من الأخلاق الراقية .. الذكر (2) – علامات أونلاين
الرئيسية / دعوة / من الأخلاق الراقية .. الذكر (2)

من الأخلاق الراقية .. الذكر (2)

محمد أبوغدير المحامي


الحكم الشرعي للذكر

دلت النصوص الشرعية؛ كتابا وسنة, على أن الأمر بالذكر قد يكون ندبًا أو فرضا، وقد يكون نهيا.

1- فلقد ندب الشارع في الذكر ورغب فيه لنيل فضله، فشرع الله تعالى الذكر في مواضع من الصلاة وبعد الصلاة، وشرع من الذكر ما لا ينفك عن المسلم، كأذكار الطعام والشراب ودخول البيت والخروج منه، وكذلك أذكار الصباح والمساء والنوم.

2- ومن الذكر ما أوجبه الشارع وأمر به، كتكبيرة الإحرام وقراءة القرآن في الصلاة، والتسمية على الذبيحة، ومن الذكر الواجب على الكفاية؛ الأذان والإقامة ورد السلام.

3- وقد يكون الذكر حراما، حال الجلوس لقضاء الحاجة، وحال سماع خطبة الجمعة.

درجات الذكر وأقسامه

قال ابن القيم عن درجات الذكر أنها ثلاث درجات: ثناء أو دعاء أو رعاية

  • ذكر الثناء: نحو: سبحان اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر.
  • ذكر الدعاء: نحو قول الله تعالى { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } الأعراف: 23 و(يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث).  كما روى النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها(ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به، أو تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين (أو نحو ذلك).
  • ذكر الرعاية: مثل قول الذاكر: اللَّه معي، اللَّه ناظر إلي، اللَّه شاهدي, ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع اللَّه، وفيه رعاية لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع اللَّه، والتحرز من الغفلة، والاعتصام من الشيطان والنفس.

والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة، فهي متضمنة للثناء على اللَّه، والتعرض للدعاء والسؤال، والتصريح به، وهي متضمنة أيضًا لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، والتحرز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشيطان .

أما أقسام الذكر فهي:

1- ذكر السر والجهر: وقد رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذكر بنوعيه السري والجهري, إلاَّ أن علماء الشريعة الإسلامية قرروا أفضلية الجهر بالذكر إذا خلا من الرياء، أو إيذاء مُصَلٌّ أو قارئ أو نائم، مستدلين ببعض الأحاديث النبوية الشريفة، منها ما أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم. والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر.

2- ذكر اللسان وذكر القلب: وقال الإمام النووي: الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل.

وقال أيضا: أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحْدِث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء ونحو ذلك.

3- الذكر المنفرد والذكر مع الجماعة: العبادات مع الجماعة تزيد في الفضل على العبادة في حالة الانفراد, ومنها ذكر الله تعالى, ففي الجماعة تلتقي القلوب، ويكون التعاون والتجاوب، ويستقي الضعيف من القوي، والمُظْلِم من المُنَوَّر، والكثيف من اللطيف، والجاهل من العالم وهكذا. أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة ؟ قال: حِلَقُ الذكر.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده”.

4- الذكر المطلق والذكر المقيد: الذكر المطلق أن تذكر الله على كل حال، قائماً وقاعداً وعلى جنب، قال تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ آل عمران:191 ، وروى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنه قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.

والذكر المقيد هو ما قيد بزمن كالذكر أدبار الصلوات، والذكر عند دخول المسجد وعند الخروج منه، وأذكار الصباح والمساء.

آداب الذكر

1- الإخلاص لله تعالى, وهو الشرط الأول لقبول الأعمال، وكل عمل لا إخلاص فيه لا فائدة ترجى منه بل قد يضر, فينبغي أن يكون الدافع للذكر عبادة الله تعالى والتقرب منه، بعيدا عن الشرك والرياء.

2- استحضار القلب والتدبر: إذ هو المقصود من الذكر، قال الإمام النووي في كتاب “الأذكار”: المراد من الذكر حضور القلب فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله ويتدبر ما يذكر ويتعقل معناه، فالتدبر في الذكر مطلوب.. إلخ.

3-أن يذكر الله على طهارة: وهذا مستحب- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر أو قال على طهارة. رواه أبو داود وصححه الألباني.

4- خفض الصوت بالذكر وعدم الجهر به جهراً بليغاً: قال الله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ، الأعراف: 205 ، وقال ابن كثير: وهكذا يستحب أن يكون الذكر, لا يكون نداءً وجهراً بليغا.

5- التقيد بما حدده الشرع من عدد معين في الذكر: ينبغي التقيد بما جاء به الشرع من الذكر والتسبيح والاستغفار، فما علق الفضل فيه على عدد معين، ينبغي تحصيل هذا العدد والتزامه، كالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل بعد الصلوات الخمس، وكبعض أذكار الصباح والمساء المقيدة بعدد معين، وغير ذلك مما شرع فيه التزام عدد معين من الذكر .

فوائد الذكر وثمراته 

1- يذيب قسوة القلب: في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله عز وجل، فالقلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّه) الزمر : 22 .

فإذا ذُكر الله ذابت تلك القسوة، كما يذوب الرصاص بالنار، فالذكر شفاء للقلب، ودواء له، والغفلة مرض للقلب، وهلاك له.

2- الذكر حرز للإنسان من أذى الشيطان له في دينه ودنياه: وفي الحديث أن النبي رأى رؤيا وقصها على أمته، وفي هذه الرؤيا أنه رأى رجلاً قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله عز وجل فطرد الشيطان عنه، وقال ابن عباس: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس).

فإذا كان الإنسان ذاكرًا لله تعالى وعلى صلة به فإن الله يمده بمدد من عنده، فلا يستطيع شيطان أن يقربه لأنه يصير من عباد الله المخلصين الذين قال عنهم ربهم مخاطبًا إبليس اللعين: ( إنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ) الحجر:42.

3- ذكر الله تعالى جنة الدنيا: فقد قال أحد العارفين: في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، إنها ذكر الله, وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها، وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله تعالى، ومحبته، ودوام ذكره.

وقال الحسن البصري: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة، في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتمْ وجدتم، وإلاّ فالباب مغلق، فابحثوا عن السبب .

4- الذكر سبب لعطاء الله: فالله عز وجل يعطي الذاكر أكثر مما يعطي السائل، في الحديث القدسي: (مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِى عَنْ مَسْأَلَتِى أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِى السَّائِلِينَ) ورد في كنز العمال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

5- الذكر سبب لرحمة الله وسكينة القلب: قَالَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي.

وبالمقابل، ( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مَشَى طَرِيقًا فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً ) رواه أحمد عَنْ أَبِي هُريرة، والتره تعني نقصاً في حسناتهم وتَبِعةً يحاسبون عليها.

6- يؤنس المؤمن ويرقى به: وذكر الله تعالى يجب أن يكون كثيراً، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) الأحزاب الآيات: 41-44 .

7- يبعد الإنسان عن النفاق: لأن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنهم ( يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ) النساء:142, فلم يقل: إنهم لا يذكرون الله أصلاً، بل ذكر أنهم يذكرون الله تعالى، لكن لا يكثرون من ذكره، وقد سئل علي رضي الله عنه عن الخوارج: أمنافقون هم؟ قال: (لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً). فهؤلاء الخوارج رغم فساد عقيدتهم وأعمالهم نجوا من النفاق لكونهم يذكرون الله كثيرًا.

8- الذكر يبثّ في قلب صاحبه الطمأنينة والسعادة: كما قال تعالى: “ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ” الرعد:28 .

فالذاكر لله يحيا في سعادة وطمأنينة، ولا يؤثر فيه ما يلاقي في سبيل دعوته من محن وابتلاءات، بل يزيده ذلك سعادة وطمأنينة؛ لأنه على صلة بالله تعالى، بينما المعرض عن ذكر ربه يعيش في ضنك وحيرة وأرق كما قال تعالى: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ” طه:124.

9- الذكر يوقظ القلب من نومه ويحييه بعد موته: لذا قال النبي في حديث أبي موسى رضي الله عنه عند البخاري: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت)، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله).


Comments

comments

شاهد أيضاً

من معالم التربية النبوية (5)

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : …