حازم عياد يكتب: هل تحولت رياح التغيير الأمريكية إلى إعصار مدمر للناتو؟ – علامات أونلاين
الرئيسية / مقالات / حازم عياد يكتب: هل تحولت رياح التغيير الأمريكية إلى إعصار مدمر للناتو؟

حازم عياد يكتب: هل تحولت رياح التغيير الأمريكية إلى إعصار مدمر للناتو؟

بقلم: حازم عياد

برلين أسيرة موسكو”.. تصريح مثير جدا للرئيس الامريكي دونالد ترمب قبيل اجتماع قادة دول تحالف الناتو في بروكسل، مبررا ذلك بأن “ألمانيا تدفع مبالغ طائلة لروسيا مقابل الحصول على الطاقة”، لغة جديدة على قادة حلف الناتو الذين يترقبون قمة هلسنكي بقلق كبير، قمة ستجمع ترمب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فتصريحات ترمب تتساوق مع توجهاته الجديدة للتعامل مع روسيا بشكل ثنائي بعيدا عن الحلف، وهواجس دوله، وعلى رأسها الاوروبية تجاه روسيا.
ترمب يحاول تبرير نزعته الجديدة في التعاطي مع روسيا باتهام اعضاء الناتو بإقامة علاقات ثنائية خاصة، بعيدا عن مصالح الدول الحليفة في الناتو، مبررا بذلك نزعته الجديدة، ومبرئاً نفسه من اتهامات خصومة في الداخل والخارج بالمسؤولية عن تردي واقع الحلف وتدهوره.
ذهب ترمب أبعد من ذلك؛ فالعقوبات الاوروبية التي تورطت فيها امريكا على روسيا بضغط من القوى الاوروبية لا معنى لها في ظل المصالح الاقتصادية التي تربط روسيا بعدد من دول غرب اوروبا التي تعتمد ويزداد اعتمادها على الغاز والنفط الروسي، وعلى رأسها ألمانيا.
تصريحات ترمب في بروكسل سبقتها تصريحات استفزازية، ولكنها اكثر وضوحا في كندا؛ اذ طالب دول القمة الاقتصادية السباعية (G7) بعودة روسيا لعضوية المجموعة لتصبح مرة اخرى (G8) وهو بذلك يلمح الى امكانية وقف او تخفيف العقوبات على موسكو، رغم استمرار الجدل حول الازمة الاوكرانية، وسيطرتها على شبه جزيرة القرم.
ترمب يزداد وضوحا يوما بعد يوم، ويمارس ضغوطا متزايدة على دول القارة الاوروبية وعلى رأسها ألمانيا للاستجابة لتوجهاته الاقتصادية الجديدة والاستراتيجية ايضا تجاه روسيا، مهددا حلف الناتو بالتفكك؛ فالموقف الاوروبي من روسيا لا يقتصر على المانيا بل بريطانيا وفرنسا، خصوصا ان المانيا وبريطانيا ومن ورائهم فرنسا يملكون هواجس قوية تاريخية وجيوسياسية تجاه روسيا؛ اذ تزداد الامور حساسية بالعودة الى التاريخ، ومشاركة هذه الدول كطرف في الصراع على شبه جزيرة القرم قبل قرن ونصف من الآن؛ فالتاريخ حاضر، والجيوبولتيك (الجغرافيا السياسية) والاهم الهواجس والمصالح الحيوية لهذه الدول المنقسمة على ذاتها والتي يزيدها انقساما الموقف الامريكي ممثلا بالرئيس ترمب وحاشيته.
الاكثر تعقيدا في الموقف الجديد تمدد النفوذ الروسي غرب اسيا في سوريا نحو لبنان والعراق وتركيا وايران، مناطق خاضت فيها القوى الدولية صراعات دامية خصوصا الاوروبية، لا ينتهي الامر عند هذا الحد بل يظهر الكيان الاسرائيلي على رادار الازمة السياسية المتشكلة؛ فموسكو تحولت الى محج حقيقي لا لقيادات الدول في غرب اسيا فقط بل لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي لم يكد شهر يخلو من زيارة خاصة الى موسكو، لمناقشة الملف السوري والملف الايراني تحديدا.
الكيان الاسرائيلي بات معنيا بإيجاد ارضية مشتركة بين موسكو وواشنطن للوصول الى تفاهمات تتعلق بالنفوذ الايراني في سوريا؛ مسألة على الرغم من خطورتها بالنسبة لطهران الا انها تثبت القيمة الفعلية لطهران، والاهمية الاستراتيجية لدورها في سوريا بالنسبة لموسكو المستفيد الاكبر من السلوك السياسي والعسكري الايراني.
الكيان الاسرائيلي بات جزءاً من المشكلة بالنسبة للقوى الأوروبية التي تخشى تفكك تحالف الناتو (NATO) وتفكك اتحادها الاوروبي (EU) وترى في هذه التحولات مصدر تهديد حقيقياً دفع كلاً من بريطانيا وفرنسا والمانيا الى التفكير في قوة مشتركة رغم الخلافات التي تجمعهم حول البريكزت (الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروبي) لمواجهة هذه التحولات، والاهم من ذلك ان هناك أملاً أوروبياً متبدداً بإمكانية قيام الدول العربية بمواجهة النفوذ الروسي في المنطقة بل التعويل الحالم احياناً على القوى السياسية الفاعلة للعب هذا الدور؛ اذ ان العديد من الدول العربية بدأت تظهر انفتاحا على موسكو بما فيها الرياض وابو ظبي الى حد الحديث عن وساطات لعبتها هذه الدول بين ادارة ترمب وحملته لتطوير العلاقة بين القطبين.
في كل الاحوال العالم يشهد تحولات عميقة ستجعل من الصعب على دوله ونخبه العودة به الى الخلف؛ فأمريكا يحركها الهاجس الصيني، وتسعى الى فصل موسكو عن بكين، وتحميل موسكو جزءاً من العبء في غرب آسيا وشرق اوروبا على حساب حلفائها التقليديين في القارة الاوروبية؛ ما يعني ان حلف الناتو لم يعد يواجه رياح التغيير القادمة من امريكا بل إعصاراً من الممكن ان يجتثه من جذوره!

Comments

comments

شاهد أيضاً

د. نبيل العتوم يكتب: إيران مستعدّة للتفاوض حول اليمن

يقول المبعوث الأممي إلى اليمن “مارتن جريفيث” إنّ منفذ إدخال المساعدات (ميناء الحديدة) بدأ بالسقوط …