مجدي مغيرة يكتب: جدال الفراعنة – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / مجدي مغيرة يكتب: جدال الفراعنة
مجدي مغيرة

مجدي مغيرة يكتب: جدال الفراعنة

مجدي مغيرة


عرف الناس نوعين مذمومين من الجدل، وهما:

الجدل البيزنطي؛ وهو نقاش لا طائل تحته، يتناقش فيه طرفان دون أن يقنع أحدهما الآخر، ودون أن يتنازل كلاهما عن وجهة نظره، مما قد يؤدي إلى اختلال في التوازن الفكري لدى أحد الطرفين، أو ربما كليهما.

والجدل السفسطائي؛ ويطلق على أدعياء العلم والفلسفة الذين رغم ثقافتهم الضحلة، لكنهم بارعون في البلاغة والخطابة، يقلبون الحقائق ويخلطون الأمور، وأهم ما يميزهم استعدادهم للنقاش والجدال إلى ما لا نهاية بدون ملل.

ونضيف لهذين الصنفين صنفا آخر وهو الجدل الفرعوني، وهو قديم، وأشد وأنكى من النوعين السابقين!

فالجدل الفرعوني قائم على تكذيب البديهيات التي لا تحتاج نقاشا، وإنكار ما يراه الملايين بأعينهم، وما يسمعونه بآذانهم، والمبالغة في بذل الوعود، ثم المبالغة في عكس ما وعدوا به، والتبرير الفج في كلتا الحالتين.

ففرعون يستدعي السحرة من مختلف الأرجاء، كما يستدعي السيسي المذيعين والفنانين، والخبراء، ويمَنِّيهم بالمال والجاه كما يُمَنِّي السيسي كل من يسير في ركابه بالمناصب والوظائف والتسهيلات والتبريكات.

وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم حين جمع فرعونُ السحرة، وطالبهم بتحدي موسى بسحرهم، وكانت دعاية أنصار الفرعون واضحة بكلام لا لبس فيه ولا غموض ولا تعقيد، فحواه أن السحرة هم رجال فرعون، وسيُظهِرون كذبَ موسى ويبطلون ألاعيبه التي يدلس بها على الناس؛ فقالوا كما ورد في القرآن الكريم في سورة الشعراء: ” وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) “.

ومع كل هذا السطوع، وما إن آمن السحرة لمَّا أدركوا أن حية موسى ليست سحرا ولا ألاعيبَ مثل التي يسحرون بها أعين الناس، فخروا كلهم ساجدين مؤمنين برب العالمين؛ حتى اتهمهم الفرعون بالتآمر مع موسى ضد الأمن القومي للبلاد، كما قال القرآن على لسان الفرعون في سورة الأعراف: ” إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)” ، وكذلك في سورة الشعراء: ” إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (49) “، والعجيب أن الفرعون يتهم موسى بإخراج المصريين من مصر ليسكنها بنو إسرائيل، في حين أن موسى كان يطلب أن يسمح له بمغادرتها، والخروج مع بني إسرائيل ليذهبوا إلى الأرض المقدسة كما في سورة الأعراف:  “قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)” ، لكن الفرعون رفض، ولو أنه سمح لهم بالخروج مع موسى؛ فلربما لم يحدث له ولا للمصريين ما حدث، لكنَّه الكذب القُرَاح، الكذب أمام الجميع، دون خشية، ودون حياء، ودون خجل، وهو يعلم أنه كذاب، ويعلم مناصروه أنه كذاب، ويعلم أن موسى عليه السلام وقومه يعلمون أنه كذاب.

الآن في مصر نعيش فصلا جديدا من فصول الجدل الفرعوني، فالقائمون على الدعاية لصالح السيسي يتحدثون عن إنجازات لم يرها أحد، ووعود لا يبدو لها تحقيق، وينكرون حقائق يراها الناس بالعين المجردة، ويتحدثون عن إرهاب هم من يُصَنِّعونَه في دهاليزهم، يتحدثون وقد اكتست وجوهُهم بكلاحةٍ عجيبة، جعلتهم لا يخجلون من الكذب، ولا يستحون حينما يقولون شيئا، وبعد قليل يقولون نقيضه تماما، يفعلون ذلك في عصرٍ يسجل الناس فيه كل شيء؛ صوتا وصورة، حتى أن البعض يورد لهم كلاما، ثم يرد عليه بكلام آخرَ قالوه هم بذواتهم في وقتٍ سابق، ويبررون ما يقولون بتبريرات فجة لا يستسيغها عقل، ولا يقبلها منطق!

وهنا نتذكر الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد وغيره عن عبد الله بن عمروٍ – رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال :” إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يَبغضُ البليغَ منَ الرِّجالِ الَّذي يتخلَّلُ بلسانِهِ، كما تَتخلَّلُ الباقرةُ (وفي لفظٍ: البقرةُ ) بلسانِها”، وقال بعض شُرَّاح الحديث: ” ومَن اعْتادَ ذَلِكَ فإنَّه يَصْعُبُ عليه الرُّجوعُ إلى الصَّوابِ وإلى إمساكِ لسانِه، حتَّى إنَّه لَيتلذَّذُ بالكلامِ، ويَتشدَّقُ بلِسانِه مُسْتَسِيغًا ومُتلذِّذًا بفَصاحتِه وطلاقَةِ لسانِه”.

وكذلك الحديث الشريف الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إنَّ أخوَفَ ما أخافُ علَى أمَّتي كلُّ مُنافقٍ عَليمِ اللِّسانِ” رواه أحمد بسند صحيح.

وإن تعجبْ، فعجبٌ دفاع بعضهم عما سبق حينما يعجز عن الرد؛ فيبرر قائلا إننا في مرحلة استثنائية؛ لابد منها لأجل بناء البلد، والنهوض بأحوالها!

ولا أدري منذ متى كان الكذب والتدليس والتضليل سببا في تقدم البلاد؟! ومنذ متى كان الظلم والقهر والاستبداد والدم الحرام طريقا لنهوضها؟!

تحدثنا كتب التاريخ أن الصدق والجد والأمانة والإخلاص، ورعاية حقوق الناس هي السُّلَّم الطبيعي لرقي الأمم ونهضة الشعوب، وأن الكذب والخيانة والنفاق هي المدخل الطبيعي لدخول البلاد في الفوضى والخراب، فهل نصدقكم أم نصدق القرآن وتجارب الأمم والشعوب؟


Comments

comments

شاهد أيضاً

ماهر جعوان يكتب: أحباب القلب خلف القضبان

دمتم بخير وعافية دمتم لدعوتكم فداء ولإخوانكم دواء ولأحبابكم قمرا منيرا وضياء سماء صافية ولقاء …