أحمد جنتي .. تسعيني على رئاسة مجلس الخبراء في إيران

بعد انتخابات مجلسي الشورى والخبراء في إيران التي أجريت في 26 فبراير/شباط الماضي؛ حصل جناح (رفسنجاني –روحاني) علي جميع مقاعد طهران العاصمة في مجلس الشورى ومجمل مقاعد مجلس الخبراء الستة عشر ما عدا واحدًا منها كان من نصيب أحمد جنتي رئيس مجلس المراقبة على الدستور أو مجلس الأوصياء المحسوب على مرشد الجمهورية على خامنئي. كان لجناح خامنئي ثلاثة مرشحين يرمز لهم بـ«مثلث الجيم» هم جنتي ويزدي ومصباح يزدي:

جنتي؛ هو أحمد جنتي من أقرب المقرّبين لخامنئي, ويتربع منذ 24 عاماً على رئاسة مجلس المراقبة على الدستور الذي له القول الفصل في جميع قرارات مجلس الشورى, والأهم أن له القول الفصل في تحديد المرشحين للر‌ئاسة ومجلسي الشورى والخبراء وغيرها من مؤسسات الحكم.

محمد يزدي؛ كان لمدة عشرة أعوام رئيس السلطة القضائية وأصبح في الدورة السابقة رئيس مجلس الخبراء وهو أيضا من أشدّاء الأوفياء لولاية الفقيه.

مصباح يزدي؛ هو الأب الروحي لأحمدي نجاد ولقوات الباسيج وهو الذي يقبّل يد خامنئي ويقف خلف ممارسات شبيحة النظام الإجرامية.

هؤلاء الثلاثة لهم أهمية خاصة ودور حاسم في الحفاظ على مؤسسة ولاية الفقيه والحرس والباسيج وتصدير الحروب للدول الأخرى؛ حسبما يقول د. سنابرق زاهدي رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.  

المفاجأة التي حصلت في الانتخابات الأخيرة أن اثنين من الثلاثة (وهما محمد يزدي ومصباح يزدي) كانا منبوذين في أوساط التابعين للنظام إلى حد أنهما لم يستطعا الفوز في انتخابات مجلس الخبراء. وقد استاء خامنئي لعدم فوزهما وقال بعد أيام من الانتخابات وفي أول لقاء من المنتخبين «هناك بعض الكبار الذين فوزهم أو عدم فوزهم لا يغيّر من شأنهم, والسيدان يزدي ومصباح من هؤلاء الأشخاص الذين يمثل وجودهم في مجلس الخبراء ثقلا للمجلس وعدم وجودهم خسارة للمجلس».

والضلع الثالث من مثلث الجيم؛ أحمد جنتي رسب أيضًا, في الاختبار حيث جاء في  المرتبة السابعة عشرة في طهران. فكيف أصبح عضواً في الخبراء؟

المعلومات الواردة من داخل النظام تفيد أن علي أصغر؛ المستشار الأمني الخاص لخامنئي جلس مع رفسنجاني واتفقا على شطب شخص اسم «سجادي» الذي كان في المرتبة الثالثة عشرة؛ وبذلك صعد أحمد جنتي إلى المرتبة السادسة عشرة  وأصبح آخر الفائزين.

بعد إعلان نتائج الانتخابات سارع بعض المحللين في الغرب وقليل من العرب إلى تسويق نتائج الانتخابات بالقول إن المعتدلين فازوا, وهذا يشير إلى تغيير كبير في المعادلة الإيرانية، ويجب فتح مجال التجارة والعلاقات مع هذا النظام. ولأن هذا التطور كان بعد الاتفاق النووي بين إيران والغرب فقد شاهدنا زيارة العديد من كبار المسؤولين الغربيين لإيران, كما أن كثيرا من الشركات عقدت اتفاقيات تجارية مع نظام الملالي.

خامنئي ينتشل جنتي

تعيين أحمد جنتي لرئاسة مجلس الخبراء وفي عمر يناهز 90عاما, وهو من أشرس الملالي من زمرة خامنئي, جاء بهندسة من طرف شخص خامنئي, وقد اضطرت مجموعة كبيرة من أعضاء مجلس الخبراء على الموافقة على ذلك من خلال التهديد أو الترغيب. ويظهر هذا التعيين أنه مع نظام ولاية الفقيه لا معنى للإنتخابات، وأن كل ما تصوره البعض كان سراباً حيث النظام يتجه نحو  مزيد من الانغلاق في مواجهة الأزمات المتزايدة.

إن رئاسة جنتي لمؤسستين سياديتين؛ أي مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء يكشف مأزق النظام وعقمه وأن دائرة الخيارات والاشخاص الموثوق بهم تضيق, كما أنه يطلق رصاصة الرحمة على مزاعم الاصلاح والاعتدال في نظام ولاية الفقيه.

بعد أيام من تنصيب جنتي تم اختيار علي لاريجاني رئيسًا لمجلس الشورى كما كان في الدورتين السابقتين؛ وكأن شيئا لم يحدث. لاريجاني كان جنرالا في الحرس وكان نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة في قوات الحرس. فلم يكن من المستغرب أن أعضاء مجلس الشورى وقبل يوم من بداية أعمال المجلس اجتمع بهم قاسم سليماني؛ قائد قوات القدس ليشرح لأعضاء المجلس خطة نظام ولاية الفقيه في سوريا والعراق واليمن, ويطلب من هؤلاء أن يكونوا مؤيدين لهذه الخطة.

وبعد تنصيب جنتي كتبت مجلة نيوزويك: هل هناك سياسيون معتدلون في إيران؟ إن كثيرا من الأحداث كانت تجري على أمل أن تسهم في دعم هؤلاء المعتدلين المفترضين في إيران، لكن الواقع على الأرض يقول غير هذا.

يبقى هناك سوآل أخر يتطلب الرد وهو: كيف خضع رفسنجاني وروحاني لرئاسة جنتي؟ وما ذا دار بين علي اصغر حجازي المستشار الخاص لخامنئي, مع رفسنجاني؟ معلوم أن النتيجة كانت انتشال أحمد جنتي من قاع  البحر ليصبح الشخص السادس عشر في القائمة ويصبح بعد ذلك رئيسا لمجلس الخبراء وذلك بعد أن أعلن رفسنجاني أنه لن يرشح نفسه لرئاسة هذا المجلس!

البحث عن قدامى الأصدقاء

النظام الإيراني وبقيادة خامنئي يحاول إطالة عمر النظام قدر الإمكان من خلال تغييرات وتصنيفات داخل الدائرة الصغيرة الحاكمة, وهي قسمت إلى محافظين ومعتدلين وإصلاحيين, بينما الواقع يقول إنها دائرة واحدة, كما يرى د. محمد السلمي؛ المحلل والكاتب السعودي, رئيس مركز الدراسات الإيرانية. هذه التصنيفات ليست الا كذرّ الرماد في العيون ومحاولة ايهام المتتبع من الخارج أن هناك تنوعا في حكم إيران.

نعود إلى قضية اختيار جنتي رئيسا لمجلس خبراء القيادة. نعلم أن هناك عدة مرشحين كانوا على رأس قائمة المتوقعين منهم ابراهيم نجف آبادي وعمره 90 الي 91 عاما, ومحمود هاشمي شاهرودي وهو في قرابة 70 او 68 عاما ورفسنجاني الذي كان من المرشحين وإن لم يترشح, ومحمد علي كرماني وهو أيضا من كبار السن؛ 85 سنة.

وهذا الاختيار يشير إلى التركيز على الأصدقاء القدماء, وربما يكون ذلك اشارة إلى أنه ليست هناك ثقة في الجيل الجديد والرموز الدينية الجديدة التي تظهر في إيران بل الاعتماد على أصدقاء الماضي. جنتي كان من أقل المرشحين حظا من خلال المتابعة ومن خلال استطلاعات الرأي التي سبقت يوم الأختيار, وكان مستبعدا من الترشح ومن الفوز, الاّ ان رغبة خامنئي هي التي تفصل بالامر, لأن له الرأي النهائي وله الحسم في نهاية المطاف.

نعلم أن هناك نوعا من الاختلاف في وجهات النظر بين روحاني وخامنئي فيما يتعلق بالعلاقة مع الغرب وكان هناك أيضا حديث بأن الاصلاحيين قد فازوا في الانتخابات, ولكن نعلم أنه في الانتخابات؛ خاصة انتخابات مجلس الشورى كان هناك ثلاثون مقعدا في طهران من نصيب من يسمون أنفسهم بالاصلاحيين, لكن الاختيار تم وفقا لتوجه خامنئي حيث يقوي تياره الأصولي المتشدد وهذا انعكس مؤخرا على اختيار رئيس البرلمان, وتجديد اختيار علي لاريجاني وقبل انتخاب لاريجاني شاهدنا أن قاسم سليماني حضر اجتماعًا مع لاريجاني واثنى على الأخير, ووصفه بأنه بطل قومي, وبالتالي اثر بشكل او آخر على اختيار لاريجاني رئيسًا للبرلمان حتى إن كان مؤقتا لمدة عام, واستبعد محمد رضا عارف الذي كان كثيرون يعتقدون أنه سيكون مرشح الرئاسة غير أنه تنازل لصالح روحاني, وكانت هناك بعض التوقعات بأن يكون هناك رد للجميل في هذا الجانب. فبالتالي هي لعبة سياسية يمسك خامنئي بكامل الخيوط ويوجه الجميع وفق رؤيته السياسية. وربما ترشيح لاريجاني هو تجهيز له لأن يكون رئيس الجمهورية القادم.

تبدل التوقعات

صالح حميد المحلل السياسي والناشط في مجال حقوق الإنسان, وهو من الأهواز يرى أن نتائج الانتخابات لاختيار أو تنصيب أحمد جنتي لرئاسة مجلس الخبراء وأيضا علي لاريجاني لرئاسة مجلس الشورى، حملت الكثير من الدلالات؛ فبالنسبة لمجلس الخبراء؛ سبق أن فاز رفسنجاني وروحاني وحلفاؤهما بالأغلبية خاصة في طهران ولكن قبل أيام من اختيار رئيس مجلس الخبراء أعلن رفسنجاني أنه لن يترشح وانسحب – واقعيا-  لصالح جنتي رغم أن الكثيرين كانوا يعولون على أن رفسنجاني سيتسلم رئاسة المجلس أو أحد المقربين منه, وكان ما دفع الناس؛ خاصة في طهران للانتخابات والتصويت لهولاء, الشعار الذي أطلقوه بحذف ما يسمى بمثلث ”جيم” أي مصباح يزدي، ومحمد يزدي وجنتي؛ لكن اختيار جنتي يدل على أن خامنئي يريد إحكام قبضته على مجلس الخبراء, وهو أعلى هيئة قيادية تشرف على عمل المرشد, وبالواقع تضفي الشرعية له, وبدلا من أن تؤدي واجبها القانوني والدستوري وتراقب عمل المرشد, تحول مجلس الخبراء إلى مجلس لتثبيت شرعية المرشد ولصلاحياته المطلقة التي تفوق القانون.

أيضا هذا يظهر لنا صراعا داخل مجموعة كبار قادة النظام أنفسهم, وهذا الصراع تبين حتى قبيل الانتخابات عندما تسرب شريط من إحدى جماعات الضغط المقربة من المرشد وهم ”عماريون” وهي إحدى جماعات حزب الله وأغلبهم ينتمون إلى استخبارات الحرس الثوري, وكان المتحدث يقول هناك إيعاز من المرشد بحذف رفسنجاني وروحاني وحلفائهما. وكذلك كان الأمر بالنسبة لمجلس الشورى. الآن هذه النتيجة, وتنازل رفسنجاني عن الترشح للرئاسة، يبين هذا الصراع من جانب، ومن جانب آخر، يبين أن النظام يشعر بحالة الخطر حيث لا يثق حتى برجلين يعتبران من أركان النظام وهما رفسنجاني وروحاني, والمقربين منهما, ويُظهر أن المشروع الإصلاحي ما هو إلاّ سراب أطلقه هولاء من أجل إظهار وجه ديمقراطي – نوعا ما-  للنظام, بأن هناك انتخابات وتداول للسلطة, رغم ان المشاركة لم تكن كبيرة كما كانوا يتوقعون ولكنهم استطاعوا ان يخدعوا الناس وخاصة كسب التيارات الإصلاحية التي كانت تأمل أن يؤدي فوزهم في الانتخابات –كانوا يؤملون كثيرا على مجلس الشورى – ولكن باختيارلاريجاني تبين أن كل آمالهم كانت سرابا .. لا هم استلموا مقاليد مجلس الشوري (البرلمان) كي يستطيعوا أن يقدموا مشاريع للتغيير أو للإصلاح  ولا مجلس خبراء القيادة.  ويتبين أن مشروع رفسنجاني الذي كان يخطط له وسبق أن طرحه عدة مرات حول ” شورى قيادية” او “مجلس قيادي” بعد رحيل خامنئي، يحل بدل ولاية الفقيه أو ولي الفقيه, قد اعتبره خامنئي – بهذه الاختيارات – خطا أحمر, أنه يريد القضاء على فكرة أن يكون مجلس الخبراء مجلسا قياديا, ويريد الابقاء على سلطة المرشد. وربما في المستقبل القريب يعمل خامنئي ومن حوله على تهيئة مرشد من بعده ربما يكون هاشمي شاهرودي، أو هناك ابن خامنئي؛ مجتبي, وتحضيره لاستلام منصب الولي الفقيه.

إن الذين كانوا يصرون على الإصلاح وعلى ان المشاركة في الانتخابات يمكن أن تؤدى إلى تغيير الواقع شاهدوا أنه منذ انتخاب روحاني ثم انتخابات مجلس الخبراء ومجلس الشورى ورغم وصول الإصلاحيين إلى الهيئة التشريعية، لم تحدث اي تغييرات وليست هناك نية لاحداث تغييرات. والآن بدأت الصراعات بين الاصلاحيين أنفسهم ويتبين الآن أن مشروع الإصلاحيين يهدف إلى ابقاء النظام, وهذا يؤكد الحديث الذي يقول إن كل المحاولات؛ سواء أكانت الانتخابات, أو الوعود التي اطلقها روحاني, وحتي التفاوض مع الغرب والتوصل الى اتفاق نووي, كل هذه القضايا تصب في إطار الحفاظ على النظام.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …