من الأخلاق الراقية .. الذكر (1) – علامات أونلاين
الرئيسية / دعوة / من الأخلاق الراقية .. الذكر (1)

من الأخلاق الراقية .. الذكر (1)

بقلم : محمد أبوغدير المحامي


ذِكر الله عز وجل من أيسر العبادات وأجلِّها، فحركة اللسان أخف حركات الجوارح، ورغم سهولة الذكر فإن له شأنًا كبيرًا في حياة المؤمن؛ فهو قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وسبب في الشفاء من الأسقام، لذلك ينبغي أن يلازم الإنسان في كل شؤونه وأحواله وفي كل أطواره، ولقد أمر الله به في آيات كثيرة، ونهى عن ضده من الغفلة والنسيان.

وقد رتب الله على الذكر من الفضل والعطاء ما لم يرتب على غيره من الأعمال، فعلق الله تعالى الفلاح باستدامة الذكر، وأثنى على أهله وجعلهم أهل الانتفاع بآياته، وجعل ذكره تعالى لأهله جزاء ذكرهم له، ووصفهم بأنهم أولو الألباب، وأخبر عن خسران من يلهو عن الذكر بغيره.

فهيا بنا نتعرف على مفهوم الذكر وأقوال العلماء عنه ومعناه في القرآن الكريم، ومشروعيته من الكتاب والسنة، وكون حكمه ندبا أو فرضا وقد يكون نهيا، ونقف على درجات الذكر وأقسامه، وآدابه، ثم فوائده وثمراته.

تعريف الذكر

الذِّكْر في اللغة: بكسر الذال وسكون الكاف والراء له معنيان:

الأول: التلفظ بالشيء, أو الشيء يجري على اللسان، يقال: ذكرت لفلان كذا وكذا، أي تلفظت به له، أو قُلته له، ومنه سمي المتلفظ بتكبير الله وتحميده وتسبيحه ونحوِه ذاكراً لله تعالى.

والثاني: إحضار الشيء في الذهن بحيث لا يغيب عنه، وهو ضد النسيان، ومنه سمي القائم على حدود الله ذاكراً لله تعالى.

والذكر اصطلاحا: عرفه  العلماء بأنه: ما يجري على اللسان والقلب، من تسبيح اللَّه تعالى وتنزيهه والثناء عليه ووصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال.

كما عرفه ابن عطاء الله السكندري بأنه: التخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل: ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أو فعل من أفعاله، أو غير ذلك مما يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى.

والفرق بين الغفلة والنسيان؛ أن الغفلة ترك باختيار الغافل، والنسيان ترك بغير اختياره، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ}  الأعراف : 205 ، ولم يقل: ولا تكن مع الناسين، فإن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا يُنهى عنه.

 

أقوال العلماء حول ذكر الله

قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ليسَ يَتَحَسَّرُ أهلُ الجنَّة على شيءٍ إلّا ساعةً مَرَّت بهم ولم يذكروا الله تعالى فيها.

قال مجاهد: مَنِ استطاعَ ألَّا يبيتَ إلَّا طَاهراً ذاكراً مُسْتَغفراً فليفْعَل فإنَّ الأرْوَاحَ تُبْعَثُ على ما قُبِضَتْ عَلَيهِ.

وقال لقمان:  إِنَّ مَثَلَ أَهْلِ الذِّكْرِ وَالغَفْلَةِ كَمَثَلِ النُّوْرِ وَالظُّلْمَةِ.

 وقال ابن تيمية: إنَّ في الدنيا جَنَّة مَن لم يَدْخُلْها لم يَدْخُل جَنَّة الآخِرَة، قالوا: وما هي يا إمام؟ قال: مَحَبَّةُ الله تعالى وذِكْرُهُ.

وقال الرَّبيعُ بن خُثَيم: أَقْلِل الكَلَامَ إلّا مِنْ تِسْعٍ: تَكْبيرٍ، وتهلِيلٍ، وتَسْبيحٍ، وتَحْمِيدٍ، وسُؤَالِكَ الخَيرَ، وتَعَوّذِكَ مِنَ الشَّرّ، وأمْرِكَ بالمعروفِ، ونَهْيِكَ عَنِ المُنْكَرِ وقِرَاءَتِكَ القُرْآنَ .

وقال أبو القاسم القشيري: ليس وراء الذكر شيء؛ وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر.

معنى الذكر في القرآن الكريم

أطلقت كلمة “الذكر” في الآيات القرآنية الكريمة على عدة معانٍ:

1- بمعنى القرآن الكريم: كما في قوله تعالى: {إنَّا نحن نزّلنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافظونَ} الحجر: 9.

2- الذكر بمعنى صلاة الجمعة: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا نُودِيَ للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوا إلى ذكرِ اللهِ } الجمعة: 9 .

3- الذكر بمعنى العلم: {فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمونَ } الأنبياء: 7.

4-  وفي معظم النصوص أُريدَ بكلمة الذكر: التسبيحُ، والتهليل، والتكبير، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما إلى هنالك من الصيَغ، كما في قوله تعالى: {فإذا قَضيتُمُ الصلاةَ فاذكروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبِكُم} النساء: 102،

وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتُمْ فِئةً فاثبتوا واذكروا اللهَ كثيراً} الأنفال: 45 ،

وقوله تعالى: {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليهِ تبتيلاً} المزمل: 8 .

 

 مشروعية الذكر من الكتاب والسنة

شكرُ الله فضيلة شرعية، لذلك أمر الله عباده بالشكر في العديد من آيات القرآن الكريم والسنة المطهرة، نذكر منها:

من الكتاب: قال تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} البقرة: 152, وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسَبِّحُوه بكرةً وأصيلاً} الأحزاب: 41 ـ42 , وقال تعالى: { واذكرْ ربَّك كثيراً وسبِّحْ بالعشي والإبكار) آل عمران: 41 , وقال: {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ بُكرَةً وأصيلاً} الدهر: 25 , وقال: { واذكر اسم ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلاً} المزمل: 8 .

وقال جل شأنه: { وَلَذِكرُ الله أكبرُ} العنكبوت: 45, وقال: { فإذا قضيتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبِكُم} النساء: 103 , وقال تعالى: { في بيوتٍ أَذِنَ الله أن تُرفعَ ويُذكر فيها اسمُهُ} النور: 36, وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تُلهِكُم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذكر الله } المنافقون:9 , وقال أيضاً: {والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعدّ اللهُ لهُم مغفِرَةً وأجراً عظيماً } الأحزاب: 35 .

 

وأما من السنة: فقد روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربَّهُ مثل الحي والميت, وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله وما رياضُ الجنة ؟ قال: حِلَق الذكر.

وروى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَيبعثنَّ الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال: فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله حِلْهُم [حلهم: صفهم لنا وعرفنا نزلهم] لنا نعرفْهم, قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى، وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه” [بإسناد حسن] .

وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أُنبئكم بخير أعمالكم، وأزْكاها عند مليكِكم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق [الفضة]، وخيرٍ لكم من أن تلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكرُ الله تعالى”، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ما شيءٌ أنجى من عذاب الله من ذكر الله .

وروى مسلم والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ( أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، وإن تقرَّبَ إليَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).

وروى أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من قومٍ اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه؛ إلا ناداهم منادٍ من السماء أن قوموا مغفوراً لكم فقد بُدلت سيئاتكم حسنات”. وروى الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الرب تبارك وتعالى: مَن شغلَهُ قراءةُ القرآن وذكري عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعطي السائلين.

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

من معالم التربية النبوية (5)

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : …