بسام ناصر يكتب: الإسلامي حينما يفتقر إلى دهاء السياسي – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / بسام ناصر يكتب: الإسلامي حينما يفتقر إلى دهاء السياسي

بسام ناصر يكتب: الإسلامي حينما يفتقر إلى دهاء السياسي

بقلم: بسام ناصر


تذهب بعض الكتابات إلى وصف سلوك المؤمنين علي بن أبي طالب في أحداث الفتنة الكبرى بأنه كان مكسوا برداء التقوى والورع، بعيدا عن مسالك الدهاء السياسي ومزالقه، على عكس أداء معاوية بن أبي سفيان الذي كان سياسيا بامتياز، مستجمعا كل مواصفات الدهاء السياسي الذي مكنه في نهاية المطاف من كسب الجولات وامتلاك السلطة.
بصرف النظر عن مدى دقة ذلك التوصيف ومدى انطباقه على علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فإن العمل السياسي بطبيعته صراع على السلطة، وسعي لامتلاكها والانفراد بها، وغالب الصراعات الداخلية تدور على ذلك، «فأعظم خلاف بين الأمة، خلاف الإمامة إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان» كما يقول الشهرستاني في كتابه “الملل والنحل”. 
حينما تكون القوى السياسية قريبة عهد بالدين والتدين، فإنها غالبا ما تبحث عن مسوغات شرعية لأدائها السياسي، وتحرص الحرص كله على صبغها بالصبغة الدينية، فيكثر حينئذ التأويل والتلفيق، ويتم لوي أعناق النصوص الدينية لتبارك سياسات السلطان، ولتضفي عليها شرعية دينية سابغة، إذ إن السلطان بامتلاكه لأدوات السلطة قادر على تطويع الديني لصالحه في أغلب الأحيان.
ولا يبعد انطباق ذلك الحال على الأنظمة السياسية في العالم العربي بعد نشوء الدولة القطرية في مرحلة ما بعد الاستعمار، فهي وإن كانت في ممارساتها السياسية قد حصرت الدين في قوانين الأحوال الشخصية، إلا إنها تحرص على التماس الأسانيد الدينية لسياساتها وقراراتها، وهو ما تتطوع لأدائه طبقة العلماء الرسميين ومن على شاكلتهم من العلماء والدعاة. 
وحينما ولجت بعض الاتجاهات الإسلامية ساحة العمل السياسي، وتمكنت بعد الثورات العربية من تسلم زمام السلطة في بعض الدول، وجدت نفسها وجها لوجه أمام تحديات تولي الحكم وإدارة الدول، والتي كان من أشدها قدرتها على الاحتفاظ بالسلطة التي تسلمت زمامها عبر الانتخابات الحرة والنزيهة، لكن للأسف أسفرت الأمور في نهاياتها عن خسارتها لها، وتلقيها ضربات قاسية وموجعة أفقدتها حضورها الفاعل والمؤثر.
ونظرا لعدم امتلاك تلك الاتجاهات للخبرة العملية في إدارة الدول، وكيفية المحافظة على السلطة، بوضع الحزم في مكانه واللين والتسامح في مكانهما، وعدم التساهل مع المتربصين بهم وبتجربتهم، والركون إلى ظواهر الأقوال والوعود، وغياب مهارات الدهاء السياسي عن سلوكيات الإسلاميين، فقد كان من السهل خداعها وجرها إلى المربع الذي يريده خصومها، الذين يعرفون من أين تؤكل كتف تلك الحركات، وقد كان لهم ما أرادوا. 
وثمة من استدعاه المقام لإجراء مقارنة بين أداء الرئيس محمد مرسي بعد توليه السلطة، وعدم ممارسته لصلاحيته ـ إن كانت لديه صلاحيات حقيقية ـ  في لجم المحرضين على حكمه، وتقليم أظافر المؤلبين على سياساته وقراراته، والتي أفضت بمجملها إلى تقويض حكمه، وبين سلوك الرئيس التركي أردوغان في يقظته التامة لمخططات الانقلابيين وكيف كان أداؤه جادا وحاسما في إجهاض الانقلاب العسكري، وإفشال مخططات الانقلابيين.
وبعيدا عن دقة المقارنة بين الحالتين بمقدماتهما ونتائجهما، فإن ثمة فروقات كبيرة في الأداء السياسي بين الرجلين، بين من يغلب عليه ممارسة السياسة بخلفية الإنسان المتدين وطيبته، وبين من يعرف دهاء الساسة، ومكر السياسيين، وعدم الركون بحال إلى التصريحات المعلنة، والوعود التي يطلقها الساسة، إذ ثمة من يخطط في الخفاء بمكر ودهاء لتقويض حكم خصومه، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا. 
دروس التجربة تقول بأن ولوج الإسلاميين إلى عالم السلطة، تشي بضرورة إتقان مهارات إدارة السلطة والمحافظة عليها، وتقديم الرجال الأقوياء لتولي تلك المناصب والمواقع، بحنكة سياسية، ودهاء سياسي، حتى لا يكونوا إن قدر لهم في قابل الأيام الوصول إلى كراسي الحكم لقمة سائغة يلتهمها خصومهم مع أول فرصة تلوح لهم في الأفق.


Comments

comments

شاهد أيضاً

د. سعيد الحاج يكتب: تركيا وفلسطين.. موقف إيجابي يبنى عليه

يحيي الفلسطينيون منذ 70 عاماً ذكرى النكبة مؤكدين تمسكهم بالأرض والحقوق وثباتهم على الثوابت والعهد …