الرئيسية / دعوة / ليلة النصف من شعبان

ليلة النصف من شعبان

بقلم: عبدالوهاب عمارة


 مغفرة الذنوب (طهارة قبل التزين)

« إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ » رواه ابن ماجة عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ والبيهقي وقال هذا مرسل جيد, والطبراني في الأوسط, وابن حبان في صحيحه, وصححه الألباني وقال شعيب الأرناؤوط : حديث صحيح بشواهده.

« يَطْلُعُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُمْلي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدْعُوهُ». حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ رواه الطبراني في الكبير, والبيهقي, وقال الألباني صحيح لغيره.

هي فرصة تاريخية لكل مخطئ ومقصِّر في حق الله ودينه ودعوته، ولكل من وقع في معصية أو ذنب مهما كان حجمه، هي فرصة لكل من سولت له نفسه التجرؤ على الله بارتكاب معاصيه, هي فرصة إذاً لإدراك ما فات, وبدء صفحة جديدة مع الله تكون ممحوة من الذنوب وناصعة البياض بالطاعة. 

احرص أخي المسلم على أن لا يدخلَ عليك رمضان إلاّ وأنت طاهِرٌ نقيّ، فإنّ رمضانَ عِطر، ولاَ يُعطَّرُ الثّوبُ حتى يُغسَل، وهذا زمنُ الغسل، فاغتسلوا من درَن الذنوب والخطايا، وتوبوا إلى ربكم قبل حلول المنايا، اتّقوا الشركَ فإنه الذنب الذي لا يغفره الله لأصحابه، واتَّقوا الظلم فإنه الديوان الذي وكله الله لعباده، واتقوا الآثام فمن اتقاها فالمغفرة والرحمة أولى به.

يا من للناس عليك حقوقٌ، أدِّ الحقوقَ لأصحابها.

أيها العاق لوالديه، ائت مرضاةَ الله من أبوابها، وإن رضا الله تعالى في رضا الوالدين، وسخطه تعالى في سخط الوالدين.

أيها الشاب الواقع في المعاصي، اعلم أن الشيطان لن ينتصر عليك بإيقاعك في المعاصي، وإنما ينتصر عليك بتقنيطك وتيئيسك من رحمة أرحم الراحمين وبتسويف التوبة وطول الأمل.

احذر الشرك بالله

يجدر بالمؤمن أن يتخلي عن الشرك المحبط لكل عمل وهو مقبل علي رمضان فقد قال تعالي {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الزمر:65)

وللشرك صور منها الاتباع أي لغير منهج الله؛ روى الترمذي وحسنه, وحسنه الألباني ورواه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَفِى عُنُقِى صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ « يَا عَدِىُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ». وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِى سُورَةِ بَرَاءَةَ {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة:31) قَالَ « أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئاً حَرَّمُوهُ»

ومن النص القرآني الواضح الدلالة؛ ومن تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين، تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة:

– أن العبادة هي الاتباع في الشرائع بنص القرآن وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم, ومع هذا فقد حكم الله سبحانه عليهم بالشرك في هذه الآية وبالكفر في آية تالية في السياق لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها فهذا وحده يكفي لاعتبار من يفعله مشركاً بالله، شركا يخرجه من عداد المؤمنين.

والنص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله، بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم واتبعوه، والنصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقاداً وقدموا إليه الشعائر في العبادة؛ فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركاً بالله.

ويتحقق الشرك بالله بمجرد إعطاء حق التشريع لغير الله من عباده؛ ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته؛ ولا تقديم الشعائر التعبدية له .

إن دين الحق الذي لا يقبل الله من الناس ديناً غيره هو «الإسلام».. والإسلام لا يقوم إلا باتباع الله وحده في الشريعة – بعد الاعتقاد بألوهيته وحده وتقديم الشعائر التعبدية له وحده, فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة الله صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون بالله – مهما كانت دعواهم في الإيمان – لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون الله، بغير إنكار منهم.

 إن مصطلح « الدين » قد انحسر في نفوس الناس، حتى باتوا يحسبونه عقيدة في الضمير، وشعائر تعبدية تقام! وهذا ما كان عليه اليهود . إن المعنى الأول للدين هو الدينونة أي الخضوع والاستسلام والاتباع وهذا يتجلى في اتباع الشرائع كما يتجلى في تقديم الشعائر.

والأمر جد لا يقبل هذا التمييع في اعتبار من يتبعون شرائع غير الله مؤمنين بالله، مسلمين، لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية الله سبحانه ويقدمون له وحده الشعائر .. وهذا التمييع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة؛ وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه؛ الذين يحرصون على تثبيت لافتة «الإسلام » على أوضاع، وأشخاص، يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون دين الحق، وأنهم يتخذون أرباباً من دون الله .. وإذا كان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافتة الإسلام على تلك الأوضاع وهؤلاء الأشخاص؛ فواجب حماة الدين أن ينزعوا هذه اللافتات الخادعة؛ وأن يكشفوا ما تحتها من شرك وكفر واتخاذ أرباب من دون الله .

هو لا يمزق المصحف ولا يحرف آياته بالمحو أو بالتبديل كما فعل اليهود والنصارى ولكن يمحوها أو يبدلها من قلبه فلا وجود لها في حياته أو معاملاته {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (النساء:65)

فمن يحرم وارث من ميراثه ومن تحرم علي زوجها الزوجة الثانية وتعتبرها خيانة ومن يستحل لنفسه في التجارة ما حرم الله ومن يستحل لنفسه الربا؛ أليس هذا تبديل لما شرع الله, وعبادة للهوي والعقل؟! وقس علي ذلك في الاقتصاد والسياسة و …..

والشك شرك أكبر وهو عبادة غير الله وشرك أصغر وهو الرياء.

 سلامة الصدر

و(ليس أروح للمرء، ولا أطرد لهمومه، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب، مبرأ من وساوس الضغينة، وثوران الأحقاد، إذا رأى نعمة تنساق لأحد رضي بها، وأحس فضل الله فيها، وفقر عباده إليها، وذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِى مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ . فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِى فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ » . رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ الْبَيَاضِىِّ , وإذا رأى أذى يلحق أحدا من خلق الله رثى له، ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه.. وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة، راضيا عن الله وعن الحياة ، مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى، فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء، وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب

المغشوش، كما يتسرب السائل من الإناء المثلوم!

وما أدراكم ما الشحناء؟ شرها عظيم, ووبالها يعم ولا يخص, روى البخاري عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ خَرَجَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ « خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ ، فَرُفِعَتْ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْراً لَكُمْ ،فَالْتَمِسُوهَا فِى التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ »

ضرر سقم الصدر علي نفسه

روى الترمذي وغيره وحسنه الألباني عن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّامِ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ « دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِىَ الْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ»

روى البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَىْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ»

فها هي فرصة لمحو الأحقاد من القلوب تجاه إخواننا، فلا مكان هنا لمشاحن وحاقد وحسود، وليكن شعارنا جميعا قوله {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحشر:8-10)

وبال الضغينة والشحناء

ثمرة خبيثة من ثمار الغضب, وتطور طبيعي لمرض خبيث اسمه الحقد, ومرض خطير ينهش في جسد مجتمع فقد مناعته أو كاد، أمام سيول من رذائل تعيش بيننا, وكأنها وجدت وطنًا حنونًا يحتضنها ويربيها وينمِّيها.

أصاب أول ما أصاب ابن سيدنا آدم عليه السلام “قابيل”، الذي لم يتحمل أن يتقبَّل الله قربان أخيه ويرفض قربانه؛ فاشتعل فؤاده، وعمي بصره، وملك عليه الغلُّ مشاعره، وقرر أن يرتكب جريمته؛ لتصبح أول جريمة قتلٍ في تاريخ البشرية.. قتل سدس البشر.. وأقرب الناس إليه.. أخيه “هابيل .

وفي آيةٍ بينة من سورة “المائدة” يتضح لنا الفارق الرهيب بين نفسية الحاسد القاتل والمحسود المقتول؛ حيث يقول عزَّ من قائل على لسان هابيل لأخيه: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (المائدة:28)  

ومع هذا التصريح الرقيق الذي يُعلي قيمة الأخوَّة، ويرقُّ له قلب القاسي العنيف؛ لم يرِقَّ له قلب أخيه أقرب الأقرباء إليه بعد أمه وأبيه، وأبلغ القرآن في الوصف مرةً أخرى، فقال: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ } (المائدة:30)

وفعلها بعده إخوة يوسف..{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} (يوسف:8-9) فانظر كم يضيع على نفسه من الخير من يحمل في قلبه الحقد والحسد والغل؟!

نبي الله يوسف عليه السلام

قصته مع إخوته أنموذج رائع لسلامة الصدر فبعد أن ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه ودخوله السجن إلى غير ذلك مما هو معروف مكن الله له وجعله على خزائن مصر فلما ترددوا عليه وعرفوه قالوا: (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ). فما كان منه إلا أن قَال: ( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ), ما حمل غلا. ثم لما جاء أبوه مع إخوته: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف100), فلم يقل (أخرجني من الجب) كي لا يُخجلهم (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ)، ولم يقل رفع عنكم الجوع والحاجة حفظًا للأدب معهم. (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) فأضاف ما جرى إلى السبب ولم يضفه إلى المباشر (إخوته).

إن الحسد أن تكره النعمة التي أنعم الله بها على غيرك وتحبَّ زوالها، ولو تمكَّنت من إزالتها لأزلتها.

الحسد مرض اجتماعي نفسي رهيب، يتألف من عناصر أربعة في الغالب: الحاسد، والمحسود، ونعمة أنعم الله بها على المحسود، وفي الغالب مجال مشترك بين الحاسد والمحسود؛ فالطبيب يحسد زميله الطبيب، والمهندس يحسد زميله .. وهكذا.


Comments

comments

شاهد أيضاً

إجلال الله عز وجل (1)

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَ مِنْ إِجْلَالِ …