د. نبيل العتوم يكتب:الاحتجاجات الإيرانية .. من سيدفع الثمن؟ – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / د. نبيل العتوم يكتب:الاحتجاجات الإيرانية .. من سيدفع الثمن؟
د. نبيل العتوم
د. نبيل العتوم

د. نبيل العتوم يكتب:الاحتجاجات الإيرانية .. من سيدفع الثمن؟

د. نبيل العتوم


ما جرى في إيران مؤخراً سيعجل بشكل أساسي بتفجير الصراع  بين مؤسسات النظام وأذرعه على مستقبل إيران، فعلى الرغم من إدعاء أدوات الدولة والثورة القمعية أنها حدت من حركة وحجم الاحتجاجات إلا أنها – برأينا- حققت نجاحاً محدوداً، لأنها بموازاة ذلك ستؤزم بين فئات الشعب الإيراني بأطيافه المختلفة والنظام  من ناحية، وبين أجنحة النظام نفسه، التي التقت فيما بينها بشكل كبير لقمع الاحتجاج الشعبي، فخطاب الرئيس حسن روحاني لم يختلف كثيراً عن المرشد والحرس الثوري، ورئيس المحكمة الثورية، لكن يبدو أن ما تحقق في معركة كسر حاجز “تابو” النظام وقدسيته, قد رفع معنويات الشعوب الفارسية وغير الفارسية لتحدي الدولة والثورة بشكل أكبر وأوسع، وأعمق، والهجوم غير المسبوق على شخص المرشد الأعلى، والولي الفقيه ” المقدس”!؛ علي خامنئي, الذي أصبح مادة دسمة للشعارات والهتافات والكتابات الناقدة في مختلف  أنحاء إيران، ليعكس ما يُكنه الوعي في الباطن والظاهر من كره؛ إذ طولب بالرحيل هو وكل نظام ولاية الفقيه الذي بات المظلة الحامية للفساد, والمسئول المباشر عن دمار مقدرات إيران داخلياً وخارجياً.

ما كشفته الاحتجاجات أيضاً فشل الرهان على الجناح الإصلاحي  الذي يقوده روحاني مدعوماً بتياري الإصلاحيين والمعتدلين والزعماء البارزين في هذين التيارين أو الطيفين خاصة  محمد خاتمي الرئيس الأسبق, ومهدي كروبي، ومير حسين موسوي,  قائد الاحتجاجات الخضراء الذين تخلوا جميعاً عن المتظاهرين، وتركوهم مكشوفي الظهر أمام أكبر حركة قمعية للنظام، وفعلياً هم ابتعدوا عن مواجهة داخلية محتدمة مع المرشد والجناح المحافظ  والحرس الثوري، معتبرين مقاربات النظام لمواجهة المحتجين هي  الطريقة الأفضل، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل شاطروا النظام في “وأد الفتنة والمؤامرة الكبرى التي قادتها أمريكا وإسرائيل والسعودية”، وهو نفس التعبير الذي أجمع على استخدامه المرشد وروحاني، وجواد ظريف ومحسن رضائي، وقائد الحرس الثوري   اللواء محمد علي جعفري.

ونحن نتساءل عن الصورة التي بات يقدمها الجناح الإصلاحي ومن والاه عن نفسه داخلياً وخارجياً، حتى يتم التعاطي والرهان عليه لإحداث التغيير المأمول في إيران، خاصة بعد دخوله في سجال  ليس معاكسا مع الثورة والنظام وأدوات الدولة القمعية، لكنه مكمل  لها لمواجهة الاحتجاجات.

من سيدفع الثمن؟

هذه الاحتجاجات الداخلية سيدفع الجناح المحافظ  والإصلاحي ثمنها  الأكيد، فالمواجهة الراهنة في إيران أخذت تداعياتها تتشعب مع ما يجري توظيفه في الداخل لصالح تيار التشدد، الذي بدأ يهاجم روحاني وحكومته، على اعتبارهم المسئولين مباشرة عن التقصير في معالجة مشاكل إيران الاقتصادية, وهو التوظيف الذي سيجهض  حظوظ روحاني في الوصول إلى كرسي الإرشاد, وسيؤدي أيضاً إلى تقليص فرص نجاح رئيس إصلاحي مستقبلاً على الرغم من انعدام فائدته.

فمناخ الترويع الذي تعيشه إيران يتجه نحو التصعيد، خاصة أنه سيتزامن مع زيادة حدة البيئة الصراعية في علاقات إيران مع واشنطن التي تتجه نحو التصعيد.

لا شك أن مصطلح “الفتنة والمؤامرة ” الخارجية كانت الورقة القوية التي استطاع النظام الإيراني بكافة مستوياته، توظيفها لاحتواء الاحتجاجات، والتي استطاع تحالف الإصلاحيين والمعتدلين أيضاً التسويق لها بقوة، وظهرت نتائج هذا الاحتواء واضحة جليّة في إضفاء شرعية على قمع المحتجين، فضلاً عن توظيف أذرع الصحافة الإصلاحية ومواقعها الالكترونية للتبرير  لذلك.

السؤال المطروح: هل من بديل لهذين التيارين المتناحرين ظاهرياً؟ لا شكّ بأننا أمام مؤكدين وثابت:

-المؤكد الأول: يتضمن إقراراً بفشل كل منهما في قيادة البلاد على ضوء ما جرى من تآمر على طموحات الشعب الإيراني.

– المؤكد الثاني: أن ما يحدث حالياً يؤكد  تعثر حكومة روحاني، وهو دليل آخر على وجود قناعة تتزايد يوماً بعد يوم بحاجة إيران  لا إلى تيار أو جناح  ثالث, قادر على أن يقود البلاد ويخرجها مما هي فيه من صراعات داخلية واشتباكات خارجية، بل أن القدرة على التغيير باتت شبه مستحيلة على ضوء هذه المعطيات، وهذا ما تأكد من خلال نتائج هذه الاحتجاجات وتداعياتها.

 لكن الثابت، وما هو أهم، أن كل نظام ولاية الفقيه بات عاجزاً وغير قادر تماماً على تقديم إجابات مقنعة لمئات الآف المحتجين لا من الشباب الإيراني فقط ، بل ومن الشيوخ والنساء، الذين بدوا مقتنعين أنه لا مستقبل لإيران مع نظام ولاية الفقيه الذي تآكلت شرعيته في ظل تعثر السياسات الداخلية، والتداعيات الخارجية المدمرة، وبفعل السياسات العبثية لمؤسسات الدولة والثورة التي أوصلت إيران إلى الحضيض في مختلف المجالات، وما يقلق الإيرانيين أكثر هو ضبابية رؤية مستقبل إيران على ضوء هذه المتغيرات، وضرورة وجود البديل، وهو ما بدا جلياً من خلال الشعارات التي نادت بعودة الملكية لحكم إيران من جديد!

 المثير أيضاً في  موضوع الاحتجاجات أنها لم تعد تؤمن بالبحث عن شخص بديل لتنصيبه، بل بأهمية “كنس” النظام وأدواته  برمتها، ورحيلها، وهذا له مغزاه ودلالاته الخطيرة والمهمة.
ما يهمنا الآن أن النظام يداري نفسه، وبات غير مبال أو غير مُدرك لهذا التطور، فتصريحات خامنئي  عن وجود مضلع تآمري ضد إيران، تمثل محاولة عبثية غبية للهروب إلى الأمام، ومن واقع مرير، لا خلاص سحري له، وقد بات حريصاً على أن يجمع مجدداً كل الأوراق والكروت المحروقة بين يديه، وأن يتحكم في كل سلطات الدولة اعتقاداً منه أن هذا هو الوقت المناسب لحماية الثورة ونظامها السياسي المعرضين للخطر بسبب وجود مؤامرة كونية، هي كالمشجب الذي يعلق عليه النظام كل أخطائه وعثراته.

ما يدركه الجميع الآن أن إيران باتت على أبواب مرحلة انتقال ثوري في أية لحظة, خاصة مع وجود معطيات داخلية دافعة للانفجار، عدا عن احتمالية أن يغادر المرشد خامنئي الحياة، فضلاً عن كثافة ما تتعرض له إيران من ضغوط خارجية.

لا شك أن سياسات خامنئي واسطونات خطاباته المشروخة  المتكررة  الداعية إلى دعم “الاقتصاد المقاوم ونشر الثقافة الإسلامية وتعميقها”، ومطالبة الشعب بأن يكون “ركيزة الشعب المؤمن والثوري، وخندقاً حصيناً يتصدى لأطماع الاستكبار الوقحة”، باتت فاقدة الصلاحية والمنتهية، لأن النظام يعيش معركة كسر عظم مع الشعب الإيراني برمته.
الفشل  في البحث عن مخرج
وسط هذه  الظروف والمتغيرات يبدو أن النظام يتجه نحو “الانتحار الطوعي” مع  غياب الخيارات والبدائل أمامه في ظل التحديات الداخلية والخارجية الهائلة، والمؤكد أن التوافق بين التيارين أو الجناحين ضد الشعب الإيراني وتطلعاته بات مدخلاً مهماً لإعادة انفجار الأزمة مجدداً، ونستطيع القول إنه قد حدث تفاهم بينهما  على إخماد الاحتجاجات مهما كلف الثمن. وما حدث باختصار  شديد هو حرص الجناحين على إقصاء طموحات الشعب وتطلعاته المشروعة في التغيير.

هذا المسعى للتفاهم الداخلي وللتفاعل غير الإيجابي بين الجناحين سيواجه بتحديين أولهما أن الحرس الثوري ومن خلفه صقور الأصوليين والمحافظين مع فكرة أن هذه الاحتجاجات قد شوهت صورة روحاني وحكومته، وهم يتعجلون الخلاص منه، وحرمانه من فرص الجلوس على عرش الولي الفقيه.

وثانيهما: علاقات إيران الخارجية مقبلة بالتأكيد على أيام عجاف مع الطرف الأمريكي، إضافة إلى حالة الاشتباك القوي مع أطراف إقليمية وخاصة السعودية على صعيد العلاقات الثنائية وعلى خط جبهة الأزمات الإقليمية، لكن ما هو أهم من ذلك أن ضغوط الأطراف الخارجية باتت تضع الإصلاحيين والمحافظين في ميزان واحد، وهذا الأمر صحيح بمجمله، ما سيؤدي إلى حشر حكومة روحاني في الزاوية، ومن شأنه أن يُسهم في إضعاف تمكين الإصلاحيين خاصة بعد إعلان ترامب لإستراتيجيته، حيث يحرص الأصوليون والمحافظون معاً على توظيف الضغوط الخارجية لانتزاع السلطة من روحاني ومن الإصلاحيين والمعتدلين عموماً، ما يزيد من حنق الشرائح المؤيدة لهذا التيار، وسيسهم في التعجيل بانهيار الوضع الداخلي الإيراني.

على الجانب الآخر؛ كانت الإدارات الأمريكية وإسرائيل سابقاً تتبنى، إستراتيجية خدمة تيار التشدد في إيران عن عمد، حين تقترب الانتخابات في إيران، وتبدأ حملات الهجوم والانتقاد لإيران، بهدف إعطاء المحافظين أوراقاً قوية لتوظيفها في صراعهم السياسي الداخلي ضد الإصلاحيين، كما أن هذه الضغوط وجدت لها أصداء قوية لدى المتشددين في صراعهم على السلطة مع الإصلاحيين، وتوظف واشنطن من خلاله وصول المتشددين لابتزاز الدول العربية؛ لا سيما الخليجية، وعقد صفقات التسلح، وتعزيز وجودها العسكري، وإشغال العالم العربي عن التعاطي مع القضية الفلسطينية.
الهجوم الضاري الذي شنه المرشد الأعلى علي خامنئي مؤخرا على المثلث التآمري سبقته تهديدات قادة من الجيش والحرس الثوري على السعودية، وتعمد الدخول في صدامات مع الخارج والاحتكاك الساخن معها  للتضخيم من خطورة وجدية التهديدات الخارجية, ومن ثم توظيف هذا المتغير لفرض خيار أن “التشدد هو الحل الأمثل”، وهذا مما سيسرع في عملية الانفجار الداخلي أيضاً.

تأكيدات أمين عام مجلس الأمن القومي؛ الأدميرال علي شمخاني  بأن “طهران سترد على التدخل السعودي في دعم الاحتجاجات ” نموذج واضح على هذا التصعيد، وهذا من شأنه نقل اهتمام الشعب الإيراني للخارج قليلاً ، وهو ما تطمح له طهران الآن.

بالمجمل ما حصل في إيران من تطورات سيحرص المرشد والحرس والتيار المحافظ والأصولي على استغلاله ضد روحاني وحكومته، وتحويل قمع السلطة للاحتجاجات إلى انتصار داخلي يدعم الوزن السياسي للمرشد، وتصويره على أن ما جرى نعمة،  وليس نقمة لإيران؛ لأنه كشف عن العملاء والمتآمرين والخونة، لكن  الهدف النهائي هو إبعاد الشعب الإيراني بأطيافه المختلفة عن أن يكون طرفاً مهماً في تحديد مستقبل النظام السياسي في إيران.

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية- أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية


Comments

comments

شاهد أيضاً

ماهر جعوان يكتب: أحباب القلب خلف القضبان

دمتم بخير وعافية دمتم لدعوتكم فداء ولإخوانكم دواء ولأحبابكم قمرا منيرا وضياء سماء صافية ولقاء …