غلطة قطر .. إنهاء الاحتكار السعودي للخطاب الإسلامي؟ – علامات أونلاين
الرئيسية / تقارير ومتابعات / غلطة قطر .. إنهاء الاحتكار السعودي للخطاب الإسلامي؟

غلطة قطر .. إنهاء الاحتكار السعودي للخطاب الإسلامي؟

أيمن الحياري


في عام 1990، ظهرت قطر على الساحة كمركز منافس للخطابات السياسية البديلة، وبعد أن أمضت عدة أعوام في ظل «الأخ الأكبر» في الخليج، استطاعت أن تؤكد حضورها المنفرد ضد المحاولات السعودية لإعادتها إلى مكانها، وبفضل صغر حجمها وثروتها الهائلة، إلى جانب حكامها الطموحين، تمكنت قطر بسرعة من إبراز صوتها الخاص في الخليج بحسب تقرير كتبه مضاوي الرشيد بمنتدى الشرق.

ولكي نفهم الأزمة الحالية التي تقودها السعودية ضد قطر، يجب علينا أن نفهم الهدف طويل الأجل للمملكة المتمثل في هزيمة “الإسلاموية” وحرمانها من إمكاناتها في إلهام التفكير الثوري وتعبئة الشعوب.

وعندما استغلت المملكة الإسلام كأداة للسياسة الخارجية في الستينات من القرن الماضي، لم تكن قد أدركت تماما أن لعبتها عبارة عن سيف ذي حدين، فالإسلام الذي يستغله البعض لتحريم الثورات والمحافظة على الطاعة، في سياق الملكية المطلقة, لديه القدرة على أن يصبح قوة ثورية ملهمة للناس للصمود ضد القمع، وهذا هو الذي يخيف السعودية، في بلد ومجتمع يفتقر للخبرة في التعامل مع الأيديولوجيات، لذا، فما يخشاه السعوديون الآن هو الإسلام، وإمكانية قيام هذا الدين بإلهام الثورة.

ومع رفض قطر إغلاق إمبراطوريتها الإعلامية أو جعلها تابعة لأهواء جارتها السعودية، ستبقى الرياض على أهبة الاستعداد.

وقد استطاعت قطر أن تكتسب صورة ودودة مع الإسلام في اللحظة التي بدأت فيها بث برامج أسبوعية منتظمة تستضيف علماء دين مشهورين مثل «القرضاوي»، وبالتالي إنهاء الاحتكار السعودي لإنتاج المعرفة والخطاب الديني.

ومع فقدان «الأزهر» مصداقيته في ظل الأنظمة المصرية القمعية المتعاقبة، رأت السعودية الفرصة في ذلك لبدء إملاء تفسيرات الإسلام التي تتناسب مع سياساتها الخاصة، لكن صعود قطر أحبط هذا الحلم، حيث تنافست قطر مع المملكة على إنتاج المعرفة الدينية، ووضعت حدا للاحتكار السعودي الذي لم يدم طويلا، وعلى الرغم من صغر حجمها، فازت قطر بحصتها من الموجات الدينية، الأمر الذي أثار غضب السعودية.

وتشعر المملكة بالقلق من المخالب القوية لوسائل الإعلام في قطر، بما في ذلك قناة «الجزيرة»، وغيرها من المؤسسات الجديدة، خوفا من أن تنجح في تعبئة جيل جديد من الشباب السعودي، ويكافح النظام السعودي من أجل تدجين هذا الجيل من خلال استبدال الخطاب الإسلامي الثوري بوعود الرفاهية والتسلية، من خلال كرة القدم والحفلات والاستهلاك في مراكز التسوق.

وتشهد رؤية 2030 الجديدة وبرامج التحول الاقتصادي التي أطلقها ولي العهد، محمد بن سلمان، جهودا جادة لتحقيق التسييس الكامل للشباب السعودي، الذين يقدرون بـ60% من السكان، ويبدو أن ولي العهد قد اعتقد بجدية أن الترفيه سيمنع الشباب من التفكير في السياسة، وإذا أراد أن ينشغل الشباب بمسائل تافهة وأن يهتمون فقط بالقضايا غير السياسية، فإنه يحتاج إلى ترفيههم، وهكذا أنشأ لجنة خاصة للترفيه تتولى توفير الجرعة المناسبة من المتعة كعلاج للتفكير النقدي والآراء المعارضة.

لكن ما دام هناك إسلام بديل على النقيض من ذلك الذي تنشره هيئة كبار العلماء السعودية، سيظل الخوف يتملك السعودية، لذلك، فإن الصراع السعودي – القطري ليس مجرد تحدٍ من إمارة صغيرة على هامش شبه الجزيرة العربية، لكنه ينطوي على مستقبل المعارضة السياسية وخطاب التعبئة وآفاق التغيير السياسي الخطير في العالم العربي، ولهذه الأسباب، ستكون قطر دائما مصدرا للقلق والشك في عيون السعودية، طالما لم تغير سياستها ولم تقبل الضغوط السعودية.

وطالما استمرت قطر في دعم ونشر الخطاب الإسلامي الشعبي، ستظل السعودية معادية، وستحشد كل مواردها للضغط عليها، ولا تريد المملكة إغلاق قناة الجزيرة ببساطة، بل تريد، في الواقع، إغلاق قطر نفسها، ويدل الحظر البري والجوي المفرط على قطر على الجهود الجادة للقضاء على الإمارة الصغيرة.

وعلاوة على ذلك، إذا اضطرت قطر إنهاء إمبراطوريتها الإعلامية، فلن يبقى هناك سوى الصوت الخاضع لسيطرة السعودية وحلفائها، حيث سيتم استخدام إمبراطورية وسائل الإعلام السعودية في تقديم وتأطير الأخبار والأحداث والتحالفات الجديدة بالطريقة التي يريدونها، دون تحديات خطيرة وذات مصداقية في العالم العربي.

ويكتسب هذا أهمية أكبر في ضوء التقارب الأخير بين السعودية وإسرائيل، وقد أيدت هذه الأخيرة علنا ​​مطالب السعودية بإغلاق مكاتب الجزيرة، وتشير التقارير إلى زيادة التعاون الأمني ​​والاقتصادي في أعقاب الزيارات الأخيرة إلى إسرائيل من جانب المهنيين والأكاديميين السعوديين.

وبدون وجود «الجزيرة»، من في العالم العربي سيجرؤ على التحقيق في التعاون السعودي – الإسرائيلي أو أن يقدم تقريرا عن ذلك؟ ومن سيكشف التحالفات السرية والتعاون الأمني ​​والتبادلات الاقتصادية بين البلدين؟

وقد حقق محمد بن سلمان نجاحا في كسب دعم إسرائيل، وواصل التعاون السري معها في المسائل الأمنية والاقتصادية، وفي يوليو عام 2016، زار وفد سعودي من الأكاديميين ورجال الأعمال إسرائيل بهدف إقامة علاقات سرية، وكان الغرض منها تعزيز القدرات العسكرية السعودية وإلحاق إسرائيل بأي مواجهة مسلحة محتملة مع إيران.

كما أصبح للمملكة صلة جغرافية واستراتيجية جديدة مع إسرائيل، بعد أن تنازلت مصر للسعودية عن جزيرتي صنافير وتيران في البحر الأحمر، وتطل الجزيرتان على مضيق تيران الذي يعد خط وصول إسرائيل الوحيد إلى البحر الأحمر، وقد يكون في المستقبل بمثابة منصة لتعزيز التعاون العسكري والأمني ​​بين الطرفين.

ويجري حاليا إعداد الجمهور السعودي من أجل تعاون أكبر مع إسرائيل، خاصة من خلال وسائل الإعلام التي ترعاها السعودية، وهي الآن أكثر استعدادا للسماح للمقالات التي لا تنتقد بشكل علني الاحتلال الإسرائيلي ومعاملته للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.

كما انتقدت السعودية قطر لدعمها حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، التي تعتبرها الآن منظمة إرهابية، ومن المؤكد أن بن سلمان قد أسعد الإسرائيليين بذلك، وأكد لهم استعداده للمزيد من التعاون.

وعلاوة على ذلك، من الذي سيواجه في المستقبل السرد السعودي حول الاقتصاد الرائع، ومخططات الخصخصة وازدهار التجارة النيوليبرالية؟ ومن سيقدم تقريرا عن انتهاكات حقوق الإنسان واحتجاز السجناء والنشطاء السلميين داخل المملكة؟ ترغب المملكة في التأكد من ألا يجرؤ أحد على فعل ذلك.

الخسائر السعودية

وقد تسببت الأزمة السعودية القطرية بالفعل في شق صف الخليج، لكن السعودية لم تنجح بعد في إسكات الروايات والخطابات البديلة حول شؤونها الداخلية وسياساتها الإقليمية.

وعلى الصعيد المحلي، سوف يشعر النظام السعودي بأمان أكبر إذا استسلمت قطر وتخلت عن دورها كجار شقي ومرعب في الخليج.

ولكن بعد أكثر من 6 أشهر من الأزمة، لا توجد دلائل واضحة على أن هذا يحدث، وما يخيف المملكة هو الخطاب الذي يربط الإسلام بالمفاهيم السياسية الحديثة مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والمجتمع المدني.

وتريد المملكة الإسلام الذي يَعدُ الناس بالحياة الآخرة بدلا من هذه الحياة، وبالتالي ظهر عداؤها مؤخرا للإسلاموية، خاصة تلك الأشكال التي تبشر بتوافق الإسلام والديمقراطية، وما دامت قطر تتبنى هذا النوع من الإسلاموية، فإن المصالحة في الخليج تبقى بعيدة.

وقد كشفت الأزمة مع قطر مخاوف النظام السعودي وتراجع مكانته في العالم العربي، وأكدت أن تقييم سياستها الإقليمية غير منتظم، ما أدى إلى الفشل في العديد من المناطق الساخنة العربية، مثل دمشق وصنعاء والآن الدوحة.

ومنذ الأزمة، حاولت السعودية بناء جسور مع العراق من أجل التوصل إلى اتفاق أو طريقة للتهدئة مع إيران، لكن التحركات الناجحة تجاه العراق لم تسفر بعد عن نتائج ملموسة لصالح المملكة، وصحيح أن موسم الحج هذا العام لم يسفر عن خلاف كبير مع إيران، ولكن نظرا لتاريخ العداوة والطائفية، فإنه من الصعب تصور استبدال العداء بالوئام في المستقبل القريب.

ولم تساعد الأزمة مع قطر وشدة ردود الفعل السعودية تجاهها, لم تساعد السعودية في تعزيز مكانتها عالميا أو إقليميا، ناهيك عن المستوى المحلي.

ومن خلال الحصار غير المبرر المفروض على قطر، والأداء الإعلامي السعودي الساذج الذي يحاول تشويه الحياة الشخصية للقيادة القطرية، أرسلت السعودية رسالة خاطئة إلى العالم.

وفي الواقع، كانت إدارتها للأزمة إدارة هاوية وغير محترفة، وقد أتت بنتائج عكسية، ومن المرجح أن يتساءل حلفاؤها الآن عن فوائد التقارب مع هذا النظام، ولابد أن يكون أعداؤها فرحين بهذه الصورة السيئة فيما يتعلق بإدارتها للعلاقات الدولية والسياسة الخارجية.

ومؤخرا، انتعشت آمال إنهاء الأزمة السعودية – القطرية بعد أن أعلنت وكالة الأنباء القطرية اتصالا هاتفيا من أمير قطر إلى ولي العهد السعودي، لكن القيادة السعودية, من خلال أتباعها على وسائل التواصل الاجتماعي, فسرت ذلك باقتراب ركوع قطر واستعدادها للاستسلام، ورأى السعوديون المكالمة الهاتفية فرصة لإهانة قطر بدلا من التوفيق معها.

وقد ثبت أن هذا النهج في حل النزاعات يؤدي إلى نتائج عكسية بل خطيرة، إذ إن نمط عدم احترام سيادة البلدان الأجنبية يمكن أن يعود بنتائج عكسية على المملكة نفسها في المستقبل، فالقيادة السعودية تطيل صراعا قد يصبح شوكة في خصر منطقة الخليج، وتحت القيادة الجديدة المفترضة، قد نرى قريبا انحدار الخليج إلى مزيد من الانقسامات.

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

“مش عايزينك”.. هاشتاج مضاد لـ”علشان تبنيها” الذي يمهد لترشح السيسي لفترة ثانية

في تكرار لمسار دعاية مهزلة الانتخابات الرئاسية التي شهدتها مصر عام 2014، التي بدأت بحملات …