أحمد مولانا يكتب : ماذا يفعل قادة أجهزة الاستخبارات بعد التقاعد؟


يراكم قادة أجهزة الأمن والاستخبارات خبرات ومعارف نوعية، كما يكتسبون خلال شغلهم لمناصبهم الحساسة علاقات مع نظرائهم بالدول الأخرى ورجال الأعمال والساسة والشركات الكبرى، لكنهم عند مرحلة معينة يخرجون من الخدمة؛ سواء لبلوغهم سن التقاعد أو عقاباً على أخطاء وقعت فيها أجهزتهم، وربما يذهبون كضحايا لعمليات التغيير السياسي التي تجري في دولهم، وأحياناً يتعرض بعضهم للسجن مثلما حدث مع مدير المخابرات العامة المصرية صلاح نصر الذي ظل يدير الجهاز لمدة عشر سنوات (1957-1967) قبل أن يلبث في السجن بضع سنين. فما الأعمال التي يقوم بها قادة أجهزة الاستخبارات بعد تركهم مناصبهم؟ سأجيب عن السؤال عبر تناول عدة أمثلة لقادة أجهزة أمنية واستخبارية متنوعة من إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ومصر.

من الموساد إلى الأمن السيبراني 

داني ياتوم رئيس جهاز الموساد من عام 1996 إلى 1998 انخرط بعد تقاعده في العمل بالقطاع الخاص وبالتحديد شركات الأمن السيبراني التي سطع نجمها خلال العقد الأخير، وقد شغل ياتوم في عام 2021 منصب رئيس شركة “CIY Global” المتخصصة في الحملات الهجومية عبر الإنترنت. وهي شركة أسسها ستيف جاردنغ الذي عمل سابقاً كعضو في فريق هيلاري كلينتون، كما قدم الاستشارات لزعيم حزب المؤتمر الهندي راهول غاندي خلال محاولته غير الناجحة للفوز في الانتخابات العامة بالهند في عام 2019. وهو ما يشير إلى شبكة علاقات ممتدة حول العالم تتبادل الخدمات والخبرات.

تلك ليست الشركة الوحيدة التي ترأسها ياتوم منذ تقاعده، حيث ترأس أيضاً شركة “دانتوف” التي تقدم استشارات في المجالات الجيوسياسية وإدارة المخاطر، وهو المجال الذي يملك فيه ياتوم ما يقدمه بحكم عمله السابق. كما يرأس ياتوم أيضاً مجلس إدارة شركة الأمن السيبراني “World Health Energy ” التي يضم مجلس إدارتها أوجست هانينغ الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND)، وهي شركة تشرف على نظام مبتكر لأمن المعلومات يُدعى “أتوغراف” يراقب ويحلل السلوك البشري بهدف التنبؤ بالتهديدات الأمنية في الشركات والمؤسسات. ووجود تلك الشخصيات رفيعة المستوى في مجلس إدارة الشركة يفتح أمامها الكثير من الأبواب المغلقة بحكم العلاقات التي لديهم.

أما تامير باردو رئيس الموساد خلال الفترة من 2011 إلى 2016 فقد نشط أيضاً في مجال الأمن السيبراني؛ حيث أسس بعد تقاعده شركة تُدعى “XM Cyber”، وقد استغل “باردو” علاقاته الجيدة بنظرائه الإماراتيين في إبرام عدة عقود لشركته مؤخراً مع شركات إماراتية مثل شركة “سباير” للحلول التقنية التي ترعى الفعاليات المتعلقة بالشؤون السيبرانية في دبي. وهو ما يتوقع أن يتزايد في ظل أجواء التطبيع الجارية بين تل أبيب وأبوظبي مؤخراً.

من الجيش البريطاني لخدمة ملك البحرين

ديفيد ريتشاردز رئيس هيئة الأركان المشتركة بالقوات المسلحة البريطانية والمستشار العسكري السابق لرئيس الوزراء البريطاني بين عامي 2010 و2013، انخرط بعد تقاعده في تقديم المشورة لملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وذلك عبر شركة “Equilibrium Global” التي يترأسها. وهو ما يمثل أحد أشكال النفوذ البريطاني في الخليج، والذي يمتد منذ قرنين تقريباً، حينما كانت بريطانيا تحتل معظم ساحل الخليج العربي قبل أن تجلو عنه في عام 1971.

أما “مارك جرانت” الذي استقال في عام 2017 من منصبه كمستشار للأمن القومي البريطاني بحكومة تيريزا ماري فقد عمل كرئيس لقسم المعلومات التجارية الخاصة بالشرق الأوسط وأوروبا في “بنك دويتش” بلندن ثم انتقل لاحقاً للعمل كمستشار لشركة الاستشارات (CTD) التي يترأسها المارشال المتقاعد كريستوفر نيكولاس رئيس الاستخبارات الدفاعية البريطانية في الفترة من 2009 إلى 2012. كما يعمل جرانت أيضاً رفقة ديفيد ريتشاردز في شركته المذكورة سابقاً حيث يقدم المشورة لعدد من دول الخليج العربي.

أما البريطانية كاثرين أشتون الممثلة السامية السابقة للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فقد عملت منذ عام 2020  لدى “مركز الحوار الإنساني” الذي يتخذ من سويسرا مقراً له، بالتوازي مع عملها كمستشارة لشركة الأمن الخاصة “جاردا العالمية” التي تستحوذ على عقود خاصة بالاتحاد الأوروبي في ليبيا.

أما “لين لوبان” الرئيس السابق من عام 2008 إلى 2014 لمكتب الاتصالات الحكومي البريطاني المكافئ لوكالة الأمن القومي الأمريكية، فيعمل في شركة (Hakiuyt) للأمن السيبراني التي تضم بين كبار موظفيها “ريك ليدجيت” النائب السابق لرئيس وكالة الأمن القومي الأمريكية الذي تقاعد من منصبه عام 2017، وهو الرجل الذي قاد فرقة العمل الطارئة التي تشكلت للتعامل مع تسريبات “إدوارد سنودن” الشهيرة في عامي 2013 و2014. ونلاحظ عادة وجود شراكات وتداخلات بين المسؤولين البريطانيين والأمريكيين السابقين في ظل علاقة التحالف العميقة بين بلديهما. 

فن التجسس

كيث ألكسندر الرئيس السابق لوكالة الأمن القومي الأمريكية أسس بعد تقاعده شركة “Iron Net” للأمن السيبراني، ويعمل معه بذات الشركة كمستشارين كل من مايك روجرز الرئيس السابق للجنة الدائمة للاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي، ونداف زافرير الرئيس السابق للوحدة 8200 الإسرائيلية، والتي تعد النظيرة الإسرائيلية لوكالة الأمن القومي الأمريكية. أما هنري كرمبتون الرئيس السابق لعمليات “مركز مكافحة الإرهاب” التابع لوكالة الاستخبارات المركزية، والذي نشر كتاباً تُرجم للعربية بعنوان (فن التجسس)، فقد أسس عقب تقاعده شركة للتحقيقات الخاصة والاستشارات الاستراتيجية تُدعى “كرومبتون جروب”.

روبرت كارديللو الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الوطنية للتصوير والمسح الجغرافي الأمريكية انضم في عام 2020 إلى المجلس الاستشاري لشركة “Intelligence Dynamics”، المعنية باستشارات الأمن السيبراني والاستخبارات، وهي شركة  أسستها ليزل غوردان المستشارة الأسترالية السابقة في لندن، والتي تولت المسؤولية عن الاتصال بشركاء أستراليا في تحالف العيون الخمس: بريطانيا والولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا، وهو تحالف استخباري بين خمس دول ناطقة بالإنجليزية بدأ أعماله عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويعقد إلى وقتنا الحالي اجتماعات دورية منتظمة لمناقشة المستجدات الخاصة بالتجسس الإلكتروني واستخبارات الإشارات. 

من مقرات أمن الدولة المصري إلى الإمارات  

عند تتبع سيرة اللواء السيد فهمي رئيس مباحث أمن الدولة ثم وزير الداخلية خلال الفترة من 1975 إلى 1977 في عهد السادات، نجد أنه صدر قرار جمهوري يسمح له بالسفر للخارج ليعمل لدى مؤسسة الاستثمار الكويتية في أغسطس 1977، وذلك بعد تركه منصبه الوزاري. وهو ما أصبح نموذجاً متكرراً، حيث تستفيد بعض الدول العربية من خبرات ضباط الأمن السياسي بمصر، وهو ما وصل ذروته بتوظيف عشرات الضباط من جهاز أمن الدولة بعد خروجهم من الخدمة عقب ثورة يناير/كانون الثاني في الأجهزة الأمنية الإماراتية قبل أن يعود أغلبهم إلى مصر لاحقاً بعد الإطاحة بحكم الرئيس المنتخب محمد مرسي.

أما سامح سيف اليزل الذي شغل رتبة لواء في جهاز المخابرات العامة، فقد عمل بعد تقاعده كمدير لمركز الجمهورية للدراسات والأبحاث السياسية والأمنية، كما ترأس فرع شركة G4S البريطانية للخدمات الأمنية بمصر، فضلاً عن توليه منصب رئيس مجلس إدارة الجمعية البريطانية المصرية للأعمال، وأخيراً تزعم “ائتلاف دعم مصر” بمجلس النواب الذي تشكل في عام 2015، حيث لعب دوراً سياسياً مهماً في دعم النظام الذي جاء بعد انقلاب 2013.

من خلال ما سبق يتبين أن قادة وكبار كوادر الأجهزة الاستخبارية لا يتقاعدون في الحقيقة إنما يواصلون أعمالهم عبر القطاع الخاص الذي يتقاطع عادة مع الأجهزة الأمنية في صفقات ومشاريع وعقود وتقديم استشارات، فهم يستثمرون رصيد خبراتهم وعلاقاتهم في الانخراط بأعمال جديدة يمزجون فيها بين تحقيق مكتسبات مادية شخصية ومواصلة تقديم خدمات أمنية وسياسية لأجهزة بلادهم بشكل غير رسمي يرفع عنها عبء أنشطتهم، ويعطيهم مساحة للحركة قد لا تتوافر لدى نظرائهم ممن لا يزالون بالخدمة.


Comments

comments

شاهد أيضاً

عبد الحافظ الصاوي يكتب : متى تجني تركيا ثمار توجهات أردوغان تجاه سعر الفائدة؟

ما الذي يحدث في تركيا بشأن انهيار سعر صرف عملتها؟ سؤال يطرح نفسه على أكثر من صعيد، وبخاصة …