أسامة أسكه دلي يكتب: لماذا يُتهم أردوغان بأسلمة الدولة ولم يُتهم سابقوه بعلمنتها؟

يشكل المسلمون في تركيا 99.2 % عاشوا حوالي 80 عاما في ظل حكومات علمانية. تمت ممارسة أشد أنواع التضييق عليهم، تمت ملاحقة معلمي قراءة القرآن ووضعهم بالسجن، كان يُقبض على كل من يحمل كتابا على غلافه كتابة تشبه كتابة القرآن الكريم، تم إبدال صورة المرأة المتحجبة في الكتب التعليمية في المدارس بصورة امرأة غير متحجبة، وتم تعليم الطلاب على أن مصطفى كمال أتاتورك قضى على مظهر المرأة المتخلفة وأتى بالمرأة العصرية المتحررة، مُنعت الفتاة المتحجبة من دخول الجامعة بحجابها، فكانت الفتيات المتحجبات يخلعن حجابهن عند باب الجامعة، ويرتدينها عند خروجهن، ولا يحق للفتاة المتحجبة استلام شهادتها وإن حازت على المرتبة الأولى وهي بحجابها.

 منعت المرأة المتحجبة من ممارسة أدنى حقوقها في العمل في الدوائر الرسمية، فلا يحق لها أن تتوظف في وظيفة حكومية، ولا يحق لها دخول البرلمان، وكان ينظر إليها نظرة دونية، بفعل ما تم ترسيخه من قبل تلك الحكومات العلمانية في أذهان الشعب. ابنة أردوغان نفسها، اضطرت إلى السفر إلى أمريكا لإكمال دراستها الجامعية، فقط كي لا تضطر إلى خلع حجابها في جامعات بلادها التي تمنع الفتاة المتحجبة من دخول الجامعة، وفي هذا الإطار قالت سمية أردوغان: “عندما وصلت إلى المرحلة الجامعية كان علي أن أختار إما أن أحافظ على معتقداتي وأترك التعليم الجامعي، أو أن أتخلى عن معتقداتي وأكمل دراستي الجامعية، ولذلك قررت الحفاظ على معتقداتي ومبادئي وديني والسفر إلى أمريكا لإكمال دراستي الجامعية”.

 ذات مرة ذهب أردوغان برفقة زوجته أمينة إلى زيارة أحد أهم فناني المسرح وهو “نجات أويغر” في إحدى المستشفيات التركية، فلم يتم إدخال زوجة رئيس مجلس الوزراء حاكم البلاد لارتدائها الحجاب، فاضطرت إلى تقديم أمنياتها بالشفاء لزوجة الفنان في غرفة خارج المستشفى.

 تم إبدال كلمة الله أكبر في الأذان إلى الرب كبير، وأجبر الجنود الأتراك على قول الحمد للرب بدلا من الحمد لله، ولا يستطيع الجندي الذي يصر على قول الحمد لله، البدء بالطعام، قبل أن يسمع الضابط منه قول كلمة الحمد للرب.

 هذه بعض من ممارسات الحكومة العلمانية على شعب يشكل المسلمون 99.2 بالمئة منه، لم يفتح الغرب أنذاك فمه ليندد بهذه الإجراءات التعسفية التي تقيد من حرية المواطنين، ولا تحترم معتقداتهم، وتجبرهم على فعل ما لا يطيقونه، ألم يقل ثالث رؤساء أمريكا “توماس جيفرسون” في العلمانية: “إن الإكراه في مسائل الدين، أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وإن الحقيقة تسود إذا ما سمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم”؟ لماذا نسي الغرب أو تناسى حينها هذا التعريف؟، ولم يقولوا بحق السياسات التي انتهجتها الحكومات التي حكمت تركيا آنذاك: إنها سياسات تعمل على علمنة الدولة؟.

 كثرت في الآونة الأخيرة الاتهامات التي وجهت إلى أردوغان والتي تدعي أنه يحاول أسلمة الدولة، هذا ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهذا ما ادّعته صحيفة ذي إيكونوميست في ملحقها الإضافي والذي تناولت فيه من خلال 8 مقالات الوضع التركي، مدعية في إحدى المقالات بأن أردوغان يحاول أسلمة الدولة، وجامع تشاملجا الذي يتم العمل على بنائه، سواء بحجمه أم بموقعه ليس إلا انعكاسا لهذه الرؤية. وهنا لا بد لنا من أن نطرح سؤالا، لماذا يتهم الغرب قائدا مسلما يحكم شعبا مسلما، في دولة إسلامية بأنه يقوم بأسلمة الدولة؟ ولماذا لم يتم اتهام الحكومات العلمانية السابقة التي سبقت عهد أردوغان والتي حكمت شعبا مسلما في دولة إسلامية بأنها حكومات تحاول علمنة الدولة؟ ألا يعني ذلك أن الغرب يتبع سياسة الكيل بمكيالين، وأن هذه التصريحات ليست سوى دليل على حقده الدفين تجاه الإسلام؟ ألم يكن أولى لها أن تنتقد تلك الحكومات العلمانية، التي ضيّقت على الشعب التركي، وقيّدت حرياته؟

لا يمكن لأي مهتم أو باحث في الشأن التركي والسياسة التي اتبعها أردوغان أن يلمح تضييقا من قبل حكومته على فئة معينة من الشعب، أو إجباره وإكراهه على ما لا يطيق، كل ما فعله أردوغان كقائد يدين بالديانة الإسلامية يحكم شعبا مسلما في دولة إسلامية هو استرداد حقوق وحريات المواطنين التي سُلبت من قبل الحكومات العلمانية، عمل على منح الفتاة المتحجبة حرية إكمال تعليمها الجامعي من دون أن تخلع حجابها، ولكن في المقابل لم يعمل على فرض الحجاب على المرأة غير المتحجبة، عمل على إشراك المرأة المتحجبة في الوظائف الحكومية كمثيلاتها من غير المتحجبات، ولم يعمل في الوقت نفسه على إبعاد المرأة غير المتحجبة من هذه الوظائف،  عمل على منح الشعب حرية التعبير عن دينه الإسلامي، من دون أن يمنع المتدينين بديانات أخرى من ممارسة عباداتهم، بعد كل هذا هل من المنطق اتهام قائد عمل على المساواة بين فئات الشعب من دون أن يصادر حريات بعضهم على حساب بعضهم الآخر بأنه يحاول أسلمة الدولة؟

إن أردوغان لم يخرج في سياسته عن إطار تعريف العلمانية التي عرفها الفيلسوف جون لوك عندما كتب في العلمانية: من أجل الوصول إلى دين صحيح ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد، دينيا وفكريا واجتماعيا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف.

ولنسلّم جدلا أنه يحاول أسلمة الدولة، ماذا كان يتوقع بوتين منه، أن يعلمن أو يمسحن الدولة مثلا؟ ماذا سيكون رد بوتين إن اتهمه أحد بأنه يحاول مسحنة او علمنة الدولة، ولا سيما أنه يعيش في روسيا ما يقارب 20 مليون مسلم؟ الغرب الذي لا يتوانى في كل فرصة من اتهام أردوغان بالديكتاتورية تارة، وبالأسلمة تارة أخرى، وهو القائد الذي وصل إلى سدة الحكم من خلال صناديق الاقتراع، وبانتخاب الشعب الذي ضاق ذرعا من ممارسات الحكومات العلمانية التي أثبتت فشلها في قيادة شعب إسلامي، لم يقم بفعل شيء إزاء الانقلاب العسكري الذي قام به “كنعان إيفرين” عام 1980، والذي عمل على ترهيب الشعب، ولازالتا روسيا والغرب يتبجحان بأنهما مع الديمقراطية ضد الحكومات القمعية والاستبدادية، إلا أنهما في حقيقة الأمر باركتا بالانقلابات العسكرية لمجرد كونها علمانية، ولأنها تتواءم وأهواءهما، ولم ينددا في يوم من الأيام بممارسات التضييق التي مارستها الحكومات العلمانية، لمَ لم يتهم الغرب وروسيا إيران بالاتهامات نفسها التي تلقي بها على أردوغان، خاصة أن في إيران إجراءات سياسية شديدة تتبناها الحكومة، تصل حد التعسف؟ لمَ احترمت روما الرئيس الإيراني “روحاني” وغطت لأجله التماثيل العارية، بدافع احترام العقائد والأفكار، في حين أننا لا نجد الاحترام نفسه فيما يخص تركيا؟

ختاما إن كان العمل على تحقيق المساواة وبذل الجهد لتخليص الشعب من ممارسات استبدادية من شأنها أن تضيق على سلوكهم ونمط حياتهم هي أسلمة الدولة، فأهلا بهكذا أسلمة.

………….

ترك برس

Comments

comments

شاهد أيضاً

محمد سيف الدولة يكتب : مخاطر إزاحة الرئيس المصرى

فيما يلى تقرير آخر * من تقارير المخابرات المركزية الأمريكية عن مصر**، وكنا قد تناولنا فى مقال …