من معالم التربية النبوية (2) – علامات أونلاين
الرئيسية / دعوة / من معالم التربية النبوية (2)
د. خالد سعد النجار

من معالم التربية النبوية (2)

بقلم: د. خالد سعد النجار

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:

(صلِّ صلاة مودع كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، وايأس مما في أيدي الناس تعش غنياً، وإياك وما يُعتذر منه).

نواصل هنا ما بدأناه في المقال السابق, متسائلين: وهل الصلاة الخالية من الخشوع يعتد بها أم لا؟

“قال جمهور العلماء إنه لا يعتد بها في الثواب إلا بما عقل العبد منها وخشع فيها لله تعالى، وحجتهم الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: (إن العبد يصلي الصلاة، ما يكتب له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها) (1) وقول عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما-: “ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها”.

وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء، فإن غلب عليها الخشوع والتعقلاعتُد بها إجماعا، وكانت السنن والأذكار عقبها جوابر ومكملات لنقصها، وإن غلب عليها عدم الخشوع وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها، فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في الإحياء، ولم يوجبها أكثر الفقهاء، واحتجوا بأن النبي – صلى الله عليه وسلم- أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو ولم يأمره بالإعادة، كما ثبت في الحديث الصحيح: (إذا أذن المؤذن بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضي التأذين أقبل، فإذا ثُوب بالصلاة أدبر، فإذا قُضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا – ما لم يذكر – حتى يظل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس) (2)

فلو كانت الصلاة باطلة لأمر الرسول الكريم بإعادتها، ولم يأمر بأن يسجد سجدتي السهو” (3)

وهناك العديد من الأمور التي يجب على المسلم مراعاتها لكي تحقق له تمام الخشوع في الصلاة، منها: أمور ظاهرة، وأخرى باطنة.

 

من أسباب الخشوع في الصلاة

هناك أسباب عديدة يمكن بها تحصيل واستحضار الخشوع في الصلاة بإذن الله, أهمها:

1-إزالة ما يشغل المصلي من خارجه:

فعن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنه كان لها ثوب فيه تصاوير، ممدود إلى سهوة، فكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصلي إليه، فقال: (أخريه عني، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) فأخرته فجعلته وسائد. (4)

ولما دخل – صلى الله عليه وسلم – الكعبة ليصلي، فيها رأى قرني كبش، فلما صلى قال لعثمان الحجبي: (إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين، فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي) (5)

ويندرج تحت هذا الأمر: تجنب الصلاة في وقت الحر الشديد والبرد الشديد، إذا تيسر له ذلك، كما أمر النبي – صلى الله عليه وسلم- بالإبراد في صلاة الظهر بالصيف الشديد الحر (6) لأن شدة الحر تمنع من الخشوع وحضور القلب.

 كما يشمل هذا الأمر: اتخاذ السترة أمام المصلي، فعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدا يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمر فليقاتله، فإنه شيطان) (7)

وفي رواية: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته) (8)

والسنة في الدنو من السترة أن يكون بينه وبينها ثلاثة أذرع، وبينها وبين موضع السجود ممر شاة (9) كما أوصى – صلى الله عليه وسلم – المصلي بألا يسمح لأحد أن يمر بينه وبين سترته، فقال: (إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين) (10)

كما ينبغي ألا يصلي وبحضرته طعام يشتهيه، فإذا حضر الطعام بدأ به ولا يعجل بالصلاة قبل أن تنقضي حاجته منه، وفي ذلك يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: (لا صلاة بحضرة الطعام) (11) وقال – صلى الله عليه وسلم-: (إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم) وفي رواية: (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء ولا يعجلن حتى يفرغ منه) (12)

 

2- ألا يصلي خلف النائم والمتحدث

لما رواه أبو داود عن النبي – صلى الله عليه وسلم-: (لا تصلوا خلف النائم والمتحدث) (13)

قال الخطابي: “أما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها الشافعي وأحمد بن حنبل، وذلك من أجل أن كلامهم يشغل المصلي عن صلاته”. (14)

وقد كره مجاهد وطاووس ومالك الصلاة إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته (15) فإذا أمن ذلك فلا تكره الصلاة خلف النائم. 

ويدخل في هذا الأمر: الاحتراز من الصلاة في أماكن الضوضاء ومرور الناس ومجالس اللغو واللغط.

 

3-إزالة ما يشغل المصلي من داخله

– كأن يصلي في ثوب فيه نقوش أو تصاوير: كما روت عائشة – رضي الله عنها- قالت: قام النبي – صلى الله عليه وسلم- يصلي في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى علمها، فلما قضى صلاته، قال: (اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي) (16)

– وكأن يصلي وهو حاقن أو حاقب: والحاقن: هو الحابس للبول، والحاقب: هو الحابس للغائط. وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) (17) ويقول – صلى الله عليه وسلم-: (إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء، وأقيمت الصلاة فليذهب إلى الخلاء) (18)

– وكأن يصلي وقد غلبه النعاس: فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقول ) (19) .. أي فليرقد حتى يذهب عنه النوم.

وعن عائشة – رضي الله عنها – أن رسوا الله – صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه) (20)

 

الهوامش والمصادر

 (1) مسند الإمام أحمد

(2) رواه البخاري عن أبي هريرة

(3) ابن القيم – مدارج السالكين بتصرف يسير

(4) رواه مسلم

(5) أخرجه أبو داود

(6) البخاري كتاب مواقيت الصلاة

 

(7) رواه أبو داود

(8) رواه أبو داود

(9) رواه البخاري

(10) رواه مسلم

(11) رواه مسلم

(12)  متفق عليه

(13) أبو داود

(14) عون المعبود (2/388)

 (15) فتح الباري، باب الصلاة خلف النائم، كتاب الصلاة 

(16) رواه مسلم

(17) رواه مسلم

(18) رواه أبو داود

(19) رواه البخاري

(20) رواه البخاري

Comments

comments

شاهد أيضاً

لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى!

قد يكون إنفاق المال على سبيل الوجوب أو صدقة التطوع، من أثقل الأعمال على النفوس، …