د. خالد النجار يكتب: معاناة قلم – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / د. خالد النجار يكتب: معاناة قلم
د. خالد سعد النجار

د. خالد النجار يكتب: معاناة قلم

بقلم: د. خالد النجار

«سأخون وطني» كتاب ماتع للكاتب الراحل محمد الماغوط، عرى فيه الوضع العربي الماضي والحاضر والمستقبل، ورغم أن الوضع العربي عريان بالأساس ويبيت أيضا بالعراء، إلا أن قلم الكاتب الساخر أضاف مسحة من الشجن والألم إلى هذا الوضع الكريه لكل نفسي عربي حر، وببراعة فائقة جرح محمد الماغوط الأنظمة العربية المهترئة والمتسترة وراء شعارات: الوطنية، والتنمية، والسيادة، والقيادة الرشيدة.

وفي هذه الأسطر نعيش مع مقتبسات من صفحات هذا الكتاب في محاولة لتجديد الوعي العربي، وتقديم عمل أدبي حكم عليه عمدا بالتهميش والغياب لأنه يسير عكس التيار ويتطرق إلى مساحات حساسة في أنظمة شمولية لا تقبل أي هفوة نقد، ولا تعترف إلا بأقلام التطبيل والتأليه والتوحيد.

  • الشعوب العربية لا تحكمها منذ الخمسينات أجهزة حكم من لحم ودم، بل فؤوس ترتدي القمصان وربطات العنق، تستعمل الهاتف وتحمل الحقائب وتتأبط الملفات، مهمتها أن تقطع كل صلة بين المسئول وشعبه، والطالب وكتبه، والعامل ومعمله، والفلاح وأرضه، والتاجر وزبونه، والكاتب وقارئه، والمطرب ومستمعه، والأب وأولاده، والطفل ودميته، والعصفور وعشه، والعلم وساريته.

وبعد ذلك يحدثونك عن المؤامرات التي تحاك ضد الوطن العربي وقضاياه المصيرية، ترى لو أن مواطنا عربيا ما، ولنفترض أنه سائح أو مستشرق، لبى الدعوات المنهالة عليه للوقوف في وجه هذه المؤامرة والتضحية في سبيل الوطن وقضاياه المصيرية. أفلا يحق له تأمين قوت عائلته من بعده؟ ألا يحق له السؤال كم سعر البطاطا؟ كم سعر دمه؟ كم سعر فلسطين؟ وجنوب لبنان وشمال اليمن؟ وكيف يتم البيع بالكيلو أم بالمتر أم بالجملة؟ ثم ما سر الحوار العربي الأوروبي ومحادثات الحكم الذاتي ولقاءات فيينا والقرار 242 ومن منها ضد القضية ومن منها لصالحها؟ أجبني يا صديقي، أجبني قبل أن أتورط وأستشهد.

  • إذا كان الإنسان هناك «آلة» فبالله عليكم ما هو وضع الإنسان عندنا؟ غزال بري، كمنجة بأيدي أنظمة الحكم، وناي قصبي على شفاة التجار والمتعهدين؟

إنه آلة ونصف. وسيأتي يوم يضطر فيه إلى تركيب عجلات صغيرة لقدميه ويديه ليؤمن حاجياته ومتطلباته. ومقود ومنبه بين كتفيه ليعرف إلى من يتوجه وكيف؟

الإنسان يعمل بكل طاقاته لكي يعيش. والإنسان عندنا يعمل بكل طاقاته ويديه ورجليه وعينيه وأذنيه ولوزتيه ولا يعيش .. آلة؟ ومم تشكو الآلة؟ أنا أتمنى لو أن زوجتي تمسحني بعد كل رواية، وتغطيني بعد كل قصيدة، كما تمسح البوتوجاز بعد كل طبخة، وتغطي التليفزيون بعد كل برنامج.

بل أنا مستعد أن أكون «مكواية» «براية» بشكل رسمي وعند كاتب العدل، لو كانت هناك ضمانة، لأن أقف لا في شارع عام أو حديقة عامة. بل في حاكورة نائية وأقول رأيي كما أشاء بخطاب وزير أو تصريح سفير.   

  • وبعد أن تجمع وتطرح كل ما تسمعه من الإذاعات العربية، والإذاعات الموجهة إلى الأقطار العربية، تخرج بنتيجة واحدة وهي ما من إنسان على الأرض العربية واثق من شيء أو مطمئن على شيء. إسرائيل وحدها واثقة ومطمئنة وتلف ساقا على ساق وضفة على ضفة. المهم بقيت لنا الراحات والخدود والبومات، الصحف الغبراء.
  • كيف يعود الإنسان العربي إلى تراثه قبل ألفي عام وهو لا يستطيع العودة إلى حدود 67 ؟

ثم كيف يعود إلى حدود 67 وهو لا يستطيع العودة إلى بيته إلا بعد مئة حاجز ونقطة تفتيش؟

  • في مرحلة الفطام، وأنا أحبو باكيا وراء أمي المنصرفة عني، وراء الكنس والمسح ونفض الغبار، كنت آكل كل ما تطويه أظافري الغضة من تراب العتبة والشارع وفسحة الدار، ويبدو أنني أكلت حصتي من الوطن منذ ذلك الحين.
  • نحن العرب هل استيقظنا في الأصل حتى ننام؟ إن ما نحتاجه ليس غرف نوم بل غرف استيقاظ، مرايا لرؤية الوجه الممزق والشرف المثلوم لهذه الأمة. أغطية وشراشف لستر عيوبها السياسية وإدارتها الاجتماعية ومخازيها الفكرية والثقافية والأيدلوجية. إن الأمة التي تنام كما يقول «برتراند راسل» هي أمة لا يحق لها حمل هويتها والانتساب إلى ماضيها.
  • عندما تقصد أي دائرة مالية في أية دولة عربية، تقدمية كانت أم رجعية، مع كامب ديفيد أم مع جبهة الصمود، مع الثورة الإيرانية أم ضدها. تنفتح لك كل الأبواب إذا أردت أن تدفع، وتنسد كلها إذا أردت أن تقبض.

ففي الحالة الأولى يعمل كل شيء للترحيب بك وتسهيل مهمتك، ويهب جميع الموظفين والعمال والمستخدمين لاستقبالك وإرشادك والتلطف معك كأنك في مطعم سويسري.

وفي الحالة الثانية، أي عندما تريد أن تقبض ولو تعويضا عن ظهرك المحطم او فخذك المكسور في إصابة عمل تنعكس الآية وتنقلب الصورة عاليها وسافلها: المصعد معطل. والموظف المختص غائب. والذي ينوب عنه مأذون. والموظف الذي كان يجمع ويطرح ويقسم في حالة الدفع الأرقام الألفية في لمحة بصر، تراه في حالة القبض يدقر عند الخمسة وخمسة ويحك وراء أذنيه، ويمسح على رأسه ويفك ربطة عنقه كأنه يعالج أزمة الرهائن.

  • في أوغندا جمعوا المحتكرين والمرتشين والمتلاعبين بقوت الشعب، وساقوهم أمام المارة وجلدوهم عراة في الساحات العامة. ونحن نطالب بالكشف عن أمثالهم في بلادنا وجلدهم على الأقل وهم بالبيجامات.

  

Comments

comments

شاهد أيضاً

د. عمرو حمزاوي يكتب: عن الهجرة كعار والقتل الجماعي كسياسة رشيدة

بات التعامل الهادئ مع تصريحات بعض المسؤولين السياسيين غربا وشرقا من الأمور العسيرة.  حين يصف …