابات والحد من تنامي الحركات الإجتماعية ولو باستخدام القوة، مما يعني أن الطريق إلى ذلك لن يكون مفروشا بالورود.

زبائن صندوق النقد

يعيد الخطاب الرسمي للحكومة التونسية أسباب الأزمة الاقتصادية إلى المطالب الإجتماعية المجحفة التي تدعمها النقابات، بينما تدعو جماعات النفوذ المالي والنخب الجديدة للعولمة الى نموذج إقتصادي يرتكز على فتح الأبواب الواسعة بلا قيود أمام المبادرة الخاصة.

وهذا الموقف يتطابق مع أطروحة البنك الدولي الذي أصدر مؤخراً تقريره “تونس .. الثورة غير المكتملة”، الذي يرى أن النموذج الاقتصادي التونسي ظل من دون تغييرات جذرية، “وذلك من خلال استمرار الدولة في عملية السيطرة الوثيقة على معظم قطاعات الاقتصاد المحلي”، فهناك 50 % من الإقتصاد التونسي لا يزال مغلقاً والدخول إليه خاضع لقيود.

والهدف هو فتح الأسواق المحلية أمام الشركات الأجنبية دون ضوابط وقيود، وتوسيع دائرة المنافسة. يتم الترويج لهذه الوجهة بطريقة ناعمة بغرض ترويج الاعتقاد بأن مزيداً من الانفتاح والمرونة هما الحل السحري للمشكلات الإجتماعية المتمثلة أساساً في البطالة وغياب فرص العمل للفئات الشبابية خاصة.

وكانت الحكومات المتعاقبة بعد ثورة 14 يناير 2011 قد قامت بمراجعات كبيرة في قانون الضرائب الذي اتجه إلى تخفيض الضرائب على الاستثمارات وتقديم مزيد من الحوافز الجمركية، بالمقابل شرع في إجراءات تقشفية قاسية، طالت الفئات المتوسطة والفقيرة وتمثلت في رفع الدعم عن الوقود والمواد الأساسية.

بررت الحكومات ذلك بأن سياسة الدعم خانقة للميزانية وأنه يجب أن يقع ترشيد للميزانية على نحو يخفض من حدة الإنفاق على الجوانب الإجتماعية، وظهر ذلك بتجميد التوظيف في القطاع العمومي الذي تقول الحكومات إنها مجبرة على الإقتراض كي تستطيع سداد الأجور في هذا القطاع.

كما يشار الى حالة إفلاس الشركات العمومية (شركات النقل والكهرباء وتوزيع المياه..ألخ) وأنها أضحت بدورها عبئاً لا يطاق على الميزانية، وقد بدأت إعادة هيكلتها بغاية تقليص ديونها وتحسين فاعليتها الإقتصادية وخفض عدد عمالها… ويرجح أن يجري بعد ذلك عرضها للبيع.

يحاول الخطاب الرسمي إضفاء بعد تشاركي على هذا المسار بالترويج لفكرة أن على الجميع أن يضحي بشيء للخروج من الأزمة، ومن جهة أخرى يجري تشجيع الاقتراض البنكي من أجل الإستهلاك، وهو يطال بالدرجة الاولى الفئات المتوسطة.

وتعمل الحكومة جاهدة على تغيير البنى التنظيمية التقليدية للعمل تحت شعار إعادة تنشئة مهنية جديدة لخريجي الجامعات تحت تعلة تمكينهم من مهارات ملائمة، لمقتضيات سوق الشغل القائمة أساسا على عقود العمل قصيرة الأمد، وعلى الكفاءات الفردية مما يجعل البطالة نتيجة ضعف في المؤهلات الفردية وليس نتيجة للسياسات.

والرهان الآن على عدم تسيس مشكلة تنامي البطالة، وذلك من خلال جعل العاطلين مجرد حالات وأرقام في مكاتب التشغيل،  وتحطيم أطر التكافل الاجتماعي وأهمها النقابات.

فتحت تعلة محاربة التضخم، يتم توجيه ضربات قاصمة للنقابات ويجيَش الإعلام ضدها إلى حد أن بات جزء من الرأي العام المحلي يعتقد أن الأزمة هي نتيجة الإضرابات النقابية المستمرة.

تفكيك الدولة الإجتماعية

“السياسات الإصلاحية” التي يدّعي صندوق النقد الدولي أنها ضرورية لتونس للخروج من أزمتها الإقتصادية، مدعوماً بخبراء الإقتصاد المحليين، هي عنوان معركة وشيكة ضد مكتسبات الدولة الإجتماعية، حيث يراد لفكرة أن “تدخل الدولة هو المشكلة وليس الحل” أن تترسخ في الأذهان.

وقد بدأت حكومات ما بعد الثورة تسير على نحو متردد في هذا الاتجاه، وهناك علاماته جلية على ذلك أهمها تدهور القطاع الصحي العمومي، وتراجع نجاعة المدرسة العمومية، واهتراء وسائل النقل العمومي، وتزايد تعويل الفئات المفقرة على “اقتصاد الاستمرار على قيد الحياة”، حيث يختار شبان الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن الكبرى الإنطواء على أنفسهم مستندين إلى تجارة المخدرات، وبيع الخمور خلسة، والدعارة السرية، وهي نشاطات تراقبها السلطات وتصمت عنها في أحيان كثيرة.

عملية تفكيك دولة الرعاية الإجتماعية في تونس لا تزال في بدايتها، ذلك أن الاعتقاد في الدور الإجتماعي للدولة لا يزال راسخاً و”قوة الأمل” في دولة محكومة بقيم العدالة الإجتماعية لا يزال قوياً، وهي معركة مرتبطة بمدى قدرة الحركات الإجتماعية والمنظمات النقابية والقوى المدنية على خوضها من دون إضعاف قدرتها التفاوضية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

لأول مرة منذ ثورة يناير.. وزير الطاقة الصهيوني يشارك في منتدى غاز الشرق الأوسط بالقاهرة

في زيارته إلى مصر للمرة الأولى لوزير إسرائيلي منذ ثورة يناير 2011، حيث يشارك وزير …