عبد الله النملي يكتب: التطبيع مع الكيان الصهيوني يحط الرحال بالبرلمان المغربي – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / عبد الله النملي يكتب: التطبيع مع الكيان الصهيوني يحط الرحال بالبرلمان المغربي
عبد الله النملي
عبد الله النملي

عبد الله النملي يكتب: التطبيع مع الكيان الصهيوني يحط الرحال بالبرلمان المغربي

بقلم : عبد الله النملي


أقدمت الغرفة الثانية بمجلس المستشارين المغربي، يوم الأحد 8 أكتوبر 2017، على استضافة وزير الحرب الصهيوني السابق؛ عمير بيريز, وهو يترأس وفدا صهيونيا، ضمن مناظرة دولية لمجلس المستشارين والجمعية البرلمانية للبحر المتوسط، في خطوة مثيرة للجدل، تمثل تطبيعا علنيا للمؤسسة الدستورية التي تمثل الشعب المغربي مع الكيان الصهيوني.

وبغض النظر عن الشكل الذي اتخذه التطبيع والمسؤول عنه بالمغرب، فإن فحوى التطبيع مع العدو الصهيوني يبقى واحدا، وهو جعل الوجود اليهودي في فلسطين أمرا طبيعيا. فالتطبيع هو بناء علاقات رسمية وغير رسمية، سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية واستخباراتية مع الكيان الصهيوني,  والتسليم بـ “حق” الكيان الصهيوني في الأرض العربية بفلسطين، وفي بناء المستوطنات، وتهجير الفلسطينيين، وتدمير القرى والمدن العربية. وهكذا يكون التطبيع هو الاستسلام والرضا بأبشع مراتب المذلة والتنازل عن الكرامة وعن الحقوق.

ويبقى السؤال الذي لا نجد له جوابا: من سمح للصهاينة بولوج قبة البرلمان المغربي والحضور لمناظرة دولية مقامة على أرض المغرب؟، إذا علمنا أن عمير بيريز يعتبر واحدا من قادة الاحتلال الذين ارتكبوا مجازر مروعة بحق الفلسطينيين واللبنانيين حين كان وزيرا للحرب الصهيوني. وتعتبر مجزرة ” قانا ” التي قتل فيها عشرات الأطفال في لبنان، واحدة من أبشع المجازر التي ارتكبتها اسرائيل بقيادة هذا السفاح. وقد تقدمت رسميا، هيئة الدفاع الخاصة بـ “مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين”، و”الائتلاف المغربي من أجل فلسطين ومناهضة التطبيع”، بشكاية لدى القضاء من أجل اعتقاله,  وجدد المحامون في طلبهم المقدم للمحكمة، ما ورد في شكاية سابقة مقدمة ضد نفس الشخص, المنحدر من مدينة أبي الجعد المغربية, تم تقديمها منذ سنة 2006 للنيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالرباط، طالبوا فيها بمحاكمته طبقا للقانون المغربي، باعتباره “مغربيا”، عن جرائمه في لبنان وفلسطين، فيما طالب آخرون بإسقاط الجنسية عنه.

ويعتبر أبا إيبان، وزير خارجية الكيان الصهيوني الأسبق وأحد قادة حزب العمل البارزين أول من أطلق كلمة التطبيع، بعد حرب يونيو/حزيران العدوانية عام 1967. ويعني التطبيع بحسب مفهوم “إيبان” إقامة علاقات طبيعية بعيدة عن أجواء الحرب والقتال وفي جو من التعاون والسلام. ويطالب العدو الإسرائيلي باستمرار بتطبيع العلاقات مع العرب دون أن يغير من إيديولوجيته الصهيونية وأهدافه في إقامة (إسرائيل العظمى) على حساب الأرض والحقوق والثروات العربية، كما يتعامل مع عملية التسوية باستخفاف واستعلاء كبيرين، وممارسات إرهابية واستيطانية وعنصرية لا مثيل لها. وتسخر (إسرائيل) التطبيع لإعادة تشكيل العقل العربي وحمله على القبول بالوجود (الإسرائيلي) على حساب الوجود والحق العربي، والتخلي عن ثوابت النضال العربي، والتشكيك بجدوى التمسك بالهوية القومية والوحدة العربية، والتخلي عن مقاومة الاحتلال والاستيطان، ووصف المقاومة المشروعة بالإرهاب.

وتقوم (إسرائيل)، وبدعم أمريكي، بإغراء بعض الأطراف العربية على القبول بالتطبيع الكامل مقابل إعطائها بعض الأدوار. وأخذت بعض الدول العربية ترى في التطبيع حماية لنظامها ويجلب لها رضا الولايات المتحدة واليهودية العالمية.

وعرف التطبيع في المغرب مراحل مختلفة، تطورت فيها أشكاله ومظاهره ومستوياته؛  ففي فترات سابقة عقب الاستقلال، كان يتخذ شكل علاقات سرية بين أجهزة الكيان وبعض أذرع الحركة الصهيونية، وبعض أجهزة الدولة، وبعض الشخصيات النافذة، وكان الهدف من تلك العلاقات تسهيل عمليات تهجير الآلاف من اليهود المغاربة نحو فلسطين المغتصبة. ثم عرف بعد ذلك أشكالا من العلاقات غير المعلنة على مستوى الدولة وبعض أجهزتها إلى حدود 1986 حيث كان اللقاء العلني الشهير بين الملك الراحل الحسن الثاني وشمعون بيريز بمدينة إفران بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد بين الكيان الصهيوني ومصر السادات, وتوالت اللقاءات بعد اتفاق غزة – أريحا 1993 المشؤوم، وما تلاه من مسلسل ما سمي العملية السلمية التي شكلت غطاء تبرير الخطوات التطبيعية بالمغرب.

كانت أشكال التطبيع تتخذ مظاهر سياسية رسمية وبعض العلاقات الاقتصادية غير الرسمية، وبعض أشكال التطبيع الثقافي المعزولة جدا في مبادرات فردية، لكن في الآونة الأخيرة دخلنا مرحلة متقدمة، حيث عادت مسألة التطبيع في المغرب إلى الواجهة. وشكل التطبيع الرسمي المدخل البارز من خلال حضور ممثل وزارة العدل (الإسرائيلية) إلى مراكش للمشاركة في المؤتمر الدبلوماسي للمنظمة العالمية للملكية الفكرية الذي نظم برعاية وزارة الاتصال المغربية, ومشاركة وفد صهيوني في افتتاح مؤتمر نظم بمدينة طنجة، ترأسه وزير الفلاحة والصيد البحري المغربي، إضافة إلى مشاركة شخصيات مغربية رسمية، في عرض دعائي لفيلم ” تنغير جيروزاليم ” للمخرج المُطبّع كمال هشكار.

وفي الوقت الذي تتعرض فيه القضية الفلسطينية لأخطر مؤامرة لتصفيتها، تتسارع خطوات تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، حيث تظاهر نشطاء مغاربة في طنجة احتجاجا على مشاركة مغنية ومجندة سابقة في سلاح الجو (الإسرائيلي )، في سهرة موسيقية، بين 14 و 17 سبتمبر الماضي، ضمن المهرجان الدولي ” طنجة جاز ” الذي نظمته مؤسسة ” لورين “. وقد أحدثت المشاركة استنكارا شعبيا واسعا، خاصة أن المغنية عبرت مرارا عن افتخارها بخدمتها في الجيش الصهيوني بين سنتي 2000 و 2002، أي خلال انتفاضة الأقصى التي ارتكب فيها الصهاينة كثيرا من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني. كما أثار حضور رياضيين (اسرائيليين) في البطولة الدولية للتكواندو بالرباط في  22 و 24 سبتمبر احتجاج مناهضي التطبيع. ناهيك عن أن عملاء الكيان الصهيوني وجدوا في المسألة الأمازيغية ورقة سهلة لإشاعة أجواء التطبيع بالمغرب، حيث نجحوا منذ سنوات في اختراق أوساط أمازيغية راديكالية تتبنى خطابا سياسيا وعرقيا يلقى رفضا واسعا في صفوف المجتمع الأمازيغي المغربي، وتمكنوا من استمالة بضع عشرات منهم واستضافتهم في الأراضي المحتلة، وإقناعهم بمخطط  التقسيم والتجزئة على أساس العرق، واتجه بعضهم في منحى التطبيع العلني في تحالف لـ”مواجهة العرب” .

ورغم أن المغرب أغلق عام 2000 مكتب (الاتصال الإسرائيلي) تزامنا مع اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية، ورغم ترأس المغرب للجنة القدس, لكن عمليات التطبيع لم تتوقف، حيث يحتل المغرب المرتبة الثانية في مجال التبادل التجاري مع الكيان الصهيوني، الشيء الذي عجّل بميلاد المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، كأول منظمة مدنية تأسست في 5 يناير 2013 بمبادرة من شخصيات سياسية وحزبية ومدنية وحقوقية من مرجعيات إيديولوجية مختلفة، يتكتل حول أهدافها الإسلاميون واليساريون والقوميون والأمازيغ من أجل التتبع ورصد ظاهرة التطبيع مع الصهاينة، وتقديم المعطيات الموثقة من خلال تقارير دورية، تكون مادة للفعل المناهض والمقاوم بالساحة المغربية للتسللات الصهيونية السرطانية.

وخَلُصَ تقرير قدمه المرصد المغربي لمناهضة التطبيع في مارس 2013، أن التطبيع بالمغرب يسير بالسرعة القصوى، وبات يشكل خطرا استراتيجيا مزدوجا يستهدف القضية الفلسطينية والأمن القومي للبلد،  وكشف التقرير، الذي يقع في 48 صفحة، عن قائمة بأسماء الشخصيات والهيئات والمؤسسات المتورطة في التطبيع, وشملت لائحة التقرير، رصد حالات التطبيع في مجالات مختلفة وذكرها بالأسماء والصفات والتواريخ، استهلها بالتطبيع الرسمي. وأوضح المرصد أن مؤشر الإعلان والإشهار للخطوات التطبيعية ارتفع بالمغرب بشكل مثير، حيث سجل  ارتفاع عدد الخطوات التطبيعية ذات البعد الاحتفالي، وهو ما اعتبره التقرير توجها من الواقفين وراء التطبيع لصناعة رأي عام منهزم نفسيا أمام الآلة التطبيعية وخلق جو شعبي فاقد للثقة في شعارات على رأسها دعم فلسطين ومواجهة الصهيونية، ومن ثم ضرب جبهة مناهضة التطبيع وإسقاط مصداقيتها أمام الجمهور.

ويعتبر التقرير الذي قدمه المرصد من بين أبرز المبادرات القوية في مسار المقاومة المدنية بعد مبادرة مقترح قانون تجريم التطبيع الذي تبنته أربع فرق برلمانية مغربية من الأغلبية والمعارضة سنة 2014، وينص على أنه ” يعاقب كل من يساهم أو يشارك في ارتكاب أفعال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي أو يحاول ارتكابها بعقوبة حبس تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وغرامة تتراوح بين مائة ألف ومليون درهم، فيما تسري أحكام هذا القانون على كل من اختار الجنسية الإسرائيلية “. غير أن هذا المقترح ووجه بمحنة حقيقية ولم يعرض على البرلمان لمناقشته.

وفي بيان له أدان ” الائتلاف المغربي من أجل مناهضة التطبيع “، اتساع مظاهر التطبيع مع الكيان الصهيوني، ودعا إلى وقفات احتجاجية، للتنديد بقبول الدولة مشاركة مجند صهيوني في فعاليات الجائزة الكبرى للتكواندو بالرباط. وحذر الائتلاف من الخطورة التي وصلت إليها العملية التطبيعية مع كيان غاصب وعنصري، إن على المستوى الرسمي للدولة أو المؤسسات العمومية والخاصة أو الأفراد والشركات، معلنا رفضه لكل أشكال التطبيع السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو الفني معه، على مستوى الدولة والمجتمع. وطالب الائتلاف بإغلاق فروع الشركات الصهيونية وطردها من المغرب ووقف كل أشكال التعاون معها ( شركة زيم للملاحة البحرية، شركة نيطافيم للري الفلاحي)، والاستجابة للدعوى القضائية والمذكرة التي قدمها المحامون المغاربة أمام القضاء، ومساءلة المسؤولين الذين سمحوا بفتح فروع هذه الشركات وترويج منتجاتها بالمغرب. كما طالب الائتلاف من التمثيليات الدبلوماسية ومراكزها الثقافية بالمغرب باحترام إرادة الشعب المغربي وعدم السماح باستقدام صهاينة لأنشطتها الفنية والثقافية بالمغرب, وندد بسماح العديد من القطاعات الحكومية (وزارة الفلاحة، وزارة الثقافة، وزارة الشباب والرياضة) لمجندين ونشطاء صهاينة بالمشاركة في المهرجانات الفنية والرياضية والثقافية.

إن تبني بعض الحكومات العربية للتطبيع مع (إسرئيل ) في هذا الوقت، مؤذن بأخطار على مستوى الاستقرار الداخلي للدول العربية، لذلك على الحكومات العربية أن تدرك خطر قصور هذه السياسة واحتمالية أثرها العكسي الذي يعطي شرعية للجماعات المتطرفة في المنطقة بادعائها أنها الراعي الوحيد للقضايا العربية والإسلامية، زد على ذلك أثر التطبيع على عزل الحكومات العربية عن شعوبها التي تعارض أي خطوة للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

 

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

ماهر جعوان يكتب: جولة في سجون العالم

السجن سجن ولو في الهواء الطلق, ولو توفرت فيه كل الرفاهية واحتياجات الإنسان الأساسية. بعض …