د. علي العتوم يكتب: نظرات في كتاب: عبد الناصر كيف حكم مصر لسامي شرف (2) – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / د. علي العتوم يكتب: نظرات في كتاب: عبد الناصر كيف حكم مصر لسامي شرف (2)

د. علي العتوم يكتب: نظرات في كتاب: عبد الناصر كيف حكم مصر لسامي شرف (2)

بقلم: د. علي العتوم

سأتناول في هذا المقال الحديثَ عن حرب حزيران التي كانت هزيمةً منكرة للعرب عامّة ولعبد الناصر وطاقم حُكمه خاصةً، على الرغم مما سبقها من ادّعاءاتٍ ظافرية وقاهرية واستعراضات قُوَىً عسكرية، حتى لكأنّ المراقِب كان يشعر حينها أنّ مصر أعظم دولة في العالم، وأنّ القاهرة تفوق بمكانتها آنذاك واشنطن أو موسكو أو بكّين، وعلى الرغم كذلك مما صاحبها وتَبِعها من تقارير إعلامية تُبيِّن زيفها، ومن تعليلاتٍ للهزيمة لا تخرجُ في حقيقتها عن لعقِ أصحابها ماء وجوههم، ذِلّةً وانكساراً!!.
ولا مَناص بين يدي الحديث عن حرب حزيران هذه، من أنْ أُشير إلى الحرب التي سبقتها وهي حرب 1956م أو ما سُمِّيَ بالعدوان الثلاثي على مصر والذي قاده الفرنسيّون والإنجليز واليهود، إذ في هذه بعض المشابه من تلك، أو صورة سابقة لها ومصغّرة عنها. وهي التي كانت في الحقيقة كذلك هزيمةً ولكنْ مُغلَّفة بالانتصار الكاذب. فمنذُ بدايتها – كما يقول سامي شرف، وهو يتكلم عن قياداتها المصرية -: (انهارت هذه القيادات منذ اللحظة الأولى، وظهر ذلك في القرارات والتصرّفات العصبية والمتضاربة في كثير من الأحيان، وكانت المعلومات العسكرية عن العدوِّ قاصرة، ولم يكن هناك تنسيق في التخطيط أو في التنفيذ أثناء العمليات).
كما كان من المعروف أنّ هذه الدول الغازية، وقد توغّلت في أرض مصر، لم تنسحب إلاّ بطلب من رئيسَي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حينذاك، ولكنْ مقابل شروط قاتلة، وهي وضع قوّات طوارئ دولية بين مصر وإسرائيل، والسماح بالتالي لليهود بالمرور في مضائق تيران التي كانت مغلقة أمامهم قبلها، فكان فتحُها بمثابة منحهم فرصةً للحياة بعد اختناق، كما أنّ قوّات الطوارئ كانت حامية لهم ليبنوا من ثَمَّ قوتهم الحربية على مَهَلٍ وبراحتهم، ومن هنا عندما أعلن عبد الناصر سنة 1967م إغلاق المضائق وإخراج القوّات الدولية – زعماً منه للردّ على عدوان اليهود على سورية – كان ذلك بمثابة إعلان حرب عليهم، لم يتهيّأ لها أو يستعد لا هو ولا غيره.
وفي هذه الأثناء – كما يقول سامي شرف -: (صدر عن العدوّ تصريحان وصلا إلى عبد الناصر، أحدهما أنّه أي العدوّ، سيهاجم سورية ويدخل دمشق ويُسقِط النظام فيها). والآخر من أحد قادته العسكريين (أنّ إسرائيل داخلة المعركة، وأنها ستدمّر أية قوات عربية). ومع إعلان حالة الحرب هذه الصريحة من جانب اليهود، فإنّ عبد الناصر كان يؤكّد – كما يقول سامي شرف – على (أنّ معركتنا دفاعية)!! ولا ينفع سامي شرف ولا مصرَ – وقد أعلن عبد الناصر إغلاق المضائق، وهو بمثابة إعلان حالة حرب على إسرائيل كما يقول محاوِره عبد الله إمام، ويُقرُّه شرف على رأيه – (أنّ الإصرار على إغلاق المضائق كان بأمر من عبد الحكيم عامر) لأنّ القائد الأول والقائد الأعلى والمسؤول رقم واحد الذي يجب أنْ تمرّ عليه أيّةُ أمور صغيرة أو كبيرة من شؤون مصر ولاسيّما في الحرب، هو عبد الناصر لا عبد الحكيم!!
كما لا ينفعه، بل يدِينه ويدِينُ سيّدَه عبدَ الناصر أشدَّ الإدانة، أنْ لا يكون عبد الناصر – كما يقول هو نفسه –: (قد ذهب إلى مقرِّ القيادة العامة للقوات المسلحة للاشتراك في إدارة المعارك)، إذ كان المتصرّف الأول والأخير في هذا الشأن على رأيه – هو عبد الحكيم عامر، وإلاّ لِمَ يقول عبد الناصر، وإسرائيل تعلن الحرب على مصر وغيرها وبعلمه: (إنْ أرادت إسرائيل الحرب، فأهلاً وسهلاً) كما يُقِرُّ شرف، إنْ لم يكن قد قال – وهو الصحيح والمعروف عندما استنكرت إسرائيل إغلاق المضائق، مستخفّاً (ومهنبكاً): (فلتشربِ البحر)، بل قال -: (سألقيها في البحر)!! وكيف وفي خلال هذه الأجواء الملتهبة التي تُقرع فيها طبول الحرب، وقد نَقَضَ عبد الناصر إتفاقياته مع اليهود ومع المجتمع الدولي بإغلاق المضائق وطلب ترحيل قوّات الطوارئ – يسعى لتجنّب الحرب كما يقول شرف، ويعطي لأمريكا وروسيا وفرنسا وسكرتير الأمم المتحدة تعهداً أنْ لا يكون البادئ بها، بل كيف يستنيم لأمريكا ويُصدِّقها وهي أعدى أعداء العرب بأنّها – كما يقول شرف -: (سوف تقف ضد مَنْ يبدأ باستخدام القوة المسلحة، ويبدأ الحرب)؟!
وكيف يسكت عبد الناصر وحاشيته التي تتبعه كما يتبع (عبّادُ الشمس) الشَّمْسَ، عن تجاوزات القيادة العسكرية التي يتولاّها عامر وشمس بدران أثناء الحرب خاصةً في بلاغاتها المُضلِّلة، بل الكاذبة من أنّها منذ الأيام الأولى، كانت قد أسقطت للعدو ثمانين طائرة. وهي بلاغات غير صحيحة كما يقر سامي شرف، ويكتفي فقط إزاء هذا الافتراء الفاضح في أمرٍ جلل بِلَفْتِ نظر وزير الإعلام محمد فائق (أنْ يُراعِي الدقّة بقدْر ما يستطيع في البلاغات التي تُرسَل له من القيادة) بهذه العبارات الرِّخوة الباهتة، فيردُّ هو – بما يصفعهم صفعاً -: (إنّه يلتزم كوزير إعلام ببيانات القيادة العامة)؟!.
وأقول – وقد كنتُ حينئذ في القاهرة لتقديم امتحان السنة التمهيدية من دراستي للماجستير، أسمع من إذاعتها بأنّ مصر قد أسقطت لإسرائيل أربعمئة طائرة لا ثمانين!! بل كيف كان يسكت عبد الناصر أثناء الحرب وقبلها عما يجري في القيادة العسكرية ممثلةً بعبد الحكيم وبدران؟! وسامي شرف يصف عبد الحكيم بما يؤكِّد إهماله بواجبه العسكري، إذ جرت له عادةٌ فيه (أنّه كان يقضي الليل ساهراً والنهار نائماً، لا يذهب إلى مكتبه ليُمارس عمله) مع معرفة عبد الناصر بهذه المعلومة، بل كذلك كيف يهمُّ عبد الناصر أنْ يُسلِّم بدران رئاسة الجمهورية أثناء الحرب، وهو على علم بأنه كان يُدير داخل القوّات المسلحة – كما يقول شرف – تنظيماً خاصّاً به وبعبد الحكيم؟!.
والغريب الذي لا ينقضي منه عَجَبُ العاقل في هذا الشأن، هو: كيف تبقى لعبد الناصر هذه الهالةُ عند سامي وغيره، وقد أكّدَ هو في هذا الكتاب أنّ الفضيحة بدأت مكشوفة تماماً في هذه الحرب وعارية، وأنّه لم تكن هناك حربٌ ولم يكن هناك قتال، مع توفّر السلاح، ومع أنّه قد استشهد من القوات المسلحة عددٌ، ولكنْ بجهدهم الشخصي، إذ كانت (فوقهم قيادة لا تقود)؟! ولا ينفع سامي شرف ولا زعيمَه عبدَ الناصر أنْ يعلِّل موقف عبد الحكيم المتخاذل – على ذمّة سامي وعهدته – بأنّه لم يكنْ يطوِّر نفسه منذ كان في موقعه، مع أنّ عبد الناصر كان يريد لمَنْ يعمل معه أنْ يطوِّر نفسه عسكرياً وثقافيّاً، ولا أنْ ينسب له ولشمس بدران تهمة التآمر على قلب نظام الحكم، مما أدّى لمحاكمته التي انتهت بانتحاره بسُمٍّ تحسّاه!!.
كما لا ينفع سامي شرف ولا زعيمَه ولا أتباعَه جميعاً أنْ يعلِّلوا أسباب هذه الهزيمة المُنكَرة أنها كانت عقاباً من أمريكا لمصر لاهتمامها ببرنامج العمل القومي ودأبها في عملية التصنيع والتحدّي، وسعياً منها للحيلولة دون قيام وحدة بين مصر وسورية مرة أخرى، كما يقول سامي شرف، كما لا ينفع عبدَ الناصر اعتذارُه عن هذه الهزيمة المدوّية وإعلان تحمّله المسؤولية كاملة عمّا جرى فيها، وإعلان استقالته واستخلافه زكريا محي الدين، لتكفَّ أمريكا عن عدائها – كما يقول هو – لأنّ شغلها الشاغل (كان العمل على إسقاط النظام وإسقاطي)!!!
وما أرقعها من تعلاّتٍ واهية وأصقعها من حُجَجٍ واهِنة لأسباب هذه الهزيمة الشنعاء، والتبجّح بالتمدح بالذات وبنظام خَسِرَ في كُلِّ حروبه مع أعداء الأمة، وكان مثالاً للتسلُّط والدكتاتورية . أمّا إعلان الاستقالة فكانت مسرحية مكشوفة، إذ لو كان فيها صادقاً لاستمرّ على قراره، فإنّ إعلان تحمل المسؤولية عن هزائم مُهْلِكة بالاستقالة لا تجدُ بنكاً سليماً يصرفُ (شيكها) الزائف، إذْ أنَّ صرفها الحقيقي هو بالإصرار عليها، ومن ثَمَّ بالمحاسبة لا بالتظاهر بالإعلان عنها واستخلاف آخر كما يقول (وطنيّاً شريفاً يتولى الأمور لعله يستطيع أنْ يتجاوب مع أمريكا). وكيف يكون وطنيّاً شريفاً مَنْ تقبلُ به أمريكا؟! وإذا كانت لا تقبلُ بعبد الناصر وزكريا من أخلص رجاله، فكيف تقبل به؟! .
ومما يدل على أنّ الاستقالة عملية تمثيلية أنّ الوزراء اجتمعوا في دار الحكومة وطلبوا من زكريا أنْ لا يقبل بالأمر، وهم الذين صاغوا البيان الذي يعتذر فيه عن تسلّم هذا المنصب كما يقول سامي شرف نفسه. ولقد شهدتُ بنفسي في بعض شوارع القاهرة آنئذٍ صوراً من تمثيلية الاستقالة قام بها نفر من أعضاء الاتحاد الاشتراكي حزب الريِّس وهم يهتفون في شوارع القاهرة (لا دراسة ولا تدريس، إلا بعودة الرئيس) دون أنْ يستجيب لهم من عامة الناس إلاّ أقل القلّة!! .
إنها التمثيلية ذاتها التي قام بأدوارها تلميذه الصغير معمّر القذافي بعد ثلاث سنوات من ذلك، ثم عاد عنها بعد حشد بعض العامة في الطرقات أو أمام القصر الجمهوري في طرابلس ونفر من عيونه ومخابراته، تماماً كما فعل رمزه الكبير قبله. ولقد تسنّى لي أنْ أشهد مسرحية طرابلس، كما شهدتُ مسرحية القاهرة، إذ كنتُ في هذه أدرسُ الماجستير وفي تلك أُدرِّسُ العربية في ليبيا ما بين سنتي (1969 – 1971م).
يتبع …

Comments

comments

شاهد أيضاً

د.عزالدين الكومى يكتب: صاحب عمارة يعقوبيان… وعقدة الحجاب!!

يبدوأن اشتغالة الحجاب، لم تقف عند حد خلع حجاب المشخصاتية، ولا هجوم “خالد أبوالنجا”على الحجاب، …