جدل ديني موسمي لا ينتهي! – علامات أونلاين
الرئيسية / دعوة / جدل ديني موسمي لا ينتهي!

جدل ديني موسمي لا ينتهي!

بقلم: بسام ناصر

ثمة لون من الجدل الديني يعرف بطبيعته الموسمية، فكلما حلت مناسبة دينية ما، أو جاء وقت عمل ديني في موسم بعينه، ثار الجدل حول تلك القضايا والمسائل بين المسلمين، ولأنه جدل موسمي فإنه يأخذ صفة التكرار وإعادة إنتاج ما قيل من قبل، والمسلمون المعاصرون عالة فيه على ما قاله العلماء المتقدمون. 
شهر رمضان موسم خصب لذلك اللون من الجدل، فالمسلمون ما زالوا يتجادلون حول شرعية اعتماد الحسابات الفلكية في ثبوت الأهلة، برؤية شهر رمضان، ورؤية هلال شوال، مع أنهم لا يثيرون ذلك الجدل مطلقا حول اعتماد تلك الحسابات في تحديد أوقات الصلاة لسنة كاملة، وهي يأخذون بها كما هي في التقاويم المعدة مسبقا، من غير أن يرصدوا حركة الشمس يوميا، فلماذا يتقبل المسلمون اعتماد الحسابات الفلكية في تحديد أوقات الصلاة ولا يفعلون ذلك في ثبوت الأهلة؟. 
ودائما ما يثور الجدل حول صلاة التراويح، بين من يدعو إلى عدم الزيادة على ثمان ركعات، ويرى أن تلك الزيادة بدعة غير مشروعة، وبين من يصليها عشرين ركعة، وبين من يدعو إلى تقصيرها حتى لا تكون ثقيلة على الناس، وبين من يريدها طويلة لقراءة جزء كامل من القرآن الكريم، وفي رمضان هذا العام كان لوزارة الأوقاف رأي آخر حيث قررت إلزام الأئمة بإقامة التراويح عشرين ركعة، باعتبارها سنة الخلفاء الراشدين، وهو ما لم يلتزم به غالب أئمة المساجد. 
أما مسألة إخراج صدقة الفطر، ففي كل عام يدور حولها جدل ساخن وصاخب، بين من يرى وجوب إخراجها عينا (مواد)، ومنهم من يتشدد فيفتي بتعين ذلك وعدم جواز غيره، وبين من يرى جواز إخراجها نقدا، تبعا لمذهب الإمام أبي حنيفة، وهو جدل تتبعه خلافات عملية في المسجد الواحد، خاصة بين أجيال المتدينين الجدد، الذين يرونها مسألة عظيمة تدل على مدى الالتزام بالسنة عملا وتطبيقا. 
في كل مسائل وقضايا ذلك اللون من الجدل الديني الموسمي، يذهب المتجادلون إلى كتب المتقدمين، فيستخرجون أقوالهم وأدلتهم ويبعثونها من جديد، مع خلو وفاضهم من أخلاق المتقدمين، وافتقارهم – في غالب الأحيان – إلى آدابهم واحترام بعضهم لبعض ، بل ربما كان ذلك الجدل في كثير من تجلياته سببا لإثارة الفتن في مساجدهم، وبعث الضغائن والأحقاد بينهم. 
في خضم ذلك اللون من الجدل الديني الصاخب، تُمتحن أخلاقيات المتدينين، فتغيب قشرة التدين وتظهر بوضوح أعماق النفس البشرية المجبولة على الشح والأثرة وحب الغلبة والانتصار والظهور، أضف إلى ذلك كله عامل البيئة الذي يؤجج تلك الصفات القبيحة ويزيدها رسوخا وانتشارا وعمقا، ولو تنبه المتجادلون باندفاع شديد، وحماس منقطع النظير وكأن الواحد منهم يخوض معركة الإسلام الكبرى، إلى طبيعة تلك المسائل الخلافية لأدركوا أنها من قبيل تعدد الاجتهادات الفقهية السائغة وتنوعها. 
ومن المؤكد المعلوم أنهم لن يتمكنوا من رفع الخلاف حول تلك المسائل، وبالتالي لن يحسموا أمرها وستبقى هي كذلك مهما حاولوا وخاضوا المعارك الجدلية في كل سنة وموسم، فإن المذاهب الفقهية الأربعة ستبقى كما هي محفوظة ولها مراجعها وكتبها وأهلها، ومن أكبر الوهم الذي يشيعه دعاة (فقه الدليل) أنهم قادرون على رفع الخلاف وحسمه، ظنا منهم أنهم يمتلكون الأدلة التي بها يحسمون تلك الخلافات. 
ذلك وهم يردي أصحابه في ضيق الفهم، ويقودهم إلى سوء تقدير الأمور، ويحملهم على إشاعة أفكار تزدري الأئمة وتحط من قدرهم ومكانتهم، حينما يصورون للآخرين أن الفقه المذهبي يفتقر في كثير من مسائله وقضاياه إلى أدلة الشرع الصحيحة والثابتة، وكأن الأئمة الذين أنجزوا ذلك الإرث الفقهي العظيم على مدار القرون المتتابعة كانوا يجهلون تلك الأدلة ولا يعتبرونها في اجتهاداتهم. 
ليت المسلمين المعاصرين وهم يخوضون تلك المعارك الفقهية الموسمية بطبيعتها الجدلية الصاخبة، يتخلقون بأخلاق الأئمة السابقين الذين لم تخرجهم تلك الخلافات عن كونهم إخوة وأئمة هداة مهديين، وليس كما هو حال كثير من المعاصرين في انتفاخهم العلمي الفارغ، ونزوعهم إلى تجهيل المخالف وتبديعه وتضليله، وربما النظر إليه وكأنه لا شيء، تماما كما حكى الله عن اليهود والنصارى حينما وصفت كل طائفة منهما الأخرى بأنها: (ليست على شيء). 

Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد المحمدي المغاوري

سر الصوم وحقيقته

إذا أردنا أن نعرف سر الصوم وحقيقته لابد أن تعرف سر نفسك أيها لإنسان فمن …