حازم عياد يكتب: شرق المتوسط.. حقول الغاز وغياب الرؤية الاستراتيجية – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / حازم عياد يكتب: شرق المتوسط.. حقول الغاز وغياب الرؤية الاستراتيجية

حازم عياد يكتب: شرق المتوسط.. حقول الغاز وغياب الرؤية الاستراتيجية

بقلم: حازم عياد

رغم  التصعيد السياسي والاعلامي بين لبنان والكيان الاسرائيلي المرتبط بحقول الغاز في المتوسط قامت مصر بتوقيع اتفاق لاستيراد الغاز من الكيان الاسرائيلي؛ صفقة احتفى بها نتنياهو المأزوم معتبرا اياها نصرا شخصيا ويوم عيد.

الصفقة تضمنت تصدير 70 مليار متر مكعب من الغاز خلال عشر سنوات بين  شركة “ديليك” الإسرائيلية وشركة «دولفينوس» المصرية بمعدل 7 مليارات متر مكعب في العام الواحد وبقيمة 15 مليار دولار، علما بأن الغاز المستخرج استولت عليه دولة الكيان من حقول الغاز المقابلة لشواطئ فلسطين المحتلة المتداخلة مع حقول الغاز اللبنانية والسورية والمصرية والمتضاربة مع الطموحات الروسية.

المسألة التي اعتبرت عائقا وتحديا للكيان الاسرائيلي يعيقه عن تسويقه للقارة الاوروبية والعالم خشية الملاحقة القانونية التي من الممكن ان يطلقها اللاجئون الفلسطينيون والنشطاء الداعين إلى مقاطعة الكيان، الى جانب الاعتراضات الممكنة من لبنان وسوريا وتركيا التي رفضت بدورها لعب دور السمسار والوسيط لتسييل الغاز على اراضيها او استيراده وتصديره، بل وقفت عائقا امام تطوير علاقة تجارية واستراتيجية بين الكيان واليونان بعرضها الغاز الروسي على اثينا ومد انبوب اسفل البحر المتوسط وايصاله عبر الاراضي اليونان لأوروبا.

المعوقات لا تتوقف عند حدود الإشكالات القانونية والسياسية بل تمتد الى الجانب الامني وخشية الكيان الاسرائيلي من تعرض هذه الحقول وخطوط الامداد ومصانع التسييل لعمليات المقاومة او لمخاطر المواجهة العسكرية الاقليمية؛ ما يعني ان الدولة التي ستتحمل عواقب تأخر التسليم ستكون الدولة المصدرة الى الاسواق العالمية والمالكة لمصانع التسييل وهي على الارجح في هذه الحالة مصر فالكيان لا يرغب ببناء منشآت على البر إنما نقله مباشرة من الآبار وتحميله في البحر الى المستوردين.

فالغاز المستورد من الحقول البحرية المستولى عليها من الكيان كما هو واضح من تتبع الجهود الصهيونية الفاشلة للبحث عن مسوقين وشركاء استراتيجيين كتركيا واليونان من قبل لم يهدف قطعا الى سد حاجة السوق المصري، إنما الى تصديره بعد إسالته في مصر من قبل شركات مصرية الى اسواق الطاقة العالمية؛ ما يجعل الملاحقة القانونية اشد تعقيدا بالنسبة للمعترضين على الاستثمار الصهيوني في الحقول خصوصا من العرب والمسلمين، مهددا باندلاع معركة في البيت العربي والاسلامي الذي يضم الدول العربية المنخرطة في النزاع على حقول الغاز.

المعركة في شرق المتوسط على حقول الغاز وترسيم المياه الاقليمية وتحديد المناطق الاقتصادية الخاصة التي نص عليها قانون البحار عام 1982 في مونتيغو باي (جامايكا) تحمل مغزى استراتيجيا اهم بكثير من مجرد تحقيق التنمية فارتباطها وثيق بالصراعات السياسية في الاقليم وعلى رأسها الصراع العربي الصهيوني الذي انتقلت آثاره الاستراتيجية نحو البحر المتوسط بتأثير من تبني دوله لتعديلات قانون البحار المقرة في مونتيغو؛ لتتحول الى معركة يخوضها وكلاء وشركات بالنيابة عن الكيان الهش قانونيا وسياسيا وامنيا والاهم تاريخيا وفكريا.

الرؤية الاستراتيجية غائبة ومغيبة لتطورات البيئة الدولية ومتجاهلة للحقائق الجيوسياسية، خصوصا ان روسيا تعتبر تصدير الغاز من الحقول التي يسيطر عليها الكيان اعتداء وتهديد لمشروع غاز السيل الجنوبي الروسي الطموح الذي يمر عبر تركيا، هادفاً تصدير الغاز الى البلقان ووسط اوروبا وفرنسا؛ فروسيا تملك الارادة والعزيمة والطموح لمد خط السيل الجنوبي نحو اليونان ووسط وشرق اوروبا وتعتبر اي جهد مضاد ومنافس جزءاً من الاستراتيجية الامريكية لمحاصرتها وخنقها اقتصايا؛ حقيقة تؤكدها تصريحات سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا مستبقا الاعلان عن الاتفاق المصري مع الكيان الاسرائيلي بساعات قليلة بالقول لوكالة صربية «إن مشروع السيل التركي الاستراتيجي لضخ الغاز من روسيا إلى أوروبا عبر تركيا، يعزز من فرص وصول الغاز الروسي إلى دول البلقان»، مضيفا: «نسعى مع الأتراك لزيادة فرص حصول دول البلقان على الغاز الروسي، ولا نخفي ذلك».

روسيا تجد في النشاط الاسرائيلي شرق المتوسط استفزازا كبيرا دفعها لتوجيه قطعها البحرية العسكرية لزيارة الموانئ اللبنانية قبل اسبوعين موحية بدعمها موقف الحكومة اللبنانية المعترض على الاعتداءات الصهيونية على مياهها الاقليمية ومنطقتها الاقتصادية الخاصة، الاهم من ذلك انها تجد في الاتفاق المصري مع الكيان تجاوزا وتهديدا استراتيجيا خصوصا ان مصر اعلنت ان انتاجها من الغاز هذا العام ارتفع من 1.6 مليار الى 5.5 مليارات متر مكعب مع توقعات بأن يرتفع الانتاج المصري الى 6 مليارات متر مكعب العام القادم، عاكسا قدرة مصر على الاكتفاء الذاتي وتجنب الاستيراد؛ فالصفقة مع الكيان تلحق ضرراً بطموحات روسيا وبشكل غير مبرر، الاهم انها تؤذي مصالح لبنان والشعب الفلسطيني، وهنا يكمن سر الاحتفاء الصهيوني باعتباره يوم عيد فهو انجاز استراتيجي يتجاوز حدود الصفقة الثنائية بكثير.

الكيان الاسرائيلي تمكن بهذه الخطوة من تجاوز التهديدات والمعيقات بوضع مصر في الواجهة كمسوق للغاز المستولى عليه من المياه الفلسطينية واللبنانية ناقلا المعركة الى ارض العدو اي الى البيت العربي والاسلامي وحلفائهم الافتراضيين او المستقبليين كروسيا والصين، محققا اربعة اهداف وبضربة واحدة؛ اولها تجنب المواجهة مع روسيا وتجنب الملاحقة القانونية من قبل  الفلسطينيين سواء اللاجئين ام القابعين في قطاع غزة والضفة الغربية والدولة اللبنانية، وتجنب انشاء مصانع وتحمل كلفة البنية التحتية لتسييل الغاز ومخاطره الأمنية واخيرا نقل المعركة الى الساحة العربية، محولا الصفقة الى ثقب اسود يعيق رسم معالم المواجهة مع الكيان للدفاع عن هذه الحقوق فالمواجهة ستكون مع مصر وشركاتها والتهديد سيكون لمصر وأنابيبها ومصانع التسييل فيها، وغرامات التأخر في التسليم لعقود الشحن والتسييل ستقع على كاهل مصر.
الرؤية الاستراتيجية العربية مشوشة والامن القومي العربي مغيب وحمايته امر مستعص، فأي جهد سيتعرض لجاذبية الثقب الاسود الذي سينقل المواجهة الى الساحة الداخلية للعالم العربي والاسلامي مشوها حقيقة الصراع ومعادلاته؛ فتوقيع الصفقة يمثل اختراقا عميقا للامن الاقتصادي والسياسي للعالم العربي والاسلامي مشوها العلاقات البينية بين دوله الاقليمية، ومعيقا إحداث نقلات في التحالفات المستقبلية على الساحة الدولية؛ فالمصالح العربية والمعبر عنها بالامن القومي العربي والرؤية الاستراتيجية مفقودة، ومنساقة بالكامل لمتطلبات مرحلة عابرة جعلتها تابعا للرؤية الاستراتيجية للخصوم وعلى رأسهم الكيان الاسرائيلي.

Comments

comments

شاهد أيضاً

محمد كريشان يكتب: المونديال والسياسة عند العرب

“أنا لبناني، تلعب تونس… أنا تونسي. تلعب المغرب… أنا مغربي. تلعب مصر.. أنا مصري. تلعب …