الرئيسية / فكر ودعوة / حب الصحابة (1)
د. خالد سعد النجار

حب الصحابة (1)


رياح الليبرالية الغربية العاتية أتت على كثير من ثوابتنا بفعل موجة التغريب التي تنبثق من واقع أن «المغلوب دائماً مولع بتقليد الغالب»، فضلًا عن الحملة الغربية الضروس على أمتنا الإسلامية لمحو هويتها وضمان تبعيتها .. لقد تفشت النسبية في كثير من معتقداتنا وباتت بعض ثوابتنا هلاماً لا شكل له ولا مَعْلم، ونال الطعن والنقد مقدساتنا من قرآن وسنة وعقيدة وشريعة .. حتى صار بعضهم يتحدث عن أفذاذ الصحابة – وكلهم أفذاذ – كما يتحدث عن شراذم الناس، مما يتنافى مع وجاهتهم ومكانتهم، ويتنافى مع ما كان عليه السلف المبارك من حبهم للصحابة وتوقيرهم بتوقير الله تعالى ورسوله – صلى الله عليه وسلم – لهم، حتى إنهم ألحقوا باب «حب الصحابة» في الحديث عن العقائد، إعلاماً منهم أن حبهم دين يدين به المؤمنون لله رب العالمين، مما حتم علينا نحن الخلف أن نكرر الذكر ونجدد العهد على حبهم وتبجيلهم.

  

 ثناء الله عليهم 

«صحابة رسول الله» هم من صَحِبَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بِلقائه ولو ساعةً مؤمناً به ومات على ذلك، ونوع الصحبة وقَدْرها يختلف فيه الصحابة، فهم ليسوا على مرتبة واحدة.

والصحابة كلهم أثنى الله تعالى عليهم بدون استثناء وأثنى عليهم رسوله – صلى الله عليه وسلم-، فقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الفتح:29]،

قال أهل التفسير: “….. وفي هذا دليل على كفر من أبغض الصحابة – رضي الله عنهم – لأن من غاظه الله بالصحابة, فقد وُجد في حقه موجِب ذاك, وهو الكفر.

وعد الله الذين آمنوا منهم بالله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به, واجتنبوا ما نهاهم عنه, مغفرة لذنوبهم, وثوابًا جزيلاً لا ينقطع, وهو الجنة. ووعد الله حق مصدَّق لا يُخْلَف, وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم في استحقاق المغفرة والأجر العظيم, ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة, رضي الله عنهم وأرضاهم”. [التفسير الميسر]

وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنَّهُارُ}[التوبة:100]

كذلك قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}[الفتح:18]، حتى سُمِّيَتْ هذه البيعة بيعة الرضوان؛ لأنَّ الله رَضِيَ ما عملوه، ورَضِيَ بَيْعَتَهُمْ فَسُمِّيَتْ بيعة الرضوان.

وقال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}[الحديد:10]

.. وثناء الرسول

وكما أثنى الله عز وجل على الصحابة الكرام, فقد أثنى عليهم ومدحهم وعرفنا فضلهم النبي الكريم فقال – صلى الله عليه وسلم-:

– (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدكم ولا نصيفه) [الصحيحين]

– وقال: (دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهباً ما بلغتم أعمالهم). [أحمد: صحيح الجامع: 3386] ‌

– وقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [الترمذي، صحيح الجامع:3294]

– وقال: (احفظوني في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب، حتى يشهد الرجل وما يستشهد، ويحلف وما يستحلف) [ابن ماجة، صحيح الجامع:206]. ‌

– وقال: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) [الطبراني، صحيح الجامع: 545]

– وقال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) [مسلم وأحمد]

يعني كما أن النجوم سبب أمن السماء، فما دامت النجوم باقية لا تنفطر السماء ولا تتشقق ولا يموت أهلها (فإذا ذهبت النجوم) أي تناثرت (أتى السماء ما توعد) من الانفطار والطيّ كالسجل، فكذلك قال عليه والسلام: (وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون) من الفتن والحروب واختلاف القلوب، وقد وقع (وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) من ظهور البدع وغلبة الأهواء واختلاف العقائد وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وانتهاك الحرمين وكل هذه معجزات وقعت.

قال ابن الأثير: فالإشارة في الجملة إلى مجيء الشر عند ذهاب أهل الخير، فإنه لما كان بين أظهرهم كان يبين لهم ما يختلفون فيه، وبموته جالت الآراء واختلفت الأهواء وقلت الأنوار وقويت الظلم، وكذا حال السماء عند ذهاب النجوم [فيض القدير، بتصرف]

– وقال – صلى الله عليه وسلم-: (لعن الله من سب أصحابي) [الطبراني، حسن الجامع:5111] لما لهم من نصرة الدين، فسبهم من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، بل ذهب بعضهم إلى أن سابّ الشيخين (أبي بكر وعمر رضي الله عنهما) يقتل [فيض القدير]

– وقال: (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) [الطبراني، حسن الجامع:6285]

(أي الطرد والبعد عن مواطن الأبرار ومنازل الأخيار…) [فيض القدير] 

– (اقتدوا بالذين من بعدي من أصحابي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود) [الترمذي، صحيح الجامع: 1144]

 قوله: (واهتدوا بهدي عمار) ابن ياسر:  أي سيروا بسيرته واسترشدوا بإرشاده، فإنه ما عرض عليه أمران إلا اختار أرشدهما (وتمسكوا بعهد ابن مسعود) عبد اللّه، أي ما يوصيكم به، قال التوربشتي: أشبه الأشياء بما يراد من عهده أمر الخلافة، فإنه أول من شهد بصحتها، وأشار إلى استقامتها قائلاً: “ألا نرضى لدنيانا من رضيه لديننا نبيينا”. [فيض القدير، المناوي]

وصايا نبوية خاصة بالأنصار 

وفي شأن الأنصار خاصة قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-:

– (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) [متفق عليه]  ‌

– (من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله) [أحمد، صحيح الجامع: 5953]

– (أحسنوا إلى محسن الأنصار، واعفوا عن مسيئهم) [الطبراني، صحيح الجامع:196]

– (أما بعد أيها الناس! فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا وينفع فيه أحدا، فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم) [البخاري]

– (إن الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إليهم، والذي نفسي بيده لا يحب الأنصار رجل حتى يلقى الله إلا لقي الله وهو يحبه، ولا يبغض الأنصار رجل حتى يلقى الله إلا لقي الله وهو يبغضه) [أحمد، حسن الجامع: 1979]

– (إن الأنصار قد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي عليكم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم) [صحيح الجامع: 1587]

– (لكل نبي تركة وضيْعة، وإن تركتي وضيعتي الأنصار فاحفظوني فيهم) [حسن، صحيح الجامع: 5173]

– (لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم) [متفق عليه]

– (الأنصار شعار، والناس دثار، ولو أن الناس استقبلوا وادياً أو شعباً واستقبلت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار) [ابن ماجه، صحيح الجامع: 2791].


Comments

comments

شاهد أيضاً

لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى!

قد يكون إنفاق المال على سبيل الوجوب أو صدقة التطوع، من أثقل الأعمال على النفوس، …