احمد المحمدي المغاوري: كُن عُكاشة! – علامات أونلاين
الرئيسية / آراء / احمد المحمدي المغاوري: كُن عُكاشة!
أحمد المحمدي المغاوري
أحمد المحمدي المغاوري

احمد المحمدي المغاوري: كُن عُكاشة!

بقلم: م. احمد المحمدي المغاوري


من هو عكاشة؟

إنه عكَّاشة بن محصن الأسدي؛ المبادر المُسارع السَّبَاق، المتحين للفرص لا المتواني فيها، الذكي الكيس الفطن، الفائز بدعاء النبي له بالجائزة الكبرى وهي الجنة, وأي فوز بعد الفوز برضوان الله والجنه؟ إنه الفوز العظيم. فالحياة فرص, والسعيد من يغتنم الفرص الحقيقية في الدنيا لا الوهم  فيها. ولقد عرَف الإسلام لأهل السبق سبقهم، ولأهل الفضل فضلهم، فرفع منزلتهم وأعلى درجاتهم, وكان منهم عكاشه

(سبقك بها عكاشة) عبارة قالها النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة حينما أراد أن يفوز بالجنة كما فاز بها عكاشة, فقال: وأنا يا رسول الله. ادعْ لي أن أكون منهم, فقال له النبي (سبقك بها عكاشة)

إنها روح المبادرة التي سبق بها عكاشة غيره, وكل عكاشة دائما يفوز. فأن تكون في السبق, مسارعًا في الخير, فتلك هي البطولة. فربما تأتي لحظة  تكون هي هي!, والسماء مفتوحة, وتكون اللحظة الفاصلة والفرصة السانحة، وربما لا تتكرر.

فماذا حدث من عكاشة؟

تعالوا نعش هذا الحدث لنعيش هذا الموقف كما رواه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:[يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.. قَالَ :اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ.. ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُم.ْ قَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ] رواه مسلم

وفي رواية اخرى لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(عُرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننتُ أنهم أمتي، فقيل لي هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرتُ فإذا سواد عظيم، فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سوادٌ عظيم، فقيل: لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله )، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما الذي تخوضون فيه؟) فأخبروه فقال:(هم الذي لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكّلون)، فقام عكاشة بن محصن رضي الله عنه فقال: ادع الله لي أن يجعلني منهم، فقال: (أنت منهم)، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (سبقك بها عكاشة) متفق عليه واللفظ للبخاري.

انظروا أحبتي, الصحابة أخذوا يتساءلون عن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ويقولون لعلهم كذا, لعلهم كذا, وكان من بينهم ذلك الفطن؛ عكاشة، فلم ينشغل بذلك, لكنه كان يفكر في الوسيلة السريعة ليقتنص هذه الفرصة, وليكون من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهو بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم فادرك الفرصة وفطن لها فبادر ولم يسأل تلك الأسئله التي دارت على ألسنة غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، فكان ما كان وفاز ورب الكعبة،

فالحياة فرص, ونحن على قيد الحياة, والفرص متاحة, فما زال الباب مفتوحًا للعطاء والمبادرة والمسارعة في فعل الخيرات, في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقرا مُنسيا، أو غنى مُطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هِرماً مُفنداً، أو موتاً مُجهزاً، أو الدجال؛ فشر غائب ينتظرُ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر؟) رواه الترمذي.

إنها روح المبادرة

 للبحث عن المعالي والشوق الى الله, كما قالها أنس بن النضر: (واه لريح الجنة).  بهذا تميز عكاشة، فيا ترى على أي حال مع الله كان عكاشه حتى يفوز ويختاره الله لهذا الموقف الرائع؟ وأي رصيد كان لديه؟ وما الخبيئة التي بينه وبين ربه؟، فلا يُختار الناس هكذا صدفة، لا بل لابد لها من مقدمات وأسباب، نحن لا نعلمها كما لم نعلم عن الاشعث الأغبر الذي لو اقسم على الله لأبره، والجزاء من جنس العمل؛ لذلك فاز عكاشة. قال تعالى (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وقال تعالى (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)

لا تضيع فرصة الحياة

 دخلت إمرأةٌ النار في هرة لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض, وأخرى دخلت الجنة في كلب سقته, وآخر دخل الجنة في غصن أزاحه من طريق الناس. فلا تستقل عملا ولو صغيرا؛ كأن تميط أذى, أو ترفع زجاجة، أوتسد حاجة، أو أن تقبّل يدي والديك، وتدافع عن مظلوم وتدعو للمستضعفين ولرجال الحق، وانظر إلى المعالي وتعلم وأعمل وأتقن وأتم, فلا يُعرف الحق بالرجال، ولكن يُعرف الرجال بالحق.

لم يذكر التاريخ اسم عكاشة إلا في هذه اللحظة السانحة، برغم أنه توفي في خلافة عمر إلا أنها كانت لحظة التميز والسبق والتوفيق من الله التي سبق بها واستحقها، ليعلن أسمه من بين المتميزين على مدار التاريخ حتى يكونوا قدوة لغيرهم، ومثالًا يحتذى به، في السبق والأوائل في الدنيا والآخرة, والآخرة خير وأبقى، ذلك هو ميدان السباق والمسارعة.

فلنكن ذاك الرجل؛ عكاشه بن محصن, المبادر, ولنُبَادرقبل أن نُبَادر.

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

د. عبدالحكيم المغربي: انتهى الدرس يا غبى

 لقد اسدل الستار على  المسرحية الهزلية اخيراً ، التي كانت ابطالها معتقلين او متواجدين على …