آلاف السوريين .. ضحايا مافيا الاتجار بالبشر في أوروبا

مآسي اللاجئين لا تقتصر على قصص الموت المعلن يوميا على شاشات التلفزيون، حيث يتم انتشال جثث كثيرين منهم، سواء من حطام المراكب الغارقة أو من لفظهم البحر إلى الشواطىء، فآلاف الأطفال من اللاجئين يرحلون تاركين وراءهم حلم الوصول إلى “الجنة الأوروبية”، دون مرافقة ذويهم, معرضين لخطر الوقوع فريسة لعصابات الجريمة المنظمة التي باتت تنشط في هذا المجال.

الاتجار بالبشر في أرقام

تنتشر جريمة الاتجار بالبشر في أوروبا، على نطاق واسع، ويقدر عدد الضحايا سنوياً، بنحو 70,000 إلى 140,000، ومن بين كل 5 ضحايا، يتم الاتجار بـ4 أشخاص لأغراض الاستغلال الجنسي.
ففي عام 2013، أعلن عن 61 حالة للاتجار بالبشر في سويسرا، كانت الغالبية العظمى منها لأغراض الاستغلال الجنسي، وفي عام 2012، بلغ عدد الحالات المعلن عنها 78 حالة، تعود أغلب ضحاياها إلى رومانيا حسبما ذكر “التقرير العالمي عن الاتجار بالأشخاص” الذي أعده مكتب الأمم المتحدة.
وتشير حقيقة تعامل الشرطة الفدرالية السويسرية مع التحقيقات الوطنية والدولية المتعلقة بـ345 حالة، إلى أن معظمهم من النساء والفتيات.
وعلى الرغم من مرور 60 عامًا من تفعيل البند الرابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر العبودية وتجارة البشر حول العالم، وصل عدد العبيد في 2015 إلى 27 مليون إنسان، وفقًا لموقع “أنونيموس الأمريكي”.
كما كشف “التقرير العالمي عن الاتجار بالأشخاص” الذي أعده مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات أيضا، أن ملياري شخص حول العالم مورست عليهم جريمة الاتجار بالبشر دون أن يتعرض الجناة للعقاب، وأشار إلى أن 70% من الضحايا نساء وفتيات, و30% رجال وصبية.
وقال مدير عام منظمة الهجرة الدولية سابقا برونسون ماكينلي إن مشكلة الهجرة واللاجئين ستحتل مكانة بارزة في أجندة الدورة اليوبيلية السبعين للجمعية العامة للامم المتحدة.
وأشار المسؤول الأممي السابق إلى أن الأزمة تمثل تحديا لدول أوروبا بالدرجة الأولى. ويرى ماكينلي أن محنة اللاجئين تتفاقم يوما بعد يوم لأن العالم لم يتحد لمعالجة جذور المشكلة مثل الحرب في سوريا والوضع المأساوي في العراق وفي غيرهما من الدول منابع الهجرة.
ويتحدث المدير السابق لمنظمة الهجرة الدولية عن جريمة الاتجار بالبشر التي يرتكبها المهربون ويورد تفاصيل عن المشاكل المالية التي تعيشها المنظمات الدولية المعنية وما يترتب عليها من عجز أممي في توفير الظروف المناسبة لملايين اللاجئين.

تختلف الأشكال والجريمة واحدة

وقد تختلف أشكال الاتجار بالبشر حيث ذكر تقرير الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر لعام 2015 بعض النسب بحسب الغرض المراد به التجارة، فقد كان الاستغلال الجنسي للنساء بنسبة 79% و14% للعمل القسري وسرقة الأعضاء، في حين يتعرض 83% من الضحايا الرجال للعمل القسري ممثلا في التنظيف والبناء والخدمات الغذائية والمطاعم والعمل المنزلي وإنتاج النسيج، و8% للاستغلال الجنسي و1% لسرقة الأعضاء فضلًا عن التجنيد غير القانوني للأطفال.
وقد يشمل الاتجار بالأشخاص الانتقال إلى مكان آخر، ولكنه لا يتطلب ذلك. كما يمكن اعتبار بعض الأشخاص ضحايا للجريمة بغض النظر عما إذا كانوا قد ولدوا في حالة من العبودية، أو تم استغلالهم في بلدانهم، أو نُقلوا إلى الوضع الاستغلالي، أو وافقوا سابقًا على العمل لصالح متّجر بالأشخاص، أو شاركوا في ارتكاب جريمة كنتيجة مباشرة للاتجار بهم. فما يشكل لُب هذه الظاهرة هو هدف المتّجرين بالأشخاص المتمثل في استغلال واسترقاق ضحاياهم والممارسات المخادعة والقسرية العديدة التي يستخدمونها لتحقيق ذلك.

الوضع الراهن للأزمة

أضحت تجارة البشر ثالث أكبر تجارة إجرامية في العالم بعد تجارة المخدرات، وتجارة السلاح، فهي تشكل بالنسبة لعصابات الإجرام المنظم مخاطر أقل من تجارتي المخدرات والأسلحة، وسط توقعات عالمية بأن تتقدم تجارة الأشخاص على تجارة الأسلحة في المستقبل القريب.

الاتجار بالبشر في بريطانيا

ارتفع عدد الأشخاص الذين يجري تهريبهم إلى بريطانيا بهدف استعبادهم أو استغلالهم بأشكال متنوعة إلى 2700 شخصا سنويا، حسبما ذكرت وكالة الجريمة الوطنية البريطانية، ويتضمن هذا العدد أشخاصا يجري التعرف عليهم عبر الإنترنت واستدراجهم للحضور إلى بريطانيا ومن ثم استغلالهم.
وتأتي رومانيا في طليعة البلدان التي يتعرض مواطنوها للاستغلال تليها بولندا ومن ثم المملكة المتحدة، وتقول الوكالة إن الاستغلال لا يتطلب بالضرورة اجتياز حدود دولية، حيث يقول المحققون إن الارتفاع راجع بشكل جزئي إلى ارتفاع نسبة التبيلغ عن الحالات، خاصة حالات الأطفال الذين يخشى من إجبارهم على ممارسة الدعارة.
وأشارت الوكالة إلى أن عدد ضحايا الاتجار بالبشر الذين تم التعرف عليهم ارتفع بنسبة 22% بين عامي 2012 و2013 , ويتضمن الضحايا وعددهم 2744 شخصًا, أطفالا يبلغ عددهم 602، بينما ارتفع عدد البلاغات عن الاستغلال الجنسي للأطفال من 38 إلى 128 حالة.
ووجد المحققون أيضا حالات أجبر فيه أشخاص ناضجون على الدعارة، أو العمل القسري أو الخدمة في المنازل، أو أجبروا على طلب المساعدات الاجتماعية بدون حق قانوني، وتفيد الوكالة بأن البولنديين هم الأكثر تعرضا لاستغلال العمل في الزراعة والبناء والمصانع ومغاسل السيارات، بينما جميع الأطفال الذين أجبروا على طلب المساعدة الاجتماعية هم من سلوفاكيا.
وقدرت المصادر البريطانية أنه تم تهريب أكثر من 4000 امرأة إلى بريطانيا وحدها، للدعارة في عام 2014، منهن أكثر من 200 حالة لنساء ليتوانيات جرى بيعهن في بريطانيا، حيث أجبرن على ممارسة الدعارة والعمل في أماكن لا يرغبن بها، كما تشير إحصائيات أخرى إلى أن 5 آلاف شخص يقعون ضحايا للاتجار بالبشر في بريطانيا سنويا، وهذا بخلاف باقي الدول الأوروبية، الأمر الذي دعا الاتحاد الأوربي إلى إصدار قانون لمنع تهريب البشر والمتاجرة بهم وتنفيذ عقوبات رادعة على مرتكبي تلك الجرائم، حسبما ذكر موقع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

إختفاء عشرة آلاف طفل بالقارة الاوروبية

وتقول وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) إن أكثر من عشرة آلاف طفل هاجروا بدون ذويهم إلى القارة الاوروبية اختفوا خلال العامين الماضيين، وأبدت تخوفها من وقوعهم بيد عصابات الاتجار بالبشر وتعرضهم للاستغلال الجنسي والاستعباد.
وقال مدير “يوروبول” بريان دونالد لصحيفة “أوبزيرفر” البريطانية الصادرة الأحد 31 يناير إن هذا الرقم يشمل الأطفال الذين اختفوا من السجلات بعد تسجيلهم لدى سلطات الدول التي وصلوا إليها في أوروبا.
وأوضح أن خمسة آلاف طفل فقدوا في إيطاليا وحدها، بينما أكدت السلطات السويدية في أكتوبر الماضي أن نحو ألف طفل وصلوا إلى مدينة تريلبورج (جنوب البلاد) قد فُقدوا.
ووصف دونالد الحديث عن بلوغ عدد الأطفال اللاجئين المفقودين عشرة آلاف بـ”التقدير المتحفظ” خلال الفترة الزمنية الممتدة ما بين الـ18 والـ24 شهرا الماضية.
وهذا لا يعني ان جميع هؤلاء الاطفال ضحايا أعمال إجرامية, فالبعض منهم ربما التحق بأقاربهم لكن “نحن لا نعرف أين هم، وماذا يفعلون، ومع من هم” حسب قول دونالد.
في سياق متصل، أكد دونالد للصحيفة أنهم عثروا على أدلة تشير إلى تعرض بعض الأطفال اللاجئين الذين لا ترافقهم عائلاتهم للاستغلال الجنسي، لافتا إلى اعتقال أعداد كبيرة من المتورطين في استغلال اللاجئين، خاصة مع تطور المنظومة الإجرامية المرتبطة بملف الهجرة لأوروبا خلال الأشهر الـ18 الماضية.
كما رصدت “يوروبول” تقاطعا مثيرا للقلق بين عصابات منظمة لتهريب اللاجئين إلى أوروبا، وعصابات الاتجار بالبشر التي تستغلهم جنسيا وتستعبدهم.
وتقول مسؤولة في “منظمة الأمن والتعاون بأوروبا” إن “هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للخطر، لأنهم يهاجرون بدون رعاية والديهم، فهم إما يرسلون من قبل ذويهم إلى أوروبا لينضم الأهل إليهم لاحقا، أو يهربون مع أحد أفراد العائلة”.
وقدرت منظمة “أنقذوا الأطفال” عدد الأطفال المهاجرين بدون ذويهم إلى أوروبا العام الماضي فقط بنحو 26 ألفا, ووصل أكثر من مليون مهاجر ولاجئ إلى أوروبا العام الماضي، معظمهم من سوريا.
وفي بريطانيا أيضا، تتحدث التقارير – بحسب الصحيفة – عن أن أعداد الأطفال الذين فقدوا بعد وصولهم إلى البلاد تضاعفت العام الماضي وسط مخاوف من استهدافهم من قبل العصابات الإجرامية.
وأعلنت السلطات البريطانية الأسبوع الماضي أنها ستستقبل قاصرين بدون ذويهم من الذين فروا من الحرب الدائرة في سوريا.
وتقدر “يوروبول” أن 27% من اللاجئين الذين وصلوا الى القارة الاوروبية العام الماضي والمقدر عددهم بنحو مليون شخص هم من الاطفال.
وقال دونالد للصحيفة “سواء كانوا مسجلين أم لا، نحن نتحدث عن 270 ألف طفل، وليسوا جميعهم بدون مرافقين”، لكن “لدينا دليل على أن جزءًا كبيرا منهم ربما كانوا من دون مرافقين”.

اقتصاد الاتجار بالبشر

أشارت تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن العمالة القسرية في الاقتصاد الخاص تدر سنويًا حوالي 150 مليار دولار من الأرباح غير المشروعة، ومعظم الحالات التي يشير إليها تقرير الاتجار بالأشخاص هي حالات يغطيها تعريف منظمة العمل الدولية للعمالة القسرية.
وبحسب التقرير فإن هذه المليارات تُغرق السوق الرسمية، وتُفسد الاقتصاد العالمي، وتلطّخ مشتريات الزبائن الغافلين عن الأمر. حيث إن سلاسل الإمداد الطويلة المعقدة، التي تتخطى عددًا من الحدود الوطنية وتعتمد على مجموعات كبيرة من المتعاقدين من الباطن، تعيق تتابُّع سير الأمور وتجعل من الصعب التثبت من أن الرقيق المعاصر لم يمس السلع والخدمات التي يتم بيعها وشراؤها يوميًا.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …