حازم عياد يكتب: السعودية وثمن الانحياز للرؤية الأنجلوسكسوني – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / حازم عياد يكتب: السعودية وثمن الانحياز للرؤية الأنجلوسكسوني

حازم عياد يكتب: السعودية وثمن الانحياز للرؤية الأنجلوسكسوني

بقلم: حازم عياد

تلألأت عيون تيرزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا وابرقت بعد لاعلان عن اتفاقات وشراكة استراتيجية مع المملكة العربية السعودية تجاوزت قيمتها الـ 65 مليار جنية استرليني؛ اتفاقات شملت تطوير النظام التعليمي السعودي بما يفوق الـ 11 مليار جنيه واخرى استثمارية مباشرة للمملكة العربية السعوية في شركات بريطانية.
السعادة غمرت رئيسة الوزراء البريطانية التي تعول على هذه الاستثمارات لتجاوز ازمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي” البريكست” وكلفه المرتفعة محسنة بذلك شروط تفاوضها مع الاتحاد الاوروبي؛ فالاتفاقات انقذتها من التبعات المالية الخطيرة للانسحاب من الاتحاد الاوروبي دون ان تتحمل تبعات سياسية او ان تتورط في صراعات وحروب معززة الثقة بحكومتها التي عانت خلال الشهور الماضية من انتقادات لاذعة؛ فالخبث الانجلوسكسوني ظهر جليا في مواقف سياسية لن تجد لها ترجمة على ارض الواقع فهي هوائية الطابع.
في المقابل وجدت السعودية في هذه الاتفاقات وسيلة للتعامل مع الانتقادات المتصاعدة في البرلمان البريطاني والساحة الاوروبية لحربها في اليمن ودعمت موقفها في معركتها المندلعة في الخليج في اعقاب ازمة الحصار المفروض على قطر؛ مشعلا ازمة مخملية مكلفة في المنطقة العربية؛ ازمة استنزفت خزائن ومحافظ الدول الخليجية المنخرطة في نزيف مالي لم يتوقف مفاقما ازمة المنطقة العربية؛ ومعززا من مكانة القوى الانجلوسكسونية التي وجدت فيها فرصة كبيرة للاستثمار في عوامل التأزيم؛ فلقاءات ولي العهد الشاب لم تمنع وزير الدفاع البريطاني من مهاتفة وزير الدفاع القطري العطية قبيل لقائه بولي العهد الشاب في لندن.
الانحياز للرؤية الانجلوسكسونية «الامريكية البريطانية» للعالم والاقليم تعد خطوة تكتيكية غير انها تفتقد الى الافق الاستراتيجي المرتبط بالتحولات الدولية والاقليمية؛ والتي تمتد اثارها الى الصين وروسيا والاتحاد الاوروبي؛ مفقدا بذلك الدول العربية القدرة على المناورة وراهنا المستقبل بقدرة القوى الانجلوسكسونية على الخروج من ازمتها المزمنة.
رحلة ولي العهد الشاب الطموح محمد بن سلمان الى امريكا جاءت ضمن جولة شملت مصر وقع فيها على اتفاقات بـ15 مليار دولار تبعها لندن بالتوقيع على عقود بـ 65 مليار جنيه، وستختتم في واشنطن التي ستشهد بدورها شراكات اقتصادية جديدة تضاف الى ما تم توقيعه في الرياض في ايار العام الماضي فاتحة الباب لمزيد من الشراكات الاستراتيجية المكلفة؛ فأمريكا معنية بتدعيم موقفها ومركزها المالي بعد اشعال ترامب حرب تجارية مع القوى الاوروبية والصين واستراليا قبل ايام من زيارة ولي العهد الشاب بتوقيعه على التعرفة الجديدة للحديد والصلب وقيمتها 25% و 10% على التوالي؛ فالسعودية من منظور امريكي تعد حلقة من حلقات المواجهة والحرب التجارية الكبرى التي يخوضها التكتل الانجلوسكسوني «البريطاني الامريكي» ؛ فالخليج العربي مخزون استراتيجي لمواجهة التهديدات العالمية الناجمة عن صعود الصين والقوى الاوروبية المنافسة لامريكا وبريطانيا.
زيارة ولي العهد تسبق اجتماعات دول العشرين (G20) الذي سيعقد في الرياض نهاية هذا العام يضم القوى الاقتصادية الاساسية في العالم؛ فالرياض تعد رصيدا استراتيجيا للقوى الانجلوسكسونية المنخرطة في معركة تجارية وسياسية عالمية؛ اذ تأمل ان يدعم مخزونه النفطي ومواردها بشراكات استراتيجية وصفقات اسطورية في طابعها؛ عاكسة بذلك عمق وضخامة التحولات الدولية والاقليمية والتحديات التي تواجهها بريطانيا وامريكا.
النفقات السعودية والاستراتيجية المتبعة تواجه العديد من التحديات ابرزها كلفها المرتفعة ومردودها المحدود؛ فضلا عن فقدانها لعنصر اليقين في ظل حالة العزلة التي دخلت فيها كل من بريطانيا وامريكا على مستوى التكتلات الدولية؛ فضلا عن النزيف المتواصل الناجم عن الازمة المخملية والحرب في اليمن.
التوجهات المالية السياسية والاستراتيجية الجديدة ستفاقم من عمق الازمة المخملية « الخليجية « اذ ستقابل بجهود مضادة يبذلها الخصوم؛ مرهقة الدول الخليجية في شراكات يصعب الفكاك منها في ظل التحولات الدولية والمعارك التجارية المحتملة؛ اذ ستحول دول الخليج الى كنز استراتيجي عرضة للنضوب تلجا اليه واشنطن ولندن بين الفينة والاخرى لمواجهة التحديات الدولية؛ محولة الخليج العربي الى ساحة للتصارع لا للتنمية والبناء؛ فالدول الخليجية عرضة لتفويت فرصة دولية تمكنها من امتلاك المرونة والقدرة على المناورة بين الاقطاب الدولية الصاعدة على رأسها الصين وروسيا والاتحاد الاوروبي؛ ثمن باهظ لا يمكن تحمل تبعاته على المدى البعيد؛ فالأزمة في النظام الاقليمي والدولي اعمق من ان يتم علاجها بشراكات تقليدية تمثل انعكاسا لما كان قبل اكثر من 80 عاما؛ فالهرم والشيخوخة لم يعد حكرا على بريطانيا بل امتد ليشمل أمريكا ايضا.

Comments

comments

شاهد أيضاً

عمر عياصرة يكتب: ارفضها.. وكلنا معك يا رأس الدولة

يستعد المبعوثان الأميركيان، كوشنير وغرينبلات، للقيام بجولة في المنطقة تشمل الأردن والسعودية وقطر ومصر ودولة …