الاختراق الإسرائيلي لبعض الدول الخليجية – علامات أونلاين
الرئيسية / تقارير ومتابعات / الاختراق الإسرائيلي لبعض الدول الخليجية

الاختراق الإسرائيلي لبعض الدول الخليجية

بقلم: سوسن أبو حمدة*

تمر المنطقة العربية بمرحلة تحول وتغير خطيرة ليس بالإمكان رصد إفرازاتها على المدى البعيد. حجارة ثقيلة تسقطها الطيور الأبابيل على الشعوب العربية كأنها من سجّيل.

لم يعد الشك خطيئة ولم يعد قذفا للمحصنات الجزم بقبول السعودية وحلفائها من العرب الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الموجهة ضد قضايا مركزية عربية ورأسها فلسطين. السؤال الكبير والمباشر هو كيف استطاعت إسرائيل اختراق وتطويع بعض الدول الخليجية لتحقيق أهداف استراتيجية وتاريخية ؟ وكيف استطاعت إقناع حكام مكة وعربهم بالتبرك بحاخاماتها بدل الأقصى؟

النجاح الإسرائيلي في اختراق المنطقة الخليجية ليس وليد اللحظة فالاهتمام الإسرائيلي بالخليج بدأ في مرحلة مبكرة من خمسينيات وستينيات القرن الماضي أيام الشاه رضا بهلوي الذي كان يتمتع بعلاقات حميمة مع إسرائيل ويزودها بالنفط وبعد سقوطه أصبح الخليج أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل للحصول على الطاقة. بعد ذلك جاء انتصار العرب في حرب عام 1973 وكان لاستخدامهم سلاح البترول الدور في لفتِ انتباه إسرائيل لاستراتيجية المنطقة الخليجية وجعلها هدفا للاختراق الإسرائيلي. ولتحقيق هذا الهدف أنشأت إسرائيل مراكز بحث متخصصة بشؤون الخليج دأبت على فهم وتقصي أدق التفاصيل السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة الخليجية لبحث مواطن اختراقها، وحسب دراسات عدة فإن العديد من هذه المراكز يرتبط مباشرة بجهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد ».

لم يعد أهل مكة أدرى بشعابها فإسرائيل باتت أدرى بشعاب أهل مكة وأرضها، وبالتالي ليس من جديد القول إن ثمة قبولا خليجيا للعلاقات مع إسرائيل، فإسرائيل نجحت منذ سنوات في نسج علاقات مباشره مع بعض الدول الخليجية وسرية مع دول أخرى تدور في أروقة أوروبا وأمريكا. وليس خفيا أيضا التطبيع الاقتصادي السري والعلني القائم بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية بقطاعيها العام والخاص تحت غطاء رجال أعمال وشركات عالمية. ولعل المرتبة المتقدمة التي حققتها إسرائيل في اختراق بعض هذه الدول هي في مجال التعاون العسكري والاستخباراتي، فالعديد من الدول الخليجية شاركت إسرائيل علانية بمناورات عسكرية.

الوقائع تُدلل إذا أن مخطط الاختراق الإسرائيلي للخليج نجح بامتياز، وواضح جدا أن إسرائيل تفوقت في التأسيس لنفوذ سياسي واستراتيجي في المنطقة الخليجية، ولعل الأخطر أنها تفوقت بالفصل بين الخليج والمنطقة العربية فغيرت أولويات بعض الدول الخليجية حسب شروط العلاقة مع إسرائيل والاستحقاقات التي تفرضها الأخيرة على هذه الدول ثمنا لاستمرار العلاقة، فهذه الدول كانت غير مستعدة لإقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل علنا قبل تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لكن هذه الأولوية أُسقطت الآن وفقا لشروط العلاقة.
في علم السياسة البراغماتية مشروعة وبالتالي ما الذي يمنع بعض الدول الخليجية من التحرر من العباءة العربية والدخول بعلاقات علنية مع إسرائيل؟

ببساطة يمكن القول بأن المصالح المعلنة لهذه العلاقة هي لجم إيران ومحاربة الإسلام السياسي وخطف ثورات الشعوب العربية الحالمة. أما المصالح الخفية فهي الأعمق وهي دعم التغير المقبل في بعض الأنظمة الخليجية وضمان استمرار بقائها، لأنه في حالة الأنظمة العربية لابد دائما من الضامن أو المُستعمر لحماية وجودها.

حتى نوضِّح الصورة أكثر فإن ما تتعرض له بعض الدول الخليجية من إملاءات لتنفيذ أجندة إسرائيل في المنطقة هو شبيه بحالة الاستعمار الذي لم تخرج من بوتقته الأنظمة العربية حتى الآن، فالمستعمر البريطاني والفرنسي مازال هو الضامن لبقاء العديد من الأنظمة العربية حتى الآن. رأَينا مؤخرا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كيف تحرك وأعاد سعد الحريري إلى بيروت متجاوزا الرغبة السعودية لأن لبنان هي منطقة نفوذ المستعمر الفرنسي. الحال مشابه تماما في المنطقة الخليجية فإسرائيل ومن تحت القناع الأمريكي نجحت في أن تكون هي الضامن لبقاء بعض الأنظمة الخليجية وهذا ما يفسر تنفيذ الأجندة الإسرائيلية بعـباءة خليـجية.

والإشارة واجبة هنا إلى الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق الاختراق الإسرائيلي للخليج، فبعض الدول الخليجية هي منطقة نفوذ أمريكية بامتياز وحقيقةً لا يوجد خط فاصل بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الخليج في ظل هذا الخادم الاستراتيجي الواضح الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل في المنطقة الخليجية، فالولايات المتحدة وبحكم نفوذها على العديد من هذه الدول قررت بأنه حان الوقت لهذه العلاقات العلنية مع إسرائيل وما على هذه الأنظمة إلا الامتثال إن أرادت البقاء.

بذلك نفهم أن القرار الاستراتيجي لبعض الدول الخليجية لم يعد بيدها وما يُتخذ من خطوات سياسية جريئة تتعلق بالقضية الفلسطينية وغيرها من القضايا ليس نابعا من سياسات هذه الدول وإنما بإملاءات أمريكية إسرائيلية.

مرحلة في غاية الخطورة تلُف المنطقة الخليجية وتُفقدها قرارها الاستراتيجي بشكل كامل لصالح أهداف إسرائيل الاستراتيجية. لابد أن هذه الأنظمة تعي تماما أن التحالف مع العدو الإسرائيلي، عدو القومية والجغرافيا، يحمل أضرارا استراتيجية خطيرة على المنطقة الخليجية لا ترتبط فقط بفلسطين التي يقدمونها قربانا لبقائهم، لكنهم رغم إدراكهم هذه المخاطر يختارون البقاء والتحالف مع الشيطان على رماد قومية بأكملها. الأيام هي الفيصل فطيور بني إسرائيل لابد ستحلق يوما فوق أشرف المدن، المدينة المنورة، لتُغرد أن مقامات أجدادها من بني القينقاع والنضير وقريظة كانوا هنا لنرى وقتها كيف سيرد حكام مكة وفقهاء السلطان الذين ابتلع الخوف ألسنتهم وصَلبها.
(*)إعلامية أردنية تقيم في لندن

Comments

comments

شاهد أيضاً

الإحصاء الفلسطيني: مليون 5.9 لاجئ بينهم 39% تحت خط الفقر

أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، اليوم الأربعاء، تقريرًا يستعرض واقع اللاجئين الفلسطينيين بمناسبة اليوم العالمي للاجئين …