دم قتلى «الواحات» ضائع بين اتهامات الخيانة وتفاقم مأزق الأمن المصري – علامات أونلاين
الرئيسية / تقارير ومتابعات / دم قتلى «الواحات» ضائع بين اتهامات الخيانة وتفاقم مأزق الأمن المصري

دم قتلى «الواحات» ضائع بين اتهامات الخيانة وتفاقم مأزق الأمن المصري

علامات اونلاين_أيمن الحياري:

بين الاتهامات بوجود خيانة واختراق, ومطالبة بإقالة وزير الداخلية المصري، يضيع دم قتلى مذبحة الواحات البحرية (جنوب غربي القاهرة)، التي راح ضحيتها نحو 60 شرطيا، وفق روايات المصادر, أو 16 وفق الرواية الرسمية. وإذا كان الرقم الأول صحيحًا, فهو الأكبر من نوعه منذ أكتوبر 1981، حينما سقط 106 من الشرطة في أحداث أسيوط (جنوبي البلاد) عقب اغتيال السادات .

حرص معظم المعلقين على الحادث على تقديم واجب العزاء في قتلى العملية، لكنهم تساءلوا عما “رائحة الخيانة” التي فاحت من العملية، معتبرين أن اختراقا تم في صفوف قيادات وزارة الداخلية أسفر عن وقوع ذلك العدد الضخم.

وبينما لم تعلن جهة محددة مسؤوليتها عن المذبحة، قالت مصادر إعلامية إن نحو 100 من عناصر تنظيم «المرابطون» الذي يتزعمه ضابط الجيش السابق «هشام عشماوي»، هم من نفذوا «مذبحة الواحات»، بينما ترددت معلومات غير مؤكدة حول خطف بعض الضباط والجنود عقب العملية, وعلى الأقل واحد منهم وهو الضابط محمد الحايس.

العديد من علامات الاستفهام تبرز يوما بعد يوم في ظل عزاء تائه يحوم حول أداء الأمن الذي توسع منذ الانقلاب العسكري منتصف عام 2013، في بناء السجون (19 سجنا)، وقمع آلاف المعارضين (أكثر من 60 ألف معتقل)، وفق تقارير حقوقية، في حين يواجه مأزقا صعبا أمام تنظيمات مسلحة، باتت قادرة على تكبيده خسائر فادحة.

الملفت والخطير في آن واحد، أن هجوم «الواحات»، الذي وقع الجمعة الماضية، جاء بعد حالة استنفار قصوى رفعتها الأجهزة الأمنية بعد سلسلة هجمات دامية طالت مدينة «العريش» على مدار عدة أيام، أسفرت عن مقتل وإصابة نحو 50 من قوات الأمن المصري، وسرقة بنك حكومي في وضح النهار، والاستيلاء على 16 مليون جنيه (قرابة مليون دولار).

كما أن حالة الاستنفار القصوى، جاءت بعد أيام من تمديد حالة «الطوارئ» ما يطرح تساؤلا حول جدوى وقيمة فرض الطوارئ.  يبدو أن حالة الاستنفار لم تتجاوز بيانات «الداخلية» ، ولم تمثل واقعا حقيقيا على الأرض، خاصة يوم الجمعة، وهو من أكثر أيام الأسبوع التي تشهد بشكل شبه دوري هجمات دامية ضد الجيش والشرطة، كونه يوم عطلة رسمية، عادة ما يصاحبه استرخاء أمني، وأجازات للضباط والأفراد.

هجوم الجمعة الدامي يؤكد أن خريطة العنف تتمدد وتتسع بقوة في مصر، وأن الأمن يتعرض لضربات دامية شرقا (رفح والعريش)، وغربا (الواحات)، وشمالا (هجوم على كنيسة بالإسكندرية)، ودلتا النيل (هجوم كنيسة طنطا)، في أبريل الماضي، وجنوبا (هجوم المنيا) في مايو الماضي.

ماذا حدث في الواحات؟

وفق روايات أمنية، وسيناريو سبق تكراره، تعرضت قوات تضم أفرادا من الجيش والشرطة، لـ«كمين» أثناء مداهمة مخبأ بالقرب من الواحات البحرية، إلى الجنوب الغربي من القاهرة، بدعوى تسريب خط سيرها على ما يبدو.

وبحسب بيان وزارة الداخلية فإن معلومات وردت لقطاع الأمن الوطني باتخاذ بعض العناصر الإرهابية للمنطقة المتاخمة للكيلو 135 بطريق الواحات بعمق الصحراء مكانا لاختبائها, فتم إعداد مأمورية لمداهمة تلك العناصر، وحال اقتراب القوات واستشعار تلك العناصر بها، أطلقت أعيرة نارية تجاهها، حيث قامت القوات بمبادلتها إطلاق النيران، مما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من رجال الشرطة، ومقتل عدد من هذه العناصر!

ووفق رواية الصحفي والبرلماني مصطفى بكري، فإن نحو 100 من عناصر تنظيم «المرابطون» الذي يتزعمه ضابط الجيش السابق «هشام عشماوي»، هم من نفذوا المذبحة.

و«عشماوي» أو «أبو عمر المهاجر»، ضابط سابق بالجيش، أسس تنظيم سماه «المرابطون» ونفذ عدة عمليات ضد قوات الجيش والشرطة.

ومن بين القتلى العميد «امتياز كامل» الضابط بالعمليات الخاصة، الذي سبق أن شارك في فض اعتصام «رابعة»، ومطلوب للشهادة أمام المحكمة، خلال جلسة محاكمة 739 شخصا، اليوم الثلاثاء في القضية المعروفة إعلاميا بـ«فض اعتصام رابعة».

وهجوم الواحات ليس الأول من نوعه، ففي 29 يوليو 2014، قتل 28 ضابطا ومجندا، أثناء الهجوم على كمين لحرس الحدود المصري التابع للكتيبة رقم 14 بمنطقة «الدهوس» بالوادي الجديد، أثناء تواجد أفراد الكمين بالكيلو 100 بالمنطقة الواقعة بين «واحة الفرافرة» و«الواحات البحرية».

فشل ذريع لـ«الطوارئ»

تتمدد خريطة العنف، وتتسع في أنحاء البلاد، وربما يجري استنساخ مستنقع جديد، غربي البلاد، على غرار المستنقع السيناوي، الذي يعد أحد أبرز البؤر الملتهبة منذ سنوات، دون حلول.

ولم تفلح حالة الطوارئ التي أعلنت السلطات تمديدها مطلع الشهر الحالي مجددا، بعد استمرار دام 6 أشهر، منذ العاشر من أبريل الماضي، في تهدئة الوضع الأمني في البلاد.

فخلال «الطوارئ» سقط أكثر من 50 قتيلا ومصابا في الهجوم على «حافلة الأقباط» بمحافظة المنيا، جنوبي مصر، وبعدها بأيام، قتل ثلاثة ضباط من الجيش، خلال مواجهات مع عدد من المشتبه بتورطهم في الهجوم، على طريق الواحات.

وفي يوليو الماضي، استهدف هجوم مسلح دورية للشرطة، بمركز «البدرشين»، جنوب القاهرة، أسفر عن مقتل 5 من عناصر الشرطة.

وفي الشهر ذاته، تمكن مسلح بسكين من قتل سائحتين ألمانيتين، وتشيكية، على شاطئ فندق في منتجع الغردقة على البحر الأحمر.

وضرب هجوم عنيف في يوليو أيضا، الكتيبة 103 صاعقة التابعة للجيش، بمدينة «رفح» شمال سيناء،  ما أسفر عن مقتل 26 عسكرياً وإصابة 33 آخرين، وتبنى لاحقا تنظيم «الدولة» المسؤولية عن الهجوم.

ويشهد معدل عمليات تنظيم «ولاية سيناء»؛ الفرع المصري لتنظيم «الدولة» تصاعدا في الآونة الأخيرة ضد قوات الجيش والشرطة، وكذلك ضد تجمعات قبطية ودور عبادة كنسية.

وتنوعت هذه العمليات بين هجمات انتحارية، وسيارات مفخخة، وأحزمة ناسفة، واستهداف المدرعات والآليات العسكرية، فضلا عن عمليات قنص وهجمات طعن، راح ضحيتها المئات بين قتلى وجرحى.

إذن بات من المؤكد أن الفشل كان مصير الحلول الأمنية التي يعتمد عليها نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي، بشكل ممنهج، في تصفية معارضيه، وملاحقة موجات العنف التي تضرب البلاد، وليس من المبالغة القول إن الجيش المصري فقد السيطرة على الأوضاع في شمال سيناء, شرقا، ويتجه لذات المصير في الواحات, غربا.

 

عدالة انتقالية.. وشفافية

الباحث الأكاديمي والناشط السياسي تقادم الخطيب اعتبر أن «الصمت الرسمي يعبر عن فشل؛ عن قلة كفاءة؛ عن أشياء كثيرة في ظل نظام لا يفهم سوي القمع.. القادم في ظل هذا النظام أكثر سوءًا».

وأضاف: «في ظل هذا الصمت نستقي أخبارنا من الصحافة الغربية.. بعض الصحف الألمانية قالت إن الإرهابيين استخدموا إلى جانب العبوات الناسفة أسلحة مضادة للدبابات.. دائرة العنف تتسع وخطاب الكراهية يسيطر؛ مصر اليوم أحوج من أي وقت مضي لعدالة انتقالية ومصالحة وطنية، هل هناك عقلاء يدركون ذلك؟ » .

الإعلامي «عمرو أديب» اتهم أطرافا مجهولة بتكرار الخيانة في عمليات أخرى سابقة، قائلا: «الخيانة الواضحة في عملية الواحات ليست الأولى.. أنا لا ابحث عن الإرهابيين الآن؛ أنا أبحث عن الخائن العميل».

وشن «أديب» انتقادا حادا على عدم صدور بيانات رسمية: «كل ما الصمت زاد نعرف إن الموضوع ليس بسيطا ولا سهلا.. كل مره نغلط نفس الغلطة ونسيب الناس تدور على أخبارنا بره مصر وعمري ما فهمت سبب الصمت القاتل، خصوصا إن الحقيقة بتظهر بعد كده على لسانا برده ».

وتابع: «ما هو محدش يلوم إنه فيه أرقام متضاربة في شهداء الواحات ما هو لو فيه حد بيعبرنا كل ساعة بمعلومات ما كناش عشنا في الضلمه وفي التخبط ده ».

غياب إعلامي

ورد الكاتب الساخر «ماجد سمير» على تساؤلات البعض حول غياب التغطية الإعلامية، قائلا: اللي بيسأل ليه الإعلام ماجبش سيرة مذبحة الواحات؛ لأن الإعلام في مصر يا إما (محجوب) أو (محجوب عبدالدايم)، في إشارة لحجب مواقع ووسائل إعلامية وخبرية معارضة من جهة، وإلى شخصية «محجوب عبدالدايم» المداهنة في فيلم القاهرة 30 .

كما طالب المعارض المصري «أيمن نور» بإقالة وزير الداخلية: «بعد حادث الواحات.. إن لم يقل وزير الداخلية الآن.. فمتى إذن يقال؟».

كما أعاد الناشط السياسي «حازم عبدالعظيم» نشر تغريدة قالت صاحبتها: «ده أنا فتحت التليفزيون من الصبح؛ كل القنوات شغالة عادي.. ولا حس ولا خبر! ولا حتى شريطة سودة، هما مستنيين الإذن؟» .

كما لمز عضو الهيئة العليا لحزب «الوسط» المعارض بالخارج «حاتم عزام» إلى تسبب النظام السياسي بشكل أو بآخر في المذبحة، قائلا: «مصر تستحق الحياة لا الموت، الأمن لا الخوف، الرخاء لا ضنك العيش».

ويبدو أن وعود الأمن والأمان التي قدمها السيسي للمصريين في خطاب الانقلاب 3 يوليو ، وكررها في خطاب التفويض 26 يوليو 2013، ويعيد تكرارها تدشينا للترشح لدورة رئاسية ثانية العام المقبل، ذهبت أدراج الرياح، ومن آن لآخر يفرض مشهد نعي الضحايا، وإعلان الحداد، وتشييع الجنائز، نفسه على المشهد المصري وبدا وكأنه تفويض جديد على وقع الدماء.

إزاء غياب الحلول السياسية والتنموية، وتجاهل المعايير الحقوقية والإنسانية، ولجوء النظام إلى أحكام الطوارئ، وممارسة سياسة العنف والتهجير في سيناء، وفرض نمط التصفية خارج إطار القانون، وتنامي التجاوزات الشرطية، والانتهاكات الحقوقية، واتساع الفقر والتهميش في محافظات الوسط والصعيد، فإن مصر أمام موجات قادمة من العنف المضاد، وحرب العصابات، بما يشكل في المجمل معركة استنزاف دامية تخوضها تنظيمات مسلحة وجدت مبتغاها في نظام يوفر بيئة خصبة لحرب طويلة الأمد، لا تبدو في الأفق بادرة لوضع أوزارها.

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

الإحصاء الفلسطيني: مليون 5.9 لاجئ بينهم 39% تحت خط الفقر

أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، اليوم الأربعاء، تقريرًا يستعرض واقع اللاجئين الفلسطينيين بمناسبة اليوم العالمي للاجئين …