محمود صقر يكتب: “حسن البنا” ورؤيته الفريدة للتراث – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / محمود صقر يكتب: “حسن البنا” ورؤيته الفريدة للتراث
محمود صقر
محمود صقر

محمود صقر يكتب: “حسن البنا” ورؤيته الفريدة للتراث

بقلم: محمود صقر


بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين بدأ العالم الإسلامي يحتك مباشرة مع الغرب من خلال الاحتلال، واكتشف مدى ضعفه وتخلفه أمام الغرب في كل المجالات .
كانت هزة عنيفة للعالم الإسلامي قسمته إلى عدة اتجاهات :
١- اتجاه رأى أن نجاة العالم الإسلامي من تخلفه تأتي بانسلاخه من تراثه الذي يرونه سبب تخلفه، والسير خلف الغرب. وتطرف بعضهم لدرجة أَخْذ الحضارة الغربية : ( خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحَب منها وما يُكرَه، وما يُحمَد منها وما يُعاب.) “طه حسين” (مستقبل الثقافة في مصر).
٢- اتجاه استشعر الخطر من التغريب ، ورفض مستحدثات العصر وتمسك حرفيا بالتراث. وتطرف لدرجة رَفْض المخترعات ونُظُم الحكم واعتبر الديمقراطية كفراً.
٣- اتجاه أراد التوفيق بين الحداثة والتراث.
وهذا الاتجاه استقطب مع مرور الزمن بعض المنتمين للاتجاهين الأولين .
ولكن بقي السؤال الكبير الذي طرحه واحد ممن اجتهد كثيرا في هذا المجال وهو المفكر الكبير “زكي نجيب محمود” :
ماذا نأخذ من التراث وماذا ندع، وماذا نأخذ من الغرب وماذا ندع.؟ 
وقد رد على سؤاله هذا في كتابه (تجديد الفكر العربي):
(نأخذ من تراث الأقدمين ما نستطيع تطبيقه اليوم تطبيقا عمليا فيضاف إلى الطرائق الجديدة المستحدثة.)
وسط هذه الاتجاهات الثلاثة التي أجمع على تصنيفها المفكرون ظهر اتجاه رابع لم يلتفت المصنفون لتصنيفه اتجاه سار فيه الإمام “حسن البنا” وحيداً يشق طريقاً فريداً أسس عليه مدرسته ،قام على فكرة ؛ لا هي إقصاء للتراث ولا رفض للغرب ولا توفيق بينهما .
بل اعتبر أن مصدر تراث الأمة هو: القرآن والسنة ، وما عداهما من شرق وغرب أو قديم وجديد، فهو اجتهاد بشر يؤخَذ منه ويُرَد على قاعدة عدم التعارض مع الأصل.
وبهذا أجاب على السؤال الذي حير أصحاب الاتجاه الثالث : 
ماذا نأخذ من التراث وماذا ندع .؟
وعلى هذه القاعدة حدد موقفه من قبول ورفض القديم الموروث في رسالة المؤتمر الخامس (بتصرف): (إن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو القرآن والسنة ، وإن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها ، لهذا ينبغي أن نستقي النظم الإسلامية من معينها الصافي ، ونفهمه كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح ، ولا نقيد أنفسنا بغير ما قيدنا الله به ، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه ، فالإسلام دين البشرية جميعاً .)
وعلى ذات القاعدة تعامل مع مخترعات العصر ، وبنظرة تقدمية رأت ضرورة المسارعة في امتلاكها وإتقانها وتوظيفها في خدمة الإسلام .
يقول في رسالة دعوتنا: (وسائل الدعاية اليوم غيرها بالأمس ، بالأمس كانت كلمة تلقى في خطبة أو اجتماع، أو تُكتَب في رسالة أو كتاب ، أما الآن فنشرات ومجلات وجرائد ورسالات ومسارح (وخيالات) وحاك ومذياع .. وواجب دعاة الإسلام أن يحسنوا تلك الوسائل جميعا.)
أما موقفه من مستحدثات النظم السياسية، فيقول في رسالة المؤتمر الخامس : (إن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام.)
أما في مجال القوانين فيعود بها إلى الأصل ويقول في رسالة المؤتمر الخامس: (أصول التشريع وجزئيات الأحكام ، سواء أكانت مادية أم جنائية ، تجارية أم دولية فياضة في القرآن والسنة ، وكتب الفقهاء غنية بكل هذه المناحي . ومن غير المفهوم ولا المعقول أن يكون القانون في أمة إسلامية متناقضا مع تعاليم دينها ، مصطدماً بما جاء عن الله ورسوله.)
ويرد على المتغربين الذين ينكرون صلاحية الإسلام لمسايرة العصر في رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، فيقول:
(الإسلام فكرة سامية تحدد الأهداف العليا وتضع القواعد الأساسية وتتناول المسائل الكلية ولا تتورط في الجزئيات ، وتركت معالجة الجزئيات لأهل كل زمان ومكان في ضوء القواعد الكلية ، فهو من المرونة بحيث يصلح لكل زمان ومكان.)
وأوضح رسالته واضحة جلية في رسالة إلي الشباب:
(فكرتنا إسلامية بحتة ، على الإسلام ترتكز ومنه تستمد وله تجاهد وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل . لا تعدل بالإسلام نظاماً ، ولا ترضى سواه إماما ، ولا تطيع لغيره أحكاما.)
تلك هي نظرة الإمام البنا الفريدة في التعامل مع التراث، والتي مازالت منذ نشأتها حتى الآن تتناوشها السهام والحِراب، لأنها طوق النجاة لهذه الأمة ، والأمل في إحياء أمة حملت وستحمل الخير للبشرية .


Comments

comments

شاهد أيضاً

د. سعيد الحاج يكتب: تركيا وفلسطين.. موقف إيجابي يبنى عليه

يحيي الفلسطينيون منذ 70 عاماً ذكرى النكبة مؤكدين تمسكهم بالأرض والحقوق وثباتهم على الثوابت والعهد …