الرئيسية / دعوة / صوم رمضان ..  الغاية والوسيلة

صوم رمضان ..  الغاية والوسيلة

بقلم: د. إبراهيم التركاوي


تدبرت آيات الصيام من زوايا عدة, بيد أني أقف عند زاوية واحدة – في هذه المقالة – ألا وهي زاوية: الغاية والوسيلة .

ولن تتجلي لنا هذه الغاية والوسيلة الموصلة إليها إلا إذا استشعرنا عظمة هذا الشهر عند الله, فهو الشهر الوحيد, دون سائر الشهور, المذكور بصريح الاسم في القرآن الكريم, وخصه الله بخير كتاب أنزل, وجعل ليلة نزوله خير الليالي على الإطلاق, فهي خير من ألف شهر.

ولأهمية هذا الشهر عند الله خصه بجزاءٍ لم يتوفر لشعيرة أخرى من شعائر الإسلام, بل تولى جزاء الصائمين فيه بذاته – سبحانه وتعالي – دون سائر العبادات؛ قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا: ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) متفق عليه واللفظ للبخاري.

ومن أجل هذا الشهر, وما أنزل فيه من القرآن, فتحت الجنة أبوابها, وغلقت النار أبوابها .. كما جاء في الحديث الصحيح: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ) متفق عليه.

إلى آخر ماجاء في فضل هذا الشهر وعظمته.

ومن أهم ما يجلي هذا المعني, موقف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في الثلاثين من شعبان ( ليلة رمضان) خطيبا في الناس, ووجهه يتهلل بالبشر والسرور: ( جاءكم شهر رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله) رواه الطبراني في الكبير.

فإذا استشعرنا عظمة هذا الشهر, وفضله, فلا بد أن نستقبله بوضع هدف أو غاية تليق بمكانته وجلاله, وأن نسلك الطريق الذي يبلغنا هذه الغاية. ومن رحمة الله بنا أنه لم يتركنا لأنفسنا, في تحديد الغاية والوسيلة إليها, بل حدد الغاية والوسيلة معا, وبيّنهما في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) البقرة١٨٣.

إذن, الغاية هي التقوى والوسيلة إليها هي الصيام: عندما يخرج الصائم وقد نال غاية (التقوى) بعد ما حبس نفسه لله  وحده عن الحلال, مؤثرا مرضاته, مراقبا إياه, واجدا لذته وأنسه في طاعته, مالكا ذاته, مستشعرا رجولته, مستعليا على أعتي شهوات الأرض, متحررا من سلطان شهوته, ومن سجن غرائزه ..  فمن مثله, وقد أصبح عبدا لله – ولله وحده – وسيدا لما بعده, شفت نفسه وعلت روحه, مبصرا موضع قدمه في الظلمات, سالكا طريقه بين الأشواك, شأنه كما قال ابن المعتز:

خل الذنوب صغيرها وكبيرها, ذاك التقي

واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

هذا غيض من نضح فيض التقوى (الغاية), والوسيلة (الصيام) الموصلة إليها, لكن لما كانت الوسيلة يحتاج سالكها إلي نور وهدى ليبلغ غايته, بين الله ذلك في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) البقرة ١٨٥.

فنحن نصوم هذا الشهر احتفاء بالقرآن الذي أنزل فيه, ليكون هدى, وبينات من الهدى والفرقان, نبصر به طريقنا, ونهتدي به في كل أمور حياتنا, فلا نضل بعده ولا نشقى, وتلك هي الحقيقة التي استقرت مع نبي الله آدم في الأرض (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) طه ١٢٣ـ١٢٤  .

إن ملكة الفرقان, والتمييز بين الحق والباطل, والخروج من التيه لا يكون إلا بهدى القرآن. عن علي كرم الله وجهه, قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: ( ستكون فتن كقطع الليل المظلم, قلت: وما المخرج منها يارسول الله, قال: كتاب الله, فيه نبأ ماقبلكم، وخبر مابعدكم، وحكم ما بينكم .. من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. هو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق علي كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه .. من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن دعا إليه هدي إلي صراط مستقيم) أخرجه الترمذي والدارمي, وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة, بيد أن معناه صحيح.

وهذا هو السر العجيب في ربط الرسول صلى الله عليه وسلم الصيام بالقرآن كما جاء في الحديث: عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه, ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، فيشفعان ) رواه أحمد بسند صحيح.

فإذا استعلت الأمة – أفرادا وجماعات – على شهواتها بالصيام, وأضاءت ليلها بالقرآن, وبددت ظلمات جهلها بتدبر آي الفرقان, أتم لها فرحتها, وأجاب لها دعوتها, وأنار لها بصيرتها, وبلغها غايتها .. ولذا ختمت آيات الصيام بقوله تعالي: وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة ١٨٥ـ١٨٦

لقد التحمت الأرض بالسماء بعد ما اهتدى أهلها بهدى السماء.


Comments

comments

شاهد أيضاً

إجلال الله عز وجل (1)

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَ مِنْ إِجْلَالِ …