مجدي مغيرة يكتب: جدار الخوف – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / مجدي مغيرة يكتب: جدار الخوف
مجدي مغيرة

مجدي مغيرة يكتب: جدار الخوف

بقلم: مجدي مغيرة


انفجرت الجماهير المصرية يوم 25 يناير 2011م بأعداد مليونية على غير ما توقع الجميع. كانت مفاجأة لكل أجهزة المخابرات العالمية والإقليمية. وكانت مفاجأة للنظام المصري بجميع أجهزته الأمنية والمدنية، ولكل أطياف المعارضة بمن فيهم الإخوان المسلمون؛ أقوى الجماعات الإسلامية وأكثرها تنظيمًا وقراءةً للواقع، ودعك ممن يقول إنها تمثيلية دبرها الجيش أو غير الجيش ليحقق من خلالها مصالح معينة.

لا ينسى المصريون أبدا ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده جمال مبارك مع بداية المظاهرات وتكاثر أعداد المشاركين فيها شيئا فشيئا، وتوجَّه له صحفيٌ بالسؤال – بصفته رئيس الجمهورية القادم –  في حواره الذي قرر فيه أن تداول السلطة سابق لأوانه، وهناك أسسٌ دستورية له، سأله الصحفي عن 6 إبريل ونشطاء الفيس بوك والإخوان وغيرهم, ماذا سيفعل معهم؛ فنظر جمال مبارك إلى جمهور الحاضرين وهو يضحك وقد امتلأ ثقةً من نفسه:” طب ردوا انتو بأه عليه ده .. رد انت يا حسين” وضحك الجميع بمن فيهم “حسين” استهزاء من السؤال؛ لأنهم لم يتخيلوا عواقب تلك الرياح التي بدأت في الهبوب، وأنها ستتحول إلى عواصف وأعاصير.

 

كان النظام واثقا من نفسه لدرجة كبيرة، كان واثقا أن المصريين لن يثوروا، وأن المتظاهرين سرعان ما سينفَضُّون، وأن أجهزة الأمن ستبدأ بعد أيام قليلة في القبض على بعض المتظاهرين وتلفيق التهم المختلفة لهم، ولا مانع من حكم البراءة في المحاكم بعد ذلك، بعد أن يكونوا قد قضوا بضعة أشهر في المعتقلات نالوا فيها قسطا وافرا من الإهانات و”المرمطة”, لتكون درسا بليغا لهم ولغيرهم حتى لا يتجرأوا على سادتهم مرة أخرى.

 

لكن انقلبت الأحوال بما لم يخطر على البال، ونزل الفرعون عن عرشه، ووسط ذهول الجميع بدأت عجلة الحرية تدور، وفشلت محاولات المجلس العسكري في وقفها، فضلا عن إعادتها إلى الوراء، وكانت قمة الدهشة وصولُ أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين التي طاردها الجميع وشوَّه صورتها الجميع إلى أعلى منصب في البلاد وهو منصب رئيس الجمهورية!

كانت مصلحة العسكريين أن تعود قبضتهم على مقدرات البلاد مرة أخرى لكن بصورة ناعمة غير محسوسة، فيكون رئيس الجمهورية مجرد واجهةً مدنية، ينفذ ما يطلبون، وإذا تشوهت صورته نتيجة لذلك يسقط ويأتي غيره وهكذا، بينما هم في الخلف يحققون أطماعهم، وتبقى سمعتهم طيبة بين أبناء الشعب!

 

ولأن الدكتور محمد مرسي لم يخضع لهم، ورفض ابتزازهم؛ بدأوا في الإعداد للانقلاب عليه، ودارت ماكينة الدعاية السوداء ضد الدكتور مرسي وضد الإخوان المسلمين حتى وصل الحال أخيرا إلى الانقلاب العسكري في 3/7/2013م.

بعد الانقلاب لم يكن مطلوبا فقط القضاء على الإخوان المسلمين، بل كان الأهم إعادة ترميم جدار الخوف الذي بنوه على مدى سنوات طويلة منذ انقلاب جمال عبد الناصر على الديمقراطية في عام 1954 واعتقاله للرئيس المحبوب شعبيا محمد نجيب! ولأن جدار الخوف قد تهدم في النفوس، فلا يكفي إعادة بنائه على ما كان، بل يجب أن يكون أعلى مما سبق، وأكثر رعبا مما سبق.

هنا بدأت عمليات الاعتقال، وبدأ احتكار وسائل الإعلام لتكون في قبضة العسكر أو على الأقل تلتزم بتوجيهاتهم القاضية بتشويه صورة كل معارضي حكم العسكر، وبدأت القوانين التي تقيد الحريات، والمحاكم التي لا علاقة لها بالقانون، وبدأت الوعود المعسولة التي تخدر عقول الناس.

ولأن الإخوان هم أكثر القوى شعبية وتنظيما، فلابد أن يكونوا عبرة لغيرهم حتى يتعلم الشعب من رأس الذئب الطائر؛ فقتلوا من قتلوا منهم، واعتقلوا من اعتقلوا، وأعدموا من أعدموا ظلما وعدوانا وتجبرا.

والآن نلاحظ بالفعل صمتًا عجيبًا حال بَدَأْتَ الحديث مع الناس عن السيسي؛ خوفا من وصول تلك الهمسات إلى آذانه، وتجنبا للعقاب المبالغ فيه إذا وقع المسكين في قبضة الشرطة التي تقبض على الناس لأوهى الأسباب ولأقل الشبهات، حتى أن البعض إذا أراد الانتقام من آخرٍ لأسبابٍ لا علاقة لها بالسياسة ولا بالإخوان؛ فما عليه سوى أن يبلغ الأمن عنه بأنه من الإخوان، أو شارك في مظاهرة للإخوان، أو أنه ابتسم في وجه أحد من الإخوان!

 

لكنْ هنا أمرين لابد من بيانهما:

الأول أن صمت كثير من الشباب ليس خوفا، بل تحينًا لفرصة قد تظهر قريبا أو بعيدا، لكنها حتما ستأتي، وحينها لن يكرروا أخطاء الموجة الأولى من الثورة التي انفجرت في 25 يناير 2011م .

 

والليالي من الزمان حبالى      مثقَلاتٌ يَلِدْنَ كلَّ عجيبة

الأمر الثاني أن حكم الناس بالخوف لن يؤدي إلى عمار أو يضمن للعسكر الاستمرار؛ لأن الخوف وإن رسم الصمت على الأفواه، إلا أنه يزرع الخراب في مختلف مجالات الحياة، ويهيئ الأوضاع للانفجار، وحينما يصل سوس الخراب إلى النخاع، فليس بعدها سوى السقوط، وأي سقوط!

وإذا أتاك من الأمورِ مُقَـدَّرٌ … ففرَرْتَ منه فنحوه تتوجَّهُ


Comments

comments

شاهد أيضاً

د. مصطفى اللداوي يكتب: في تظاهرات بيروت نصرةً للقدس

كم كنت سعيداً وأنا أخوض في شوارع العاصمة اللبنانية؛ بيروت، متظاهراً مع اللبنانيين بكل فئاتهم …