د. نبيل العتوم يكتب: احتراق في عشق الوطن! – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / د. نبيل العتوم يكتب: احتراق في عشق الوطن!
د. نبيل العتوم
د. نبيل العتوم

د. نبيل العتوم يكتب: احتراق في عشق الوطن!

د. نبيل العتوم

احترق جميع طاقم الناقلة في عشق الوطن، نار في روح إيران ..  عناوين رنانة رومانسية تصدرت صفحات جريدة “أبرار” و”إيران” بالأمس، للتعبير عن مأساة غرق ناقلة النفط  “ساتشي”  في مياه  بحر الصين  الشرقي  بعد اصطدامها بسفينة شحن صينية هناك، وتحميل إيران المسئولية للسلطات الصينية في عدم إنقاذ الضحايا، ثم تراجعت بعد التصريح الرسمي الصيني الذي تحدث عن عدم وجود أبسط وسائل السلامة العامة لضمان حياة البحارة، مما أدى إلى تراجع الإيرانيين عن تصريحاتهم، وليحترق طاقم الناقلة كاملاً في عشق إيران!

بمناسبة هذه الحادثة المأساوية, نذكر بسياسات نظام الملالي, المأساوية هي الأخرى, والتي أسهمت في غرق الشعب الإيراني في أتون الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية نتيجة السياسات العبثية التي أدت إلى نشر الفتن والخراب والقتل والتدمير، واستنزاف قدرات الدولة في أتون الأزمات الإقليمية التي أشعلها .

سياسة نظام الملالي التدميرية القائمة على نشر الخراب والقتل والدمار الممنهج استهلكت وما زالت تستهلك ثروات الشعب الإيراني الذي يعاني تداعيات الأزمات، وخاصة الاجتماعية منها؛ كالفقر، الذي بات يطال أكثر من 34 مليون مواطن، إلى جانب معاناة أكثر من 12 مليون إيراني من الفقر الغذائي، وانهيار عملة الدولة ” التومان”، هذا عدا عن ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى أكثر من 23% ، وانتشار الأمراض السارية، وانعدام الرعاية الصحية الكافية، وتفشي ظاهرة الإدمان على المخدرات، وانتشار الدعارة بشكل غير مسبوق، كل هذه المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع الإيراني وغيرها الكثير تُفسر شيئاً واحداً وهو الفشل الذريع  في سياسات الدولة داخلياً وخارجياً، وهي نتيجة حتمية لهيمنة الملالي والحرس الثوري على مفاصل القرار السياسي والأمني والاقتصادي الإيراني.

ما جرى ينبغي ربطه بتصريحات سابقة للنائب عن مدينة طهران في البرلمان؛ علي رضا زاكاني في العام 2015 الذي فاخر أمام جلسة مجلس الشورى الإيراني بسيطرة طهران على أربع عواصم عربية (صنعاء ودمشق وبغداد وبيروت) تبعتها تصريحات حبيب الله سياري الذي كان قائداً للبحرية الإيرانية ثم الآن مساعداً لقائد لجيش الإيراني الذي تحدث في العام 2016 عن إحكام سيطرة إيران على مضيقي هرمز وباب المندب، لدرجة جعلت صناع القرار في إيران يطالبون بتسريع وتيرة الإنتاج الصاروخي وتطوير مدياته، وتطوير برامج إيران التسليحية حتى تستطيع الحفاظ على هذه المنجزات .  

 يبقى السؤال الأهم هو: إلى أي حد أثّر هذا النفوذ الإيراني على احتراق روح ومصير الشعب تحت حكم الملالي وأثر سلباً على تحقيق الأمن والازدهار الاقتصادي والاجتماعي؟

لا شك أن الأزمات الإقليمية وانخراط إيران بها حتى النخاع قد شكّل عبئاً اقتصادياً هائلاً عليها وأن عدم تدخل الولايات المتحدة في الحرب السورية واليمنية ودعم حزب الله وإنشاء ودعم المليشيات الشيعية الموازية طوال السنوات الماضية، شكل فرصة لاستنزاف إيران اقتصادياً, متوقعةً تعويضاً اقتصادياً يليق بحجم تضحياتهم في هذه الأزمات، وهذا ما يبدو أنه لم ولن يتحقق في ظل دخول الروس والأمريكيين في المشهد. وبما أن الدولة الإيرانية على حافة الإفلاس لا يبقى أمامها سوى تصعيد وتيرة الحروب الأهلية في هذه الأزمات  من خلال تأهيل «القاعدة» للدخول على خط المواجهة بعد القضاء على داعش بهدف إجبار الخصوم والمنافسين على الهروب بخفي حنين من الأزمات، وترك الغنيمة، على غرار النموذج الأفغاني.

من هنا, يتعين على إيران تمويل حرب جديدة، وبموازاة ذلك تلعب واشنطن بسلاح العقوبات بشكل تصاعدي، وربما نشهد لعبة جديدة لخفض أسعار النفط، لتلقي هذه المعطيات بتحديات جمة وخطيرة لإجبار إيران على وقف نفوذها والانسحاب، ومنعها من الحصول على موارد إضافية  لتمويل حروب قد يطول أمدها.

إستراتيجياً وسياسياً وأمنياً، الصورة ليست أكثر إشراقاً بالنسبة لإيران، فقد تحولت سورية واليمن إلى دول فاشلة لمصلحة نفوذ أمريكي وإلى حد ما, روسي، وباتت تشكل عبئاً هائلاً على إيران بكل المقاييس، أما العراق ولبنان اللتين قطعت أوصالهما المحاصصة الطائفية، فقد باتتا تعيشان كبرميل برميل يُتوقع انفجاره في أية لحظة.

وللحفاظ على الموضوعية في الطرح والتحليل، يجب القول إن من الممكن للجانب السياسي للسيطرة على العواصم العربية الأربع، دعم إستراتيجية إيران القومية بشكل عاجل لتوظيف دبلوماسية تخادم الملفات في حال قرب مواجهة عسكرية بين أمريكا ترامب  وإيران، بحيث يمكن للأخيرة استخدام أوراقها ومخالبها كقوى فاعلة في المواجهة المفترضة، وهذا ما تفكر إيران في توظيفه فعلياً، ولكن في الوقت ذاته يمكن افتراض أن المواجهة لن تحصل مطلقاً، استنادا للتجربة التاريخية لعلاقات واشنطن مع طهران، لا الآن ولا مستقبلاً، وعليه فإن الأمر قد ينتهي بإيران إلى أن تزرع في العواصم الأربع دون أن تحصد أي مردود سياسي. وللدلالة على ذلك, لم تستطع إيران ترجمة زراعتها في العواصم الأربع لتحسين وضعها التفاوضي بخصوص عدم وجود ملحق جديد للاتفاق النووي، مع الوصول إلى تفاهمات بخصوص البرنامج الصاروخي وعمليات التفتيش المفاجئ لمنشآتها العسكرية، إلى جانب تحقيق تسوية عادلة بخصوص نظرية توقيت ومديات التخصيب، أو ما اصطلح الأمريكيون على تسميته بنظرية ” الغروب”.

وللموضوعية أيضاً، هناك مجموعة من الخسائر التي مُنيت بها  إيران من خلال سيطرتها على العواصم الأربع، وأهمها عدم كسر حالة العزلة السياسية التي تعايشها في المنطقة بعد أن خسرت أمريكا والعرب معاً، لكنها ربحت الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين للمفارقة، من هنا تبنت إيران اليوم إستراتيجية خاطئة تقوم  على زيادة نفوذها من خلال أزمات المنطقة من أجل كسر عزلتها الإقليمية، وهو تفكير ساذج ينم عن سطحية إستراتيجية في التفكير، لأن الرهان على موسكو وبكين وعواصم صنع القرار الأوروبي لا يمكن الرهان عليها استناداً على ما جرى مع عراق “صدام حسين” سابقا.  

علاقات طهران الصراعية باتت  تُشكل عبئاً كبيراً يستنزف الاقتصاد الإيراني، وهذا أسهم بكل تأكيد في استنزاف قدرات العالم العربي، ودخول دول المنطقة العربية؛ لا سيما الخليجية، في تحالفات سياسية وأمنية تحقق مصالحها.

السيطرة عنوة على العواصم الأربع لن تحقق المصلحة الوطنية الإيرانية، وستشكل عبئاً اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، لن تستطيع إيران معه الاستمرار بدعمه أو المحافظة عليه لمدة طويلة، من هنا فإن المشروع  الإيراني في المنطقة العربية يحمل بذور فنائه.

من الواضح أن إيران لم تتعلم شيئاً من تجربة ألمانيا هتلر, ولا الاتحاد السوفيتي الذي حاول بناء مجال حيوي واسع على حساب قدراته وإمكاناته الاقتصادية والعسكرية والسياسية، لكن كلا النظامان انهار؛ الأول عسكرياً والثاني اقتصاديا، وتم تفكيكهما،  فهل من متعظ؟.

  رئيس وحدة الدراسات الإيرانية –  مركز أميه للبحوث والدراسات الإستراتيجية

Comments

comments

شاهد أيضاً

عبد الله النملي

عبد الله النملي يكتب :قضية الشافعي..في الحاجة لحماية الفاضحين للفساد

انتهت منذ أيام محاكمة الدكتور الشافعي، ” طبيب الفقراء “، الأخصائي في جراحة الأطفال بالمركز …