آلة الإعدام الشرهة.. كيف تحولت فلسفة العقوبة من الردع إلى الانتقام؟

كانت منيرة* تجلس أمام التليفزيون، ظهر يوم الأربعاء، 20 فبراير عام 2019، قبل أن ينقبض قلبها فجأة حين علمت عبر نشرة أخبار مقتضبة، أن ابنها فؤاد* (27 عامًا) قد نفذ فيه حكم الإعدام، فجرًا، هو وثمانية آخرين كانوا أدينوا باغتيال النائب العام الأسبق، هشام بركات. هوى الخبر على الأم كالصاعقة.

قبض على فؤاد عام 2015، كأحد المتهمين على ذمة القضية العسكرية 514، والتي لا تتوافر عنها معلومات. ظل فؤاد في السجن، دون معرفة مصيره، قبل أن يُضم إلى قضية النائب العام خلال وجوده في السجن. وقبل تنفيذ حكم الإعدام، تمت تبرئته من القضية الأساسية. «لما خد براءة في القضية الأولى، بقى عندي أمل يخرج من قضية النائب العام كمان. قولت يبقى دي مش محاكمات صورية، وبيبصوا في ورق القضية». تقول والدته. لكن لم يحدث ذلك.

بعد ثلاثة أشهر فقط من تأييد حكم الإعدام على فؤاد، نُفذ الحكم فجأة، دون إخطار مسبق لعائلته، ليتسنى لها رؤيته، كما يقتضي القانون.

عقب نشرة الأخبار مباشرة، هرعت منيرة من منزلها في مدينة نصر، لتنضم إلى أسر باقي المدانين أمام مشرحة زينهم في منطقة السيدة زينب، حيث انتظروا جثامين ذويهم لساعات. وبعد مغيب الشمس خرج جثمان ابنها وبقيت معظم الجثامين الأخرى محتجزة في المشرحة، ليخرجوا تباعًا على مدار أيام.

كان انتظارًا ثقيلًا، متوترًا، وموجعًا طال لأكثر من عام ونصف قبل أن تتمكن منيرة من رؤية ابنها مجددًا، جثة خالية من الحياة.. صحيح، لكنها «ملّت عينيها برؤيته»، حسبما قالت. 

أُدين فؤاد وزملائه في قضية اغتيال النائب العام، بانفجار سيارة ملغومة استهدفت موكبه عام 2015، لتقضي محكمة جنايات القاهرة في 2017، بإعدام 28 متهمًا في القضية، منهم 15 فقط حضوريًا. أيدت بعدها محكمة النقض حكم الإعدام بحق تسعة من بينهم فؤاد، وخففته عن ستة آخرين إلى السجن المؤبد. 

حكم الإعدام الجماعي لفؤاد وزملائه لم يكن حادثًا منفردًا، وإنما إحدى صفحات ملف أحكام الإعدام الجماعي للمتهمين في مصر سواء في قضية واحدة أو قضايا متنوعة، وهو الملف الذي شهد زيادة غير مسبوقة خلال الثمان سنوات الأخيرة؛ بعدما تضاعفت أعداد الأحكام ثلاث مرات العام الماضي، لتتجاوز 130 حُكمًا منفذًا، ما بين مدانين في قضايا إرهاب أو جنائية. وفي شهر أكتوبر من نفس العام، نُفذ حكم الإعدام في 53 شخصًا، وهو ما فاق الإجمالي السنوي للإعدامات المنفذة في الثلاث سنوات التي سبقت عام 2020. 

لم يكن العام الماضي استثنائيًا. هذا العام، نُفذ 176 حكمًا بالإعدام منذ أغسطس 2020 حتى أغسطس 2021 وفقًا لآخر إحصائيات الإعدام للمفوضية المصرية للحقوق والحريات. وضعت معدلات الإعدامات المتزايدة مصر في مصاف أولى الدول المنفذة لأحكام الإعدام، لتحتل المركز الخامس بحسب منظمة ريبريف أو الثالث وفقًا لتقرير منظمة العفو الدولية.

لكن الوضع لم يكن دائمًا هكذا. فرغم استمرار قانون الطوارئ في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك لما يزيد عن 30 عامًا، ظلت معدلات إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام أقل عن نظيرتها في الفترة الحالية التي تمثل أضعافها، إذ تعمدت الدولة التباطؤ في تنفيذ العقوبة على المدانين في أحكام نهائية، إلى الحد الذي وصفه بعض المحللين بأنه «تعليق عملي» لاستخدام العقوبة، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. 

لكن تزامنًا مع وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي، لسدة الحكم في مصر عام 2014، توسع القضاء المصري في استخدام عقوبة الإعدام بشكل جماعي، وتزايدت أيضًا وتيرة تنفيذ الأحكام، ما اعتبرته مصادر متعددة تحول في عقيدة عقوبة الإعدام في القانون المصري من الردع والمنع إلى الانتقام السياسي. 

يمثل عدد الإعدامات التي نُفذت خلال العقد الماضي وحده ما يقرب من نصف عدد أحكام الإعدام النهائية التي أصدرها القضاء المصري خلال القرن الماضي، وفقًا للإحصاءات المحدودة المتاحة.

لا توجد دراسات دقيقة أو رسمية متاحة لمعدلات الإعدام خلال العقود السابقة، لكن بعض الإحصائيات، نقل عنها تقرير سابق لـ«المصري اليوم»، أشارت إلى أن 1429 حكمًا نهائيًا بالإعدام قد صدر منذ عام 1906، وحتى 2014، ولا نعرف على وجه الدقة كم حكمًا منهم تم تنفيذه بالفعل. الجرائم الجنائية استحوذت على أغلب تلك الأحكام بـ 1168 حكمًا، تبعها 182 حكمًا فى جرائم سياسية، منها اغتيال، وتجسس، وتخابر مع دولة أجنبية، وتأسيس وعضوية وقيادة تنظيمات سرية غير مشروعة، إلى جانب جرائم الإرهاب. 

بالرغم من التوسع في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام، ظلت الإحصائيات الرسمية غائبة خلال العقد الماضي. لكن بعض المؤسسات المعنية بالحقوق والحريات جاهدت من خلال مصادر محدودة ومحاصرة لتوثيق معدلات الإعدام في مصر، مثل متابعة الأخبار الصحفية، ومتابعة قضايا بعينها في المحاكم. المحصلة النهائية للاحصائيات أظهرت تباين من مؤسسة لأخرى في بعض السنوات، يصل لفرق عشرة حالات إعدام أو أكثر. لذا الأرقام الواردة في التقرير بنيت على العدد الذي تمكنت المؤسسات من حصره، والذي جمعه «مدى مصر» من التغطية الخبرية للصحف.

 وفقًا لإحصائيات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، والبحث الذي أجراه «مدى مصر» من الصحف، فقد نفذت السجون 521 حكمًا بالإعدام في الفترة منذ 2011 حتى ديسمبر 2021. فيما لم نتمكن من الحصول على إحصائيات شبه دقيقة لأحكام الإعدام  النهائية إلا من 2017 وحتى موعد نشر التقرير بلغت  316 حكمًا.

شكل قانون العقوبات المصري الذي أقر عام 1937 المعالم الأساسية لعقوبات الإعدام الموجودة حتى الآن، ووضع له طريقتين فقط: الشنق للمدنيين، والرمي بالرصاص للعسكريين. 

لكن التوسع  الحقيقي في إصدار عقوبة الإعدام بدأ مع تشكيل دوائر الإرهاب عام 2013 للبت في جرائم الإرهاب وحدها، تبعها تعديلات في قانون العقوبات خاصة بمكافحة الإرهاب، أقرتها الحكومة عام 2014. التعديلات وسّعت مفهوم تهم الإرهاب، كما شددت العقوبة لإرتكاب جرائمه إلى الإعدام بدلًا من السجن إلى جانب المؤبد. 

وبالرغم من تلك التعديلات، وقف رئيس الجمهورية، عبدالفتاح السيسي في 2015، مطالبًا بالمزيد. «إيد العدالة مغلولة بالقوانين، وإحنا مش هنستنى على ده، إحنا هنعّدل القوانين اللي تخلينا ننفذ العدالة في أسرع وقت ممكن»، قال الرئيس السيسي بغضب في جنازة النائب العام الأسبق هشام بركات، وهو يتوسط أسرة القتيل. 

وبالفعل، بعد أقل من شهرين، أقر السيسي، قانون جديد للإرهاب في أغسطس عام 2015، ليصبح الإعدام عقوبة لأكثر من 100 تهمة في التشريعات المصرية، بما يعادل 45 تهمة في قانون العقوبات، و41 تهمة في قانون الأحكام العسكرية، فضلًا عن 15 جريمة في قانون الإرهاب. 

منح القانون الجديد مساحة أوسع لصياغة التهم التي تندرج تحت «مسمى الإرهاب» بألفاظ وصياغات أعم، حسبما قال لـ«مدى مصر»، أستاذ القانون بجامعة السادات، عماد الفقي. الذي اعتبر أن القانون المصري «يسرف» في التهم التي يعاقب عليها بالإعدام، كما يسرف أيضًا في تطبيق العقوبة. 

«ضمن تعريفات الإرهاب في القانون كل ما يمس أمن المجتمع، طيب إيه هو أمن المجتمع أصلًا؟ في ألف حاجة ممكن تمس أمن المجتمع وكلها درجات، بالتأكيد مش عقوبتهم كلهم الإعدام»، يقول الفقي. 

اتفق مع الفقي نائب رئيس محكمة النقض السابق، أحمد عبد الرحمن، الذي قال لـ«مدى مصر»: «إن الإعدام في فلسفة القانون المصري وسيلة عقابية هدفها الردع والمنع»، (حتى وإن أظهرت الدراسات في مصر ودول أخرى أن عقوبة الإعدام ليس لها تأثير رادع). 

قالت دراسة صادرة عن اتحاد الحريات المدنية الأمريكي، عام 2011، إنه «لا يوجد دليل مؤكد على أن عقوبة الإعدام تردع الجريمة بشكل أكثر فعالية من فترات السجن الطويلة. كما أن الدول التي تطبق عقوبة الإعدام ليس لديها معدلات جريمة أو قتل أقل من الدول التي لا تطبق الإعدام. ولم تظهر الدول التي ألغت العقوبة أي تغيرات كبيرة في معدلات الجريمة أو القتل». 

وحتى الفلسفة التي انتهجها القانون المصري وشككت الدراسات في مدى نفعها، تغيرت في يد السلطة الحالية، من الردع إلى الانتقام، وفقًا للمحامي الحقوقي، أحمد سعد، الذي أشار إلى تنفيذ أحكام الإعدام بشكل سريع ومفاجئ للرد أحيانًا على العمليات الإرهابية، في ما اعتبره استغلال سياسي للعقوبة.

في مايو 2015، أُغتيل ثلاثة قضاة في العريش وأصيب رابع بجراح بالغة، في عملية إرهابية. وفي صباح اليوم التالي، أعدم ستة أشخاص كانوا قد أدينوا باستهداف حافلة جنود بمنطقة الأميرية وكمين مسطرد، وقتل ضابطين بالهيئة الهندسية عام 2014 بمنطقة عرب شركس في محافظة القليوبية، في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «خلية عرب شركس». 

تنفيذ الحكم بهذا الشكل، وصفته باحثة بوحدة العدالة الجنائية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فضلت عدم ذكر اسمها، بتسييس لعقوبة الإعدام. 

نفس الانطباع تركه عرض مقطع فيديو حقيقي لعملية إعدام هشام عشماوى، ضابط الجيش السابق الذي أدين بتدبير عمليات إرهابية متعددة مثل حادث «كمين الفرافرة» خلال إحدى حلقات مسلسل «الاختيار»، وعقب بث حلقة المسلسل انتشرت مقاطع فيديو لعملية الإعدام كاملة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في انتهاك قانوني، بتصوير عملية الإعدام، حسبما قالت الباحثة بالمبادرة. 

لم يخف التوسع في تطبيق عقوبة الإعدام على أحد، رغم غياب الإحصائيات الرسمية، سواء المنظمات الحقوقية المصرية، والأمم المتحدة، والبرلمان الأوروبي، وحتى الدول الصديقة لمصر خارجيًا، والتي واجهت مصر بانتقادات متعددة بشأن ملف حقوق الإنسان والإعدامات، وهي ما رد عليها السيسي خلال المؤتمر الصحفي الختامي لقمة الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية عام 2018 قائلًا: «نحن نقدر كلامكم عن عقوبة الإعدام ونحترمه. لكن أرجو ألا تفرضوه علينا. هذه هي الثقافة الموجودة عندنا. الناس التي يتم قتل أبنائها في اعتداءات هم من يطالبون بحقهم في القصاص».

وبينما يجادل السيسي بأن «القصاص» قد يبرر إعدام المتورطين في قضايا إرهابية، لكن هذا لا يفسر الارتفاع الهائل في إعدام المدانين بارتكاب جرائم جنائية أيضًا، إذ أفادت الإحصائيات إلى ارتفاع مضطرد في أحكام الإعدام في قضايا جنائية، وصلت إلى 591 حكمًا هذا العام، نُفذ منهم 144 حكمًا، وتم تأييد 81 حكمًا من محكمة النقض، وصدر 251 حكمًا من محكمة الجنايات، فيما أحيل 124 إلى مفتي الجمهورية، وفقًا لإحصائيات المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وللأخبار التي جمعها «مدى مصر» من الصحف. وفي يونيو الماضي، نفذ حكم الإعدام في 16 شخصًا في جرائم جنائية متنوعة، خلال أسبوع واحد فقط. 

هذا الارتفاع اللافت في معدلات الإعدام في قضايا لا تمت للإرهاب بصلة أرجعته باحثة وحدة العدالة الجنائية بالمبادرة، إلى رغبة السلطات الحالية في إظهار إحكامها السيطرة على البلاد. «السلطة عايزة تقول إحنا ماسكين البلد بإيد من حديد».  

تُصدر أحكام الإعدام من المحاكم الجنائية، والعسكرية، وحتى الشهر الماضي كانت تصدرها أيضًا محاكم أمن الدولة طوارئ، قبل أن يٌلغى قانون الطوارئ بقرار رئاسي. 

في القانون المصري لا يُنفذ حكم الإعدام إلا بعد درجات التقاضي من محكمة الجنايات، وإجماع من أعضاء المحكمة، ورأي «استشاري» من المفتي، يعقبه قرار محكمة النقض، وفقًا لنائب رئيس محكمة النقض السابق. لكن لم يسبق أن رفض المفتى تطبيق عقوبة الإعدام على أى متهم تمت إحالة أوراقه له، بل يحدث أحيانًا العكس، أن تتراجع المحكمة عن قرارها حتى بعد موافقة المفتي، وفقًا لعدد من المحامين والباحثين. 

ولإحكام القبضة على المحاكمات، وتقليص مدتها الزمنية، أصدر رئيس الجمهورية قرار رقم 11 عام 2017، تغيرت بموجبه إجراءات التقاضي، مختصرًا به إجراءات مثل إعادة القضية للعرض أمام دائرة أخرى قبل تأييد الحكم.

بعد تأييد الحكم، يرسل وزير العدل مذكرة إلى رئيس الجمهورية لاستخدام حقه في العفو، لكن إذا لم يصدر الرئيس قرار العفو خلال 14 يومًا يصبح الحكم واجب النفاذ، وفقًا للمادة 470 من قانون الإجراءات الجنائية. وهو الحق الذي لم يستغله السيسي ولا مرة حتى الآن. بعد تأييد الحكم بشكل نهائي، يستمر المحكوم عليه في ارتداء ملابس السجن حمراء اللون، والتي ارتداها بمجرد إصدار الحكم المبدئي من محكمة الجنايات، ويقبع في زنزانة فردية، منتظرًا موته.

وفقًا لسعد، سجون معينة ومحدودة تتوفر بها غرف لتنفيذ أحكام الإعدام. مثل سجن الاستئناف بمنطقة باب الخلق، وسجن ليمان طرة، وسجن برج العرب، إلى جانب سجون المنيا، ودمنهور، وطنطا ووادي النطرون. لذا يرحل المسجون، قبل تنفيذ الحكم بيوم عادة، إذا كان سجنه لا يحوي غرفة إعدام إلى سجن آخر مزود بها. 

ينفذ حكم الإعدام وفقًا للقانون، مع أول ضوء للشمس، بحضور لجنة مشكلة من أحد وكلاء النائب العام، وطبيب، ومأمور السجن، ورجل دين، ومحامي المتهم إذا رغب.

وفي «مفارقة قاسية» يتحدد يوم إنهاء حياة المُدانين بحكم الإعدام، وفقًا لعوامل خارجية، كمواعيد تفرغ لجنة الإعدام، حسبما قال محامي حقوقي فضل عدم ذكر اسمه. 

«تنسيق مواعيد الوكلاء اللي بيحضروا اللجنة دي في أي وقت بدون إخطار مسبق صعب، علشان كده وكيل النيابة بيحدد أيام ومواعيد فاضي فيها، بناءً عليها بتتحدد مواعيد تنفيذ الأحكام، وده سبب إعدام ناس كتير في نفس الوقت. علشان نوفر وقت إنه نعمل لجنة تانية»، يقول لـ«مدى مصر» أحد وكلاء النائب العام، اشترط عدم ذكر اسمه.

إعدام عدد كبير في نفس اليوم له سبب آخر أرجعته باحثة منصة العدالة الجنائية بالمبادرة، إلى وجود فوضى في السجون موخرًا جرّاء ضخامة أعداد المحكوم عليهم بالإعدام. «بيكون في أعداد مركونة في السجون عايزين يخلصوا منها، فبيطلعوهم في مجموعات». 

وفقًا للقانون، قبل تنفيذ الحكم بيوم، من حق المحكوم عليه أن يرى أسرته. لكن محامين وأسر أشخاص تم إعدامهم تحدثوا إلى «مدى مصر»، فوجئوا بإعدام ذويهم دون علم مسبق، ودون وداعهم، كما حدث في حالة إعدام فؤاد وزملائه. لكن هذه ليست المخالفة القانونية الوحيدة التي ترتكبها إدارة السجون فيما يخص الإعدامات، إذ يتم أحيانًا تنفيذ حكم الإعدام في مناسبات دينية لبعض المدانين، وهو ما يخالف قانون الإجراءات الجنائية الخاصة بالإعدام. 

بعد تنفيذ الحكم، يدون الطبيب موعد الوفاة بالتحديد، ثم ينقل الجثمان إلى المشرحة بعربة ترحيلات. ومن هناك يمكن لعائلة المدان تسلم جثمانه مباشرة، إلا في بعض الظروف الاستثنائية مثل القضايا الكبيرة كقضية مقتل النائب العام التي أدين فيها فؤاد. «بيطلعوهم بليل وعلى كذا يوم، علشان ميحصلش تجمهر بعد صلاة أو مظاهرات» يقول سعد. 

بعد تأييد حكم الإعدام، وانقضاء المهلة المحددة في القانون لعفو رئيس الجمهورية، ينتظر المٌدان تنفيذ حكم الإعدام في أي لحظة. قد يطول انتظاره لسنوات، كما جرى العرف. حدد البعض هذه الفترة بأن لا تقل عن عامين وقد تصل إلى سبع سنوات، منذ ارتكاب المتهم للواقعة وحتى توقيع عقوبة الإعدام عليه، حسب طبيعة الدعوى وظروف نظرها.

وفقًا لسعد، هذا التأجيل يتيح فرصة في حالة ظهور أدلة براءة جديدة للمدان، لإعادة المحاكمة كما ينص القانون. فيما قال نائب رئيس محكمة النقض السابق، إن بعض أحكام الإعدام كانت تتأجل سابقًا لسنوات طويلة لأسباب سياسية أو دولية. 

لكن مؤخرًا بدأت السجون في تنفيذ أحكام الإعدام بشكل متسارع، يصل لشهور أحيانًا بعد تأييد الحكم مثل قضية عرب شركس، التي حكم القضاء الإداري فيها -بعد تنفيذ الإعدام- بعدم جواز الحكم أمام القضاء العسكري. 

«خطورة عقوبة الإعدام أنها سالبة للحياة، لا يمكن الرجوع فيها أبدًا. خطأ واحد في الإجراءات، نتيجته قتل إنسان بريء أو على الأقل يوجد شكوك في إدانته» يقول الفقي لـ«مدى مصر».  

أحد أحكام الإعدام التي أثارت جدلًا واسعًا بسبب شكوك في المحاكمة، كان إعدام الراهب أشعياء المقاري. عام 2018، قُتل، الأنبا أبيفانيوس، رئيس دير «القديس الأنبا مقار» بوادي النطرون، في محافظة البحيرة. اتهم بقتله راهبان بالدير لمشاكل سابقة بينهم. أيدت المحكمة حكم الإعدام على الراهب أشعياء، فيما خففت الحكم على الراهب الآخر إلى المؤبد. وبعد أقل من عام على تأييد الحكم نفذ حكم الإعدام في الراهب أشعياء.  

وقائع محاكمة الراهبان، وجه لها انتقادات واسعة، تضمنت إجراءات ومخالفات قانونية، بدء من القبض على الراهبان وحتى التحقيق ثم المحاكمة، فضلًا عن حديث الراهب أشعياء خلال إحدى جلسات محاكمته عن تعذيبه للحصول منه على اعتراف أثناء احتجازه خارج أماكن الاحتجاز الرسمية.

وفي الوقت الذي بدا فيه الوضع كنفق مظلم لا أمل للخروج منه خاصة مع ارتفاع معدلات تنفيذ أحكام الإعدام كل سنة أكثر من سابقتها، يرى الفقى أن الدولة تتجه للنظر في شأن الإسراف في استخدام عقوبة الإعدام، وهو ما تجلى في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي أطلقها السيسي العام الجاري، بحسب الفقي.  

بعد تأجيلات، صدرت الاستراتيجية عقب تزايد حدة الانتقادات الدولية، ضد ملف حقوق الإنسان في مصر، من قبل هيئات دولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فضلًا عن الولايات المتحدة الأمريكية. 

الاستراتيجية استندت وفقًا لنصها، على الحقوق المدنية والسياسية، وناقشت في هذا المحور الحق في الحياة والسلامة الجسدية. كما أشارت إلى مواجهة الاستراتيجية تحديات في سبيل صون الحق في الحياة، مثل عدم وجود إطار لمراجعة الجرائم الأشد خطورة التي يعاقب عليها بالإعدام. فضلًا عن عدم وجود نص قانوني بإلزامية انتداب محامي في حالة عدم قدرة المحكوم عليه بالإعدام ماديًا في توفير محامي. وفقًا لنص الاستراتيجية فإنها تعمل على إزالة هذه التحديات خلال مداها الزمني (2021 – 2026).  

منذ منتصف أغسطس تقريبًا، أي قبل شهر من إطلاق استراتيجية حقوق الإنسان ، لم ترد تقارير عن أي عمليات إعدام على الإطلاق في وسائل الإعلام، وفقًا لبحث أجراه «مدى مصر»، وهو ما أكدته أيضًا باحثة وحدة العدالة الجنائية بالمبادرة لـ«مدى مصر»، مشيرة إلى أنهم لم يتمكنوا من رصد أي حالة إعدام منذ أغسطس حتى موعد نشر التقرير. 

مرور نحو أربعة أشهر دون تنفيذ حكم إعدام واحد على الأقل أمر غير اعتيادي مؤخرًا. خلال الأعوام الماضية كانت أقصى مدة لم ينفذ فيها أية أحكام إعدام كانت شهرين متتاليين. لذا رجحت الباحثة بالمبادرة أن يكون سبب هذا التوقف، إما أن الإعدامات قد توقفت بالفعل خلال الأشهر الأربعة الماضية، أو أن السلطات قد منعت الصحافة من تغطية الإعدامات، في محاولة منها  للتغطية هذه الممارسة للحد من الانتقادات.

تشير بعض الأدلة إلى أن السلطات تستخدم الاستراتيجية الأخيرة (منع الصحافة من تغطية الإعدامات). سمع اثنان من أفراد عائلات السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، ومحامي حقوقي، وباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، كل على حدة، أنه تم إعدام ما بين تسعة وعشرة سجناء الأسبوع الماضي، في ليمان 430 بمجمع سجون وادي النطرون، بعد نقلهم إلى سجن شبين الكوم العمومي، حسبما قالوا لـ«مدى مصر» لكن لم يستن لـ«مدى مصر» التأكد من صحة هذه المعلومات من مصادر أخرى. 

ضبابية المعلومات، تسلط الضوء على الافتقار العام للشفافية حول استخدام السلطات لعقوبة الإعدام في مصر. 

في كل الأحوال، يقبع مئات المتهمين مرتدين الزي الأحمر في السجون انتظارًا لتنفيذ الحكم عليهم. أحد منتظري تنفيذ حكم الإعدام، هو المهندس عماد الهادي*. اتهم الهادي في قضية عرفت باسم «تعذيب سايس رابعة»، وحكم عليه وآخرين ثلاث سنوات بعد إدانته في القضية. وخلال قضائه مدة العقوبة، ضُم الهادي إلى قضية «فض اعتصام رابعة العدوية»، واتهم فيها بتشكيل لجان أمنية تعرف باسم «مجموعات الردع»، وهي القضية التي أدين فيها ضمن مئات الأشخاص، لكنه كان ضمن 12 شخصًا فقط أيدت ضدهم محكمة النقض الحكم بالإعدام في يونيو الماضي. 

يقبع الهادي الآن، في سجن ليمان وادي النطرون في انتظار تنفيذ حكم الإعدام. خلال حبسه تزوره زوجته، وطفليه، إبراهيم*، وغالية* بشكل دوري.  

ولدت غالية بعد أشهر قليلة من حبس والدها، كان وقتها عمر إبراهيم عامان. لذا ووفقًا لحسناء* زوجة الهادي، فقد تعرف الأطفال على والدهم في ظروف صعبة، عبر أحاديث متعجلة في زيارات لا تتجاوز الساعة، وبضعة خطابات.  

وصول الأطفال لأبيهم كان شاقًا؛ رحلة طويلة في الطريق من المنزل إلى السجن، طابور ممل قبل الدخول، ورؤية من خلف حاجزين من السلك. كل هذا كان ضاغطًا.. مرهقًا وحزينًا، لكن تحملته حسناء ، لأن أهم شاغل للهادي وفقًا لزوجته هو خروج أطفالهما بأقل خسائر نفسية ممكنة من هذه التجربة القاسية. 

 لذا واجهت حسناء أوقات صعبة حتى اهتدت للطريقة الأمثل والأصعب في الوقت نفسه، للتعامل مع واقع انتظار زوجها الموت في أي لحظة. «كان ممكن أقولهم إنه مات، لكن مقدرتش أحكم على ولادي ميشوفوش باباهم في الوقت القليل المتاح لده». لذا أخبرتهم حسناء بنصف الحقيقة. 

في البداية قالت حسناء لابنها إن والده لا يمكنه ترك العمل، لذا زيارته في مكان عمله ستكون مهمتهم الجديدة. لكن طالت سنوات حبس الهادي، وكبر معها إبراهيم ليتمكن للمرة الأولى من تهجي حروف كلمة «سجن» الذي رآها خلال زيارة لوالده.

في هذه اللحظة قررت حسناء شرح كل التفاصيل الغائبة. لكن لم تتمكن عقول الأطفال الصغيرة من معالجة كلمات كالسجن والإعدام والظلم والانتظار والموت التي حاولت حسناء شرحها. لذا تواصل الأطفال مع والدهم ومع ظروفه المعقدة من خلال تفاصيل بسيطة تمكنت أعينهم من ترجمتها.

«فهموا أنه باباهم اتحول من مجرد شخص موجود في مكان مش بيقدر يخرج منه، لشخص منتظر الموت من تغيير لون لبسه من الأزرق إلى الأحمر». 

تحاول حسناء منذ سنوات التأقلم على حياتها دون زوجها، الذي قضى معها ثلاث سنوات فقط. تنجو أحيانًا وتنهار أحيانًا، لكنها لا تملك إلا الاستمرار في تربية أطفالهما منفردة. فوق ذلك تعيش حسناء في انتظار خبر إعدام زوجها في أي لحظة «أنا رديت على مكالمتك على طول لإني مستينة يجيني خبر إعدام عماد* في أي لحظة».

Comments

comments

شاهد أيضاً

ممدوح الولي يكتب : استصلاح 3 ملايين فدان خلال عامين.. لماذا يعِد الجنرال بما لا يستطيع؟

في منتدى للشباب جرى عقده مؤخراً بمصر قال “الجنرال” السيسي إنه خلال عامين على الأكثر …