حب الصحابة (3) – علامات أونلاين
الرئيسية / دعوة / حب الصحابة (3)
د. خالد سعد النجار

حب الصحابة (3)

بقلم: د. خالد سعد النجار

ما زال الحديث موصولاً – في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة – عن حب الصحابة الكرام وموالاتهم, والإقرار بفضلهم ومعرفة منزلتهم، وثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على صحابته الكرام بشكل عام، وعلى الأنصار بشكل خاص.

 

أقوال أهل العلم

– عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها- قالت: “أُمروا بالاستغفار لأصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – فسبوهم”. 

– عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: “لا تسبوا أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – فإن الله عز وجل قد أمر بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنهم سيقتتلون”.

– قال الإمام أحمد في الصحابة: حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.

– عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: سمعت أحمد بن  حنبل رحمه الله يقول: ما لهم ولمعاوية؟ أسأل الله العافية. وقال لي: يا أبا الحسن، إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم-  بسوء فاتهمه على الإسلام.

– قال أبو زرعة الرازي: سمعت قبيصة بن عقبة يقول: “حب أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم-  كلهم سنة”. 

– قال أيوب السختياني: “من أحب أبا بكر الصديق فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن  أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علي بن أبي طالب فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم- فقد برئ من النفاق”. 

– قال الشاعر:   

حب الصحابة والقرابة سنة .. ألقى بها ربي إذا أحياني

احذر عقاب الله وارجُ ثوابه .. حتى تكون كمن له قلبان

ومما توسل به شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- من الأعمال الصالحة: محبة الصحابة، وآل البيت فقال في لاميته:

يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي .. رزق الهدى من للهداية يسأل

اسمع كلام محقق في قوله .. لا ينثني عنه ولا يتبدل

حب الصحابة كلهم لي مذهب .. ومودة القربى بها أتوسل

ولكلهم قدر وفضل ساطع .. لكنما الصديق منهم أفضل

قال الإمام الذهبي: “ما نقرّر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنه أجمعين، وما زال يمر بنا في الدواوين والكتب والأجراء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه، وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين على العامة وآحاد العلماء، وقد يُرخّصُ في مطالعة ذلك خلوةُ للعالم المنصف العري عن الهوى بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى” … إلى أن يقول: “والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.

 

واجبنا نحو الصحابة الكرام

مما سبق من كلام الحافظ الذهبي يتبين أن من واجبات الصحابة الكرام علينا معشر المؤمنين:

1- عدم بث أونشر ما شجر بين الصحابة من قتال.

2- وجوب كتمان ما شجر بينهم على العامة وآحاد العلماء.

3- قد يرخص للعالم المنصف المتجرد من الهوى مطالعة ما شجر في الكتب، والإنصاف في ذلك والاستغفار للصحابة كما علمنا الله.

4- عدم الاعتماد على ما ورد في كتب أهل البدع والروافض، وعدم الوثوق بها.

5- لا يجوز للعامي ولا أنصاف المتعلمين مطالعة كتب الروافض وأهل البدع.

6- أكثر ما ورد فيما شجر بين الصحابة لا يصح من قبل إسناده فهو إما ضعيف أو كذب أو منقطع لا يوثق بمن نقله ورواه.

7- ينبغي إعدام تلك الروايات الباطلة؛ لأنها من العلم الذي لا ينفع والذي يحرم نشره وبثه.

ويقول رفاعة الطهطاوي – رحمه الله -: “وما ظنك بقوم اختارهم الله تعالى لصحبة رسوله – صلى الله عليه وسلم-، ولمواجهة خطابه في تنزيله؟! فما أحد من المؤمنين إلى يوم القيامة إلا وللصحابة في عنقه منن لا تحصى، وأيادٍ لا تستقصى، لأنهم هم الذين حملوا إلينا عنه – صلى الله عليه وسلم- الحكم والأحكام، وبينوا الحلال والحرام، وفهموا الخاص والعام، وفتحوا الأقاليم والبلاد، وقهروا أهل الشرك والعناد”.

 

الصحابة درجات

كما قررنا سلفاً أنه يجب على كل مسلم حب الصحابة، وتوليهم، ومعرفة فضلهم، خصوصاً أفضلهم أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان. ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكذا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان، وأنهن أزواجه في الجنة، وحب آل البيت، كما أوصانا النبي – صلى الله عليه وسلم-، والحذر كل الحذر ممن سب الصحابة، أو قال: إنهم ارتدوا إلا ستة كما يقول الشيعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[127].

وطاعة النبي – صلى الله عليه وسلم- في قوله: (لا تسبوا أصحابي. فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع: من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من أنفق من قبل الفتح – وهو صلح الحديبية – وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر – وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.

ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة كالعشرة وغيرهم من الصحابة.

وقال البيهقي في «شعب الإيمان»: “وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان، فحبهم أن يعتقد فضائلهم ويعترف لهم بها… وينشر محاسنهم ويدعو بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم ولا يتتبع زلاتهم وهفواتهم ولا يتعمد تهجين أحد منهم ببث ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم وبالله التوفيق”.

 

تربية المسلمين على حبهم

إن الواجب تربية الناس على حب الصحابة، وذكر فضلهم، وأي شيء وقع بينهم بعد ذلك هم فيه بين الأجرين أو أجر ومغفرة، ولا يعرض خلافهم هكذا على الملأ، فهذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة وإشاعة تفاصيله من صنيع أهل البدع، وبهذا تعرف سبب تحذير السلف من مخالطة أهل البدع، فقد أضعفت حب الصحابة في قلوب قوم فأصبحوا لا يرون في تقمص الكافر والفاسق شخصية خير البشر بعد الأنبياء تنقص لهم، فرحم الله بعض السلف إذ يقول لمبتدع أراد حواره “ولا نصف كلمة”.

إن حُبّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ .. كل هذه تتبعض، ليست شيئاً واحداً، فالناس في حب الصحابة يختلفون، وأجرهم على قدر كثرة محبتهم ونصرتهم وفقههم لفضائلهم.

ولذا توَسَّطَ أهل السنة والجماعة في الحب بين طرفين: بين طرف المُفْرِطِينْ وطرف المتبَرِّئِين.

أما الغلاة والمُفَرِّطُون في الحب فهم الذين جعلوا بعض الصحابة لهم خصائص الإلهية كما فعل طائفة مع علي – رضي الله عنه-، وكما فعل طائفة مع أبي بكر – رضي الله عنه – أو غلو بما هو دون الإلهية بأن يجعلوا هذا الحب يقتضي انتقاص غيرهم، فيُحِبُّ أبا بكر وينتقص علياً، أو يحبّ علياً – رضي الله عنهم – وينتقص أبا بكر .. هذا إفراط وغلو.

فالوسط هو طريقة أهل السنة، فإنَّ الحب يقتضي موالاة الجميع، وألا يَغْلُوَ المسلم في أي صحابي؛ بل يُحِبُّهُم ويَوَدُّهُم ويذكرهم بالخير ولا يجعل لهم شيئا من خصائص الإلهية.

لذا قال من كتبوا في العقيدة: (وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم، وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم).

ولا يدعوك حب الصحابة إلى بخس عترة الرسول – صلى الله عليه وسلم-، حقوقهم وحظوظهم فإن عمر لما كتبوا الدواوين، وقدموا ذكره، أنكر ذلك وقال: “ابدءوا بطرفي رسول الله – صلى الله عليه وآله – وضعوا آل الخطاب حيث وضعهم الله”. قالوا: فأنت أمير المؤمنين؟ فأبى إلا تقديم بني هاشم، وتأخير نفسه، فلم ينكر عليه منكر، وصوبوا رأيه، وعدوا ذلك من مناقبه.

والحمد لله الذي جعلنا لا نفرق بين أبناء نبينا ورسلنا، ونحكم لجميع المرسلين بالتصديق، ولجميع السلف بالولاية، ونخص بني هاشم بالمحبة، ونعطي كل امرئ قسطه من المنزلة.

 

المصادر:

  • شرح العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي والمسمى بـ «إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل» شرحها الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
  • «اعتقاد أهل السنة» .. للإمام أبي بكر بن قاسم الرحبي، إعداد: موسى بن محمد بن هجاد الزهراني
  • «الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة» .. أبو القاسم إسماعيل ابن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني
  • «فتاوى عبد الرزاق عفيفي» ص320
  • «المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام» جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة، علي بن نايف الشحود.
  • «المولاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية» محماس بن عبد الله بن محمد الجلعود
  • مجلة لغة العرب العراقية – مجلة شهرية أدبية علمية تاريخية
  • مسلسل الحسن والحسين ومعاوية؛ رؤية فنية .. مقالات موقع الدرر السنية

 

 

 

 

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى!

قد يكون إنفاق المال على سبيل الوجوب أو صدقة التطوع، من أثقل الأعمال على النفوس، …