بعد 6 سنوات من وقوعها .. قرءاة في “عوائد” مذبحة ماسبيرو على أقباط مصر – علامات أونلاين
الرئيسية / تقارير ومتابعات / بعد 6 سنوات من وقوعها .. قرءاة في “عوائد” مذبحة ماسبيرو على أقباط مصر

بعد 6 سنوات من وقوعها .. قرءاة في “عوائد” مذبحة ماسبيرو على أقباط مصر

علامات أونلاين - أيمن الحياري :


يحمل يوم 9 أكتوبر 2011، يوما ذكرى مقتل قرابة 30 قبطيا في أحداث دامية بالقرب من محيط مبنى التليفزيون المصري الرسمي، وقد مرت الذكرى السادسة لـ«مذبحة ماسبيرو» هذا العام في هدوء تام.

ففي أكتوبر من عام 2011، وقف بطريرك الأقباط؛ شنودة الثالث في الكنيسة المرقسية بالعباسية وسط هتافات غاضبة قاطعت كلمته أكثر من مرة, ونحيب أهالي ضحايا «مذبحة ماسبيرو», وقف ينعي أولئك الذين قتلوا في تلك الاشتباكات..

ووسط الجمع الناقم على السلطة التي كان يديرها المجلس العسكري آنذاك، حمل شنودة العسكر المسؤولية الكاملة عما حدث؛ وبدا لمراقبين أن العلاقة بين الكنيسة والسلطة قد انتهت إلى قطيعة لا وصال بعدها.

لكن بعد 6 أعوام على «المذبحة»، وصلت العلاقة بين الكنيسة والسلطة إلى أفضل مستوياتها، بل يمكن القول إنها لم تصل إلى ذلك المستوى حتى أيام المخلوع حسني مبارك.

كما تحولت العلاقة بين الأقباط ونظام الجنرال عبدالفتاح السيسي، الذي كان عضوا بالمجلس العسكري وقتها، إلى ود وتحالف وثيق، رغم الاتهامات التي طالت المجلس العسكري، بالمسؤولية الكاملة عن المذبحة؛ ووصل التحالف بينهما إلى حد اعتماد السيسي بشكل لافت على الحشد الكنسي في سفرياته إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كل عام.

تفاهم طويل مع مبارك

ما بين القطيعة والدعم، لعلاقة الكنيسة والعسكر مسارات صاعدة وهابطة، ربما كان أكثرها استقرارا أيام حكم مبارك؛ فطوال أيام حكمه انحصرت أهداف الكنيسة القبطية من التعاطي في المجال السياسي في مصلحتين رئيسيتين، أولاهما الحفاظ على استقلالها في مواجهة مؤسسات الدولة، والثانية احتكار الحق في التحدث باسم الأقباط.

نظام مبارك دعم مطالب الكنيسة بقوة ودافع عن زعامتها باعتبارها الممثل الوحيد للأقباط، كما حمى الاستقلال المالي للكنيسة، وفي الواقع فإن النظام أيضا استفاد كثيرا من ذلك؛ إذ أمنت الكنيسة دعم الأقباط لمبارك وسياساته من خلال تصريحاتها العلنية، كما ضغطت الكنيسة على الأقباط المقيمين خارج مصر كي لايتظاهروا ضد مبارك، وخصوصا خلال زياراته للولايات المتحدة.

أواخر عهد مبارك، بدأت الكنيسة تفقد السيطرة على بعض الشباب  الذين رأوا في صعود حركات سياسية جديدة معارضة لنظام مبارك، مثل «حركة 6 أبريل» و«شباب من أجل العدالة والحرية»، و«الحركة المصرية من أجل التغيير» التي تشتهر بشعارها «كفاية»، إطارا جديدا للدفاع عن حقوقهم خارج الكنيسة، وقد وصل بعض الشباب الأقباط إلى نتيجة مفادها أن المسيحيين لن يحصلوا على حقوق متساوية إلا في إطار نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ المواطنة لجميع المصريين.

في خضم ثورة 25 يناير 2011، طلبت الكنيسة القبطية من أتباعها عدم المشاركة في الاحتجاجات، ومع ذلك، رفضت شريحة من الشباب إطاعة أوامر الكنيسة وانضمت إلى المحتجين الآخرين؛ وبعد تنحي مبارك في فبراير، أصدرت الكنيسة بيانا يحيي الشباب المصري على قيادة الثورة، والجيش على حماية البلاد!!

 

مخاوف الثورة

أول معضلة واجهتها الكنيسة بعد الثورة هو انفتاح المجال السياسي الذي أغرى شبابا وشخصيات مسيحية على تأسيس أحزاب أو الانخراط فيها، ما جعل إدارة الكنيسة تشعر أنها تفقد زعامتها على رعاياها.

عقب «مذبحة ماسبيرو» في 9 من أكتوبر 2011، قررت شريحة من الشباب الأقباط الذين شاركوا في الانتفاضة ضد نظام مبارك، تأسيس حركة شبابية للدفاع عن حقوق الأقباط، تدعى «اتحاد شباب ماسبيرو»، وخلافا للسياسيين الأقباط، رفضت الحركة وضع الكنيسة بصفتها الممثل السياسي الوحيد للطائفة القبطية، كما أدانت اجتماعاتٍ غير رسمية عقدها أساقفة مع مسؤولين في عهد مبارك, وخلال الفترة الانتقالية، حيث كانت تلك الاجتماعات – وفقا لأعضاء في الحركة- غالبا ما تهدف إلى تهدئة التوترات بين المسيحيين والمسلمين، من دون معالجة الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها.

ورغم الشك والرفض الكنسي تجاه الحركة، فقد صمتت الكنيسة الغاضبة من السلطة على ممارسات شبابها، ولم تبذل جهدا كبيرا في بدايات نشأة الحركة لاحتواء شبابها. وفيما بدا احتجاجا صامتا.. انسحبت الكنيسة جزئيا من دعم العسكر ومن النشاط السياسي عموما؛ اللهم إلا في بعض الانتخابات والاستفتاءات التي حشدت لها الكنيسة لدعم مرشحين أقباط أو الحفاظ على مصالحها، وبدا أن العلاقة بين الكنيسة والعسكر في أسوأ مراحلها.. وحملت كلمات الأقباط اتهاما صريحا ومبطنا للمجلس العسكري بالمسؤولية عن مذبحة ماسبيرو.

 

عودة النشاط

احتجاجات الكنيسة الصامتة وقطيعتها مع السلطة لم تدم طويلا، ففي نوفمبر 2012، وبعد 5 أشهر على انتخاب د. محمد مرسي رئيسا لمصر، خلف البابا تواضروس الثاني, البابا شنودة، ورغم تأكيدات تواضروس في خطابه انتهاجه مسلكا مختلفا عن خطاب سلفه، حيث أكد على ضرورة ألا تتدخل الكنيسة في السياسة، وأن تركز بدل ذلك على الأنشطة الدينية والتنموية؛ فإنه مع ذلك، تبين أن البابا الجديد لن يقنع أساقفته، الذين كان بعضهم قد انخرطوا فعلا في مفاوضات سياسية، إلى أن وصلت الكنيسة إلى ما يشبه الحزب السياسي.

وكشف «تواضروس» بعد ذلك بنحو عامين، أن استراتيجيته وقناعاته لم تكن على النحو الذي صرح به أوائل تنصيبه، إذ قال في حوار له مع صحيفة «ألموندو» الإسبانية أواخر عام 2014 إن «الشباب القبطي الذي يلومني على العمل السياسي لا يفهم ما يحدث»؛ كما أسهمت البيئة السياسية المستقطبة للغاية بين الإخوان المسلمين والمعارضة في عهد مرسي، في اضطلاع الكنيسة بدور سياسي متزايد.

في الوقت نفسه، لم تُجْدِ محاولات جماعة الإخوان المسلمين الحد من مخاوف الأقباط حول الحرية الدينية ووجودهم في مؤسسات الدولة، ورغم تعيين مرسي لسمير مرقص، وهو شخصية مسيحية بارزة، مساعدا له للانتقال الديمقراطي، إلا أن مرقص استقال بعد بضعة أشهر.

عادت الكنيسة إلى واجهة الأحداث السياسية بالحشد لمظاهرات 30 يونيو 2013 المعارضة لحكم مرسي، ووجهت شخصيات سياسية (معظمهم إسلاميون) اتهامات للكنيسة بالتنسيق مع العسكر لتدبير الانقلاب العسكري في 3 يوليو من ذات العام.

 

الدعم المطلق

يعد أكثر الأحداث دلالة على رجوع دعم الكنيسة للعسكر، هو أن تواضروس، أيد علنا تدخل الجيش، في يوليو 2013، ضد الرئيس الشرعي المنتخب, كما أيد تنصيب قائد الانقلاب؛ عبدالفتاح السيسي رئيسا للبلاد في يونيو 2014، وحاولت الكنيسة إعادة ترسيخ نفسها باعتبارها الصوت الموحد للأقباط في مصر.

الواقع أن الكنيسة أدت دورا مهما في الانقلاب على الرئيس مرسي. البابا «تواضروس» نفسه فاخر بذلك، كما ألقى خطابا عبّر فيه عن تأييده لتدخل الجيش وللعملية السياسية الجديدة التي أعلن عنها السيسي، الذي كان وزيرا للدفاع آنذاك.

ويمكن القول إن العلاقة بين الكنيسة والسلطة لم تصل إلى مستوى أفضل مما هي عليه الآن، وذلك ما منحها مكانة متميزة ودفعها إلى محاولة إحياء, بل وتطوير, الاتفاق القديم الذي كانت قد عقدته مع نظام مبارك، وساعدت التغييرات التي قامت بها الدولة, الكنيسةَ على استعادة مكانتها باعتبارها الممثل الوحيد للطائفة القبطية، وجرت وعود بالسماح ببناء الكنائس وفقا لقانون لا تزال بعض بنوده غامضة، بينما اعتمد السيسي على دعم المتظاهرين الأقباط له في كل زيارة لأمريكا.

بمرور الوقت، عززت السلطة قبضتها على مجريات الأمور، كما عززت الكنيسة سلطتها من جديد، بينما فقدت الحركات الشبابية، بما فيها اتحاد شباب ماسبيرو، قدرتها على التعبئة، وفقد الساسة الأقباط نفوذهم كذلك، إذ يبدو أن النظام الجديد لايرى دورا يذكر للأحزاب، فلم يعقد السيسي أي اجتماعات مع الأحزاب السياسية إلى الآن، لكنه زار الكنيسة في كل عيد ميلاد، كما زارها لتقديم واجب العزاء بعد تفجيرات كنيستين في أبريل 2017، ما بدا أن السلطة عادت للتعامل مع الكنيسة كممثل للشعب القبطي.

 

مخرج لمذبحة ماسبيرو

كما بدا أن مخرجا لاح في الأفق للحرج الذي تتسبب فيه ذكرى ماسبيرو كل عام، إذ جرت محاولات لإلصاق التهمة بجماعة الإخوان، والادعاء بتورط الجماعة في تنفيذ المذبحة، وعقب خلافته شنودة، قال تواضروس إنه «لا يوجد أي جدل حول هذه الأحداث، فهي خدعة كبيرة من قبل جماعة الإخوان؛ حيث قاموا باستدراج الشباب المسيحي لمواجهة الشرطة العسكرية وقتها، على حد قوله!

وأضاف: من الناحية القضائية لا بد وأن تستكمل التحقيقات، ويتم محاكمة المتسببين بها، لكن في نفس الوقت يجب أن نكون أكثر حكمة؛ من أجل مصلحة البلد .

لكن عاطف نظمي، عضو هيئة الدفاع في القضية، اتهم المجلس العسكري بتجاهل تقديم الفاعل الحقيقي للمحاكمة، قائلا: «بعد إغلاق ملف القضية قدمنا 22 بلاغا للنائب العام، وقدمنا 45 مقطع فيديو شاهدا على الأحداث، التي تؤكد دهس المدرعات للمتظاهرين، وظلت البلاغات حبيسة الأدراج.

وأضاف في تصريحات في ذكرى سابقة للمذبحة، أن الحديث عن تورط الإخوان في مذبحة ماسبيرو وسيلة لتبرئة القتلة.

ووقتها، طالب نظمي الجنرال عبدالفتاح السيسي، بالإسراع في اتخاذ قرار بإعادة فتح باب التحقيق في «مذبحة ماسبيرو» لمعرفة القاتل الحقيقي، والتحقيق مع قيادات المجلس العسكري الحاكم وقت وقوع المذبحة، وهو الأمر الذي لم يحدث إلى الآن.

 

مستقبل المسار السياسي

بينما ينظر أقباط وكهنة بعين الرضا عما آل إليه مسار العلاقة بين الكنيسة والعسكر، باعتباره قد أثمر اتفاقات حيوية وإعطاء أفضلية للمسيحيين في قضايا كثيرة، فإن آخرين ينظرون بعين الريبة لهذا الدور الكنسي الذي رفع حالة الاستقطاب المجتمعي منذ 2013.

وبرأي جورج فهمي؛ الباحث الزائر بمركز كارنيجي للشرق الأوسط، فإن هذا الدور ينطوي على بعض المخاطر أيضا؛ فبدلا من محاولة الكنيسة توحيد المسيحيين في مصر تحت قيادتها، ينبغي عليها الانسحاب من المجال السياسي، والسماح للأقباط بالدفاع عن مصالحهم بأنفسهم من خلال الانضمام إلى الأحزاب والحركات السياسية، وينبغي على الكنيسة أن تركز على كونها إحدى مؤسسات المجتمع المدني التي تدافع عن المثل العالمية، مثل حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وعلى دعم المشاريع التنموية لكل من المسلمين والمسيحيين.


Comments

comments

شاهد أيضاً

“مش عايزينك”.. هاشتاج مضاد لـ”علشان تبنيها” الذي يمهد لترشح السيسي لفترة ثانية

في تكرار لمسار دعاية مهزلة الانتخابات الرئاسية التي شهدتها مصر عام 2014، التي بدأت بحملات …